الفصل 20: الأطفال الغافلون…
الزنزانات في هذا العالم ظواهر طبيعية تتشكل من تلقاء نفسها. فهي تظهر في المناطق غير المأهولة على هيئة كهوف، أو أعشاش للوحوش، أو أراضٍ لوثها المياسما، وغيرها من الأشكال.
إلا أن زنزانات هذا العالم لا تشبه تلك الموجودة في الألعاب؛ فهي لا تُعاد تهيئتها بعد فترة زمنية معينة. فإذا قُضي على جميع الوحوش التي تعيش داخل زنزانة ما، فإنها تختفي تمامًا.
ولا تعود الزنزانة إلى الحياة إلا إذا هاجرت إليها وحوش أخرى لأسباب مختلفة واستوطنتها من جديد.
لم يكن الأمر كذلك في اللعبة التي لعبها جيريث، لكن بما أن هذا العالم أصبح عالمًا حقيقيًا، فمن الطبيعي أن يخضع لقوانين الواقع بدلًا من قوانين الألعاب.
…
تنقسم الزنزانات في هذا العالم إلى ثلاث درجات:
زنزانة منخفضة الرتبة: تسكنها عادة وحوش من الرتبة السابعة حتى الخامسة، كما أن كثافة المانا فيها منخفضة نسبيًا. (الزنزانة التي سيداهمها جيريث والطلاب تنتمي إلى هذه الفئة.)
زنزانة متوسطة الرتبة: غالبًا ما تكون أعشاشًا ضخمة تضم آلاف الوحوش من النوع نفسه، وتعيش فيها وحوش من الرتبة السابعة حتى الرابعة.
زنزانة عالية الرتبة: نادرة للغاية ويصعب إخضاعها. وعادةً ما تكون موطنًا لوحوش من الرتبة الثالثة أو أعلى. (وادي الوايفرن يُعد مثالًا على هذا النوع.)
يمكن العثور على معظم أنواع الوحوش داخل زنزانات العالم، باستثناء بعض الأنواع النادرة، مثل التنانين.
فالتنانين لا تُعد وحوشًا في هذا العالم، بل هي كائنات عاقلة تمتلك قوة هائلة وحكمة عميقة. ومساواتها بتلك الوايفرن عديمة العقل تُعد من أفدح الأخطاء التي قد يرتكبها المرء.
كما أن التنانين لا تعيش داخل الزنزانات، بل تبني أعشاشها في أماكن خفية بعيدة عن الأنظار. ولهذا يجوب الكثير من المغامرين العالم وهم يحلمون بأن يصبحوا «قتلة تنانين».
لكن العثور على عش تنين ليس أسهل من العثور على إبرة في محيط شاسع.
…
أمام مدخل الزنزانة
هبطت عربة طائرة عملاقة أمام مدخل الزنزانة مباشرة.
كان حجمها ووزنها هائلين إلى درجة أن الأشجار الواقعة أسفلها سُحقت تمامًا عند هبوطها، لكنها استقرت على الأرض بسلاسة دون أي مشكلة.
كانت العربة تعمل بأحجار مانا عالية الجودة، ولم تكن تجرها خيول. فرغم تصميمها الذي يشبه العربات التقليدية، فإنها في الحقيقة لم تكن تختلف كثيرًا عن طائرة سحرية.
وبفضل استخدام سحر الفضاء لتوسيع المساحة الداخلية، كانت قادرة على حمل مئة راكب. فمن الخارج بدت صغيرة نسبيًا، أما من الداخل فكانت تمتد بمساحة تعادل ملعب كرة قدم كامل.
(إنها وسيلة نقل خاصة باهظة الثمن تابعة للجامعة، ونادرًا ما تُستخدم… لكن شين استعار مفاتيحها من المدير اليوم للوصول إلى الزنزانة بسرعة وكفاءة أكبر.)
(وافق المدير على استخدامها لأنها أكثر أمانًا لنقل الطلاب، بينما كان شين سعيدًا لمجرد حصوله على فرصة قيادة عربة طائرة. كان الأمر مكسبًا للطرفين.)
(أما جيريث فلم يكن مهتمًا بقيادتها أصلًا؛ فقد فعل ذلك مرات لا تُحصى داخل اللعبة، ولم يكن لديه أي رغبة في التوسل إلى المدير لاستعارتها.)
…
بعد هبوطها بأمان، انفتح باب العربة تلقائيًا، وبدأ الطلاب بالنزول واحدًا تلو الآخر، يتبعهم شين ثم جيريث.
ألقى شين نظرة على الخريطة، ثم حدق في مدخل الكهف الصغير وقد ارتسمت على وجهه علامات الحيرة.
“هذا المكان يبدو صغيرًا جدًا… لكن كثافة المانا فيه مرتفعة بشكل غير طبيعي… غريب…”
أغمض عينيه وأطلق إحساسه بالمانا ليفحص الزنزانة بأكملها، لكنه لم يجد أي شيء غير مألوف.
ثم التفت نحو جيريث، راغبًا في سؤاله إن كان قد شعر هو الآخر بذلك الشذوذ.
لكن جيريث لم يكن ينظر إليه أصلًا، بل كان يحدق في الفراغ وكأنه شارد الذهن.
