المُتَحَرِّر الفصل 9 — المُتَحَرِّر 9

اقرأ المُتَحَرِّر الفصل 9 — المُتَحَرِّر 9 باللغة العربية على مانجا تايم.

ظلّوا واقفين عند حافة الجرف. لم يتحدث أحد، كان الوادي يمتد تحتهم حتى بدا كأنه لا نهاية له، والضباب ينسحب ببطء مع ارتفاع الشمس. وفي الجهة المقابلة ارتفعت الجبال واحدًا خلف الآخر، حتى انتهت عند الجبل الذي قامت عليه طائفة سحابة الشمال. راية فضية ترفرف فوق القمة. من هذا البعد لم تبدُ الطائفة مخيفة، بل بدت فقط… بعيدة، بعيدة على نحو جعل آزر يشعر للمرة الأولى بحجم العالم الذي خرج إليه.

في القرية كان يعرف الطريق إلى النهر. يعرف الحقول، يعرف البيوت، وحتى أصغر الأصوات كان يستطيع أن يربطها بوجه يعرفه، أما الآن فقد يستطيع أن يمشي يومًا كاملًا ولا يصادف شخصًا يعرف اسمه.

قال كايو أخيرًا:

— لا أحب الجبال.

التفت إليه رين.

— لماذا؟

— لأنها تجعل الإنسان يبدو صغيرًا.

ضحكت نيرة.

— أنت صغير فعلًا.

— لم أقل إنني لست كذلك.

جلس كايو على صخرة، ثم أضاف:

— فقط كنت أفضّل ألّا أراه بهذا الوضوح.

ابتسمت نيرة. أما آزر فكان لا يزال ينظر إلى الآثار. ثلاثة واضحة، ثم الآثر الرابع كان أطول قليلًا. ينتهي عند الحافة، ولا يعود.

قال ريو:

— لن نقتفي أثره.

التفت آزر إليه.

— لماذا إذا عدنا ؟

— كان لدي بضعة شكوك.

—ماذا؟

— ستعرف قريبا.

— إذن ألا يمكننا معرفة ما حدث؟

هز ريو رأسه.

— ليس بهذه الآثار.

اقترب آزر من الحافة وانحنى. نظر إلى الأسفل. صخور، أشجار، منحدر حاد، لا شيء. قالت نيرة:

— آزر، ابتعد.

رفع رأسه إليها، وكانت عيناها جادتين.

— إذا واصلت إنزال رأسك هكذا قد تتأذي!

نظر إلى الأسفل مرة أخرى. ثم تراجع، ولم يجادلها. لاحظ ريو ذلك. وقال دون أن يقصد السخرية

— بدأت تتعلم.

سأله آزر:

— ماذا؟

— متى تتوقف عن استخدام جسدك للإجابة عن الأسئلة.

لم يرد. فقط نظر إلى يده، ثم إلى الحجر الرمادي في جيبه.

لم يتجهوا مباشرة إلى الطائفة. كان أمامهم طريق ينزل إلى الوادي، ثم يتفرع بعد ذلك إلى الطريق المؤدي إلى أسفل الجبل. أقترح رين أن يقضوا الليلة في أقرب نزل قبل التفكير في الخطوة التالية. لم يعترض أحد، وحتى آزر. كان يعرف الآن أن الرغبة في معرفة شيء لا تعني أن عليه الوصول إليه في اللحظة نفسها. كان هذا أمرًا بسيطًا، لكنه لم يكن سهلًا بالنسبة إليه.

بعد عدة ساعات ظهرت المنازل. عدد قليل منها، متفرقة حول طريق ترابي، وفي الوسط بئر قديم، يجلس بجواره رجل يبيع الماء للمسافرين. نظر إليهم للحظة، ثم قال:

— نزل؟

أشار إلى مبنى صغير قرب الأشجار. دخلوا. لم يكن المكان فخمًا، فقط طاولة طويلة، عدة غرف ضيقة، ورائحة حساء انتشرت في المكان. جلس كايو قبل الجميع.

— أخيرًا.

— أنت كنت ستنجو لو تركناك وحدك.

— بالطعام؟

— ربما.

— ممتاز.

ضحك رين، ووضع صاحب النزل الأطباق أمامهم. ظلوا يأكلون بصمت في البداية. ثم قال صاحب المكان

— أنتم من الجنوب؟

نظر رين إليه.

— من لين.

رفع الرجل حاجبه.

— لين بعيدة.

— جئنا منها.

لم يزد الرجل، ولكنه قال:

— إذن أنتم ذاهبون إلى سحابة الشمال.

كان كايو على وشك الكلام، لكن ريو سبقه:

— لماذا تظن ذلك؟

ضحك الرجل.

— لأن معظم من يمر من هنا هذه الأيام يذهب إليها. صمت قليلا. — أو يهرب منها.

رفع رين رأسه.

— يهرب منها؟

— أحيانًا.

سأل آزر:

— لماذا؟

نظر الرجل إليه.

— لأن الطائفة لا تناسب الجميع.

— كيف؟

— إذا دخلت، تصبح لك قوانين.

