الفصل 56: المخططات الخفية… الجزء 1
“أخيرًا قررت أن تُظهر وجهك يا ايها الثعلب العجوز …”
قالها رينالد وهو يحدّق ببرود، ابتسامة خفيفة لا تخفي حدّة عينيه.
ابتسم ناثان كأنه يستعيد ذكرى قديمة وقال بهدوء:
“مرّ وقت طويل منذ آخر مرة دخلتُ فيها القصر… ففضلت أن أراقبه من الخارج قليلًا قبل أن أدخل.”
تبادلا النظرات لثوانٍ طويلة، نظرات لا تحمل مجاملة واحدة، فقط اختبار قوة صامت… ثم تحرّكا معًا نحو غرفة الاجتماع.
توتر المكان انسكب على الجميع كأن الهواء صار أثقل. وجود الاثنين معًا كفيل بجعل كبار السحرة من الرتبة الثانية يبتلعون أنفاسهم بحذر.
ولم يهدأ الجو إلا بعد أن اختفيا داخل الغرفة.
داخل القصر – غرفة الاجتماعات
“لو لم تكن المفاوضات قائمة، لهجمت عليك هنا فورًا…”
ناثان ابتسم بسخرية وهو يرد:
“حقًا؟ ما زلت غاضبًا لهذه الدرجة يا صغيري؟ كل ما فعلته أنني تصرفت كما يفعل أي ساحر حقيقي…”
عروق الغضب ظهرت على جبين رينالد.
والسبب لم يكن بسيطًا.
والده… ذلك الساحر من الرتبة الأولى، رجل طيب القلب، سقط في معركة ضد شيطان اخترق ختم الـ”قبة الزائفة”.
ولو أن ناثان تدخّل وقتها… لربما لم يمت.
لكن ناثان لم يتحرك.
لم يكن يرى فائدة.
السحر عنده ليس عاطفة… بل صفقة. تبادل منفعة. لا ربح؟ لا تدخل.
رينالد لم ينسَ ذلك.
ولا سامح.
حتى حين كانت المدينة تُباد تحت هجوم “أبيلا”، لم يهتم ناثان كثيرًا بما يحدث حوله. الخسائر البشرية لم تكن ضمن حساباته أصلًا.
ومع ذلك… لم يكن هذا غريبًا على “السحرة”.
فمنذ بداية تاريخ السحر، لم يُعرف عن السحرة أنهم ملائكة. هم عقل بارد، وحسابات قاسية، وبقاء مبني على الأنانية.
“على أي حال، الكتاب تعود ملكيته لي الآن… لذلك يجب أن تدفع مقابلًا مناسبًا.”
كلمات ناثان كانت كفيلة بإشعال أعصاب رينالد أكثر.
ومع ذلك… لم يكن لديه خيار آخر.
لو أراد استعادة إرث والده، فعليه أن يبتلع هذا الغضب الآن.
لوّح بيده، فوضعت الخادمات عقدًا سحريًا، وصناديق من الموارد، وخواتم فضائية على الطاولة بينهما.
“هذه هي الأشياء التي طلبتها. وقّع العقد… وكل هذا سيكون لك.”
فتح ناثان العقد ببطء، وقرأه بدقة، صفحة بعد أخرى.
ثم أومأ برأسه:
“جيد… لا ثغرات. العقد يمنع بيع الكتاب لغير العائلة الملكية… ممتاز.”
تفقد الخواتم أيضًا، ثم وقّع دون تردد.
العقد السحري ليس لعبة.
أي خرق له يعني ارتدادًا سحريًا مرعبًا قد يمزّق الجسد ويشلّ المانا لسنوات طويلة.
لهذا… لا أحد يكسره.
وأي تفاوت في القوة لا يغيّر الحقيقة: العقوبة دائمًا موجودة، لكن أشد على الأقوى.
وبمجرد توقيع الطرفين…
احترق العقد واختفى في الفراغ دون حتى رماد.
أخذ رينالد الكتاب، ونظر إليه لحظة أخيرة.
“جيد… النسخة أصلية. لو حاول خداعي… لما خرج حيًا من هنا.”
كان هذا الإرث يعني له الكثير.
إرث والده ليس مجرد كتاب… بل وصية حياة.
“سأغيب شهورًا لأدرسه… وبعدها سأعطيه لِمارك. هذا سيفيده كثيرًا.”
خرج من الغرفة وهو أخفّ قليلًا، كمن استعاد قطعة من نفسه.
ثم عاد إلى قاعة الحفل.
عند النافذة، لمح رجلًا بشعر بنفسجي يحمل كأس عصير.
جذبه دون تفكير.
اتجه نحوه مباشرة.
حيث كان جيريث واقفًا يتحدث مع شين.
توقّف الناس جانبًا تلقائيًا، كأن وجود الملك يفرض ممرًا من الصمت.
“جلالتك… ما سبب هذه الزيارة؟”
سأل جيريث بصوته البارد المعتاد.
لكن داخله كان يراقب:
لماذا هذا الرجل يبتسم اليوم؟ هذا ليس وجهه المعتاد…
أما رينالد فابتسم وقال:
“جئت لأراك شخصيًا، أستاذ جيريث. ابني يتحدث عنك كثيرًا.”
ثم أضاف بعد لحظة:
“اختبرتك بهالة المانا عند دخولك القصر… وكنت أفضل مما توقعت. أنت حقًا شخص استثنائي.”
جيريث هز رأسه بهدوء:
“المبالغة لطف من جلالتكم. ما زلت أضعف بكثير من حضوركم.”
رفع رينالد كأسه، ورفعه جيريث أيضًا.
اصطدمت الكؤوس في تحية قصيرة.
ثم لاحظ رينالد شيئًا.
“عصير؟”
“نعم… وعدت شخصًا ألا أشرب الخمر.”
ابتسم رينالد:
“رجل يفي بوعوده… هذا نادر في هذا الزمن.”
لكن في داخله فهم شيئًا آخر:
ربما والدته فقيرة… أو وعد قديم لها…
ثم انتقل مباشرة للموضوع الحقيقي:
“ما رأيك في منصب… رئيس عائلة بليز؟”
سؤال بسيط في شكله…
لكن تحته طبقات من نار السياسة.
عين جيريث ضاقت قليلًا.
هل هذا استفزاز؟ أم اختبار؟
المعنى الحقيقي كان واضحًا:
هل تريد إسقاط رأس عائلة بليز… والجلوس مكانه؟