لذلك هز شين رأسه وتراجع عن السؤال.
“على أي حال… هو أيضًا ساحر من الرتبة الثانية. لا داعي لأن أخبره بكل تفصيل صغير، فلا بد أنه لاحظه بنفسه.”
بحلول هذه اللحظة، كان شين مقتنعًا تمامًا بأن جيريث ساحر من الرتبة الثانية.
ولهذا لم يرَ ضرورة لتحذيره أو مطالبته بالحذر.
فكلاهما قوي بما يكفي، وليس من المنطقي أن يظلا متأهبين طوال الوقت.
أما جيريث، فكان منشغلًا بشيء آخر تمامًا…
إذ ظهرت أمامه نافذة النظام.
[دينغ! تم اكتشاف زنزانة شبه عالية الرتبة في الجوار!]
[تحذير! ما زلت أضعف من أن تقتحم هذه الزنزانة! يُنصح بعدم دخولها في الوقت الحالي!]
عند رؤية الإشعار، تنهد جيريث وهز رأسه.
“آه… كما توقعت. الأحداث تسير تمامًا كما كان يفترض لها أن تسير… المشكلة الوحيدة أن المدير ليس هنا.”
في أحداث اللعبة الأصلية، كان المدير هو من ينقذ الموقف.
أما الآن، ومع غيابه، فقد ارتفعت احتمالات تحول الأمور إلى كارثة بشكل كبير.
“حسنًا… يبدو أن عليّ الاحتفاظ بورقة هجومي الأخيرة لحالات الطوارئ… وسأترك بقية القتال لشين… فهو عبقري في إنشاء الحواجز.”
“وبتلك الحواجز… يستطيع الصمود حتى أمام خصوم أقوى منه.”
…
بعد أن أنهى شين تفكيره، أخرج عصاه السحرية من خاتمه المكاني، ثم نظر إلى الطلاب وقال:
“حسنًا أيها الجميع، لا داعي لإضاعة وقتنا الثمين.”
“تقدموا واحدًا تلو الآخر. سأضع حاجزًا سحريًا على كل واحد منكم، وبعد أن تنالوا حماية الحاجز، ادخلوا الزنزانة بالتتابع.”
“سيعمل هذا الحاجز كوسيلة انتقال آني قصيرة المدى. فإذا تعرض أحدكم لإصابة قاتلة داخل الزنزانة، فسيتفعل الحاجز تلقائيًا وينقلكم مباشرة إلى موقعي.”
كان سحر الانتقال الآني يستهلك كميات مرعبة من المانا.
لكن شين استخدم جسده كنقطة ارتكاز لعملية النقل، مما خفّض استهلاك المانا إلى جزء يسير من تكلفته الأصلية.
ومع ذلك، ظل السحر محدودًا بالمسافات القصيرة.
فإذا ابتعد الطلاب كثيرًا عنه، فلن يعمل الحاجز.
“في الظروف العادية لن أستخدم هذا السحر أبدًا، فهو يستهلك الكثير من المانا… لكن بما أن لدينا ساحرين من الرتبة الثانية، فيمكنني إنفاق المزيد من المانا لضمان سلامة الطلاب.”
كان شين يسيء تقدير الحقيقة.
فهو يعتقد أن جيريث ساحر من الرتبة الثانية بالفعل، ولهذا ظن أنه حتى لو استنزف معظم ماناه في إنشاء الحواجز والتدابير الوقائية، فسيظل جيريث قادرًا على التعامل مع أي خطر متبقٍ.
ورغم أن شين لم يكن يطيق جيريث، فإنه كان يعلم أن كليهما أستاذان، وعليهما أداء واجبهما.
كما أنه لم يكن يظن أن جيريث من النوع الذي ينسحب في اللحظات الحرجة.
(ولو كان شين يعلم أن جيريث مجرد محتال يتظاهر بالقوة، لما تجرأ على التصرف بهذه اللامبالاة.)
أما الطلاب، فكانوا في غاية السعادة لرؤية أساتذتهم يحيطونهم بكل هذا القدر من الحماية.
وكانت فكرة واحدة فقط تدور في رؤوسهم جميعًا.
“نحن نقتحم زنزانة منخفضة الرتبة.”
“ونحمل حاجزًا سحريًا عالي المستوى.”
“ويقف خلفنا ساحران من الرتبة الثانية.”
“ما الذي قد يسوء؟”
لكن الواقع…
كان يسير في اتجاه مختلف تمامًا.
وسط كل هذه المفاهيم الخاطئة وسوء التقدير، دخل الطلاب الزنزانة وهم يبتسمون بثقة.
بينما ظل جيريث يراقبهم بعينين عابستين.
لم يكن قادرًا على إيقافهم.
فلو أخبرهم بالحقيقة الآن، لظنوا أنه يهذي، لأن الخطر الذي يتحدث عنه ما زال مختبئًا، ولم يظهر للعيان بعد.
وهكذا…
وسط كل تلك الأوهام وسوء الفهم، توغل الجميع داخل الزنزانة، غير مدركين أن الكارثة كانت بانتظارهم في الداخل.
…