نظر آزر إلى ريو، ثم إلى الرجل.

— أليست لكل مكان قوانين؟

ابتسم الرجل.

— نعم، ولكن بعض القوانين تُرى. والبعض الآخر تعرف فقط أنك تخضع لها عندما تحاول كسرها.

بقي آزر صامتًا. لم يعرف لماذا علقت الجملة في ذهنه.

وفي وقت متأخر من الليل خرج آزر. كان الجميع نائمون. جلس قرب البئر، ولم يكن يريد شيئًا، فقط الهدوء. بعد قليل سمع خطوات. كان ريو. جلس بجانبه، ولم يتحدث. لم يزعج آزر ذلك. كان الصمت بينهما قد أصبح مألوفًا، ثم قال ريو بعد فترة:

— عندما وصلنا لين، كنت تظن أن العالم كبير.

نظر آزر إليه.

— وما زلت.

— ليس كما كنت تظن.

— نعم.

— نادم؟

فكر آزر.

— على ماذا؟

— على خروجك من القرية.

نظر آزر نحو السماء، وكانت النجوم واضحة.

— أشتاق إليها، ولكنني لست نادمًا.

ابتسم ريو.

— أعرف.

ظل آزر صامتًا، ثم قال:

— هل كنت نادمًا عندما تركت المكان الذي كنت فيه؟

تغير وجه ريو قليلًا، ثم قال:

— نعم.

— وعندما خرجت؟

— نعم.

— ثم لماذا لم تعد؟

رفع ريو عينيه إلى السماء.

— لأن العودة لم تعد تعني الشيء نفسه.

تأمل آزر كلامه، ثم قال:

— الأشياء تتغير.

— والناس أيضًا، لذا لا تحاول أن تتغير بسرعة.

التفت إليه آزر.

— لماذا؟

— لأن بعض الناس يظنون أن القسوة قوة.

— أليست؟

هز ريو رأسه.

— أحيانًا، وأحيانًا تكون مجرد طريقة أسهل لعدم الشعور.

لم يجب آزر.. كانت هذه المرة الأولى التي يسمع فيها ريو يقول شيئًا عن نفسه دون أن يشرح الماضي. ولم يسأله.

في الصباح جاء رجل إلى النزل. شاب يحمل ملابس الطائفة. نظر إلى ريو، ثم قال:

— أنت تحمل ختمًا قديمًا.

أخرج ريو القطعة، وتأملها الشاب.

— من أعطاك إياها؟

— أحدهم.

— اسمه؟

تردد ريو، ثم قال:

— لا أعرف إن كان يريدني أن أذكره.

فكر الشاب قليلا، ثم قال:

— حسنا، لكن انصحك ان تذهب الي الطائفة في أسرع وقت.

— لماذا؟

— لأن وجودكم هنا خطير.

ضحك كايو.

— جيد.

لكن الشاب لم يهتم، وقال:

— سمعنا أنه ظهر من جديد.

سأل آزر:

— ما الذي ظهر؟

نظر الشاب إليه. ثم صمت، كان واضحًا أنه أخطأ حين تكلم. قال رين:

— ما الذي ظهر؟

— لا شيء.

ثم استدار، لكن ريو أمسك بذراعه.

— انتظر، ماذا تقصد بظهر من جديد؟

تنهد الشاب، ثم قال:

— الطريق.

تجمدت نظرة ريو، أما آزر فبقي هادئًا. قال:

— أي طريق؟

نظر الشاب إلى الجبل.

— الطريق القديم.

ثم أفلت ذراعه وغادر. ولم يتحدثوا بعده لدقائق. قال كايو:

— حسنًا، أي طريق هذا؟

لم يجب ريو، وقالت نيرة:

— الطريق الذي عبرناه ربما.

نظر كايو إليها

— لا، لن أسمح لكِ باستخدامها.

فكر ريو قليلا، ثم قال:

— نعم، على الأرجح هو الطريق نفسه.

— وهل هذا سبب وجودنا هنا؟

— لا أعرف.

— لكنه إذا كان هو فهم يعرفون أننا عبرناه.

— نعم.

تدخل رين:

— من هم؟

— هذا ما يجب أن نعرفه.

في الظهر وصلوا إلى أول بوابة تابعة للطائفة. لم تكن البوابة الرئيسية، بل كانت أصغر، وفيها أربعة حراس. وقف أحدهم أمام ريو.

— الاسم؟

ذكره ريو، ثم ذكر أسماء البقية، وعندما وصل إلى آزر سأل:

— رتبتك؟

صمت آزر. ونظر إليه الحارس.

— الرتبة؟

— لا أعرف.

تغيرت نظرة الرجل، وتدخل ريو:

— إنه لم يبدأ الزراعة بعد.

نظر الحارس إلى آزر.

— إذن لماذا جاء؟

قبل أن يجيب ريو، قال آزر:

— لأتعلم.

توقفت عين الحارس عليه، ثم قال:

— الطائفة لا تفتح أبوابها لكل من يريد التعلم.

— ماذا تريدون؟

— اختبار.

— اختبار ماذا؟

ابتسم الحارس.

— هذا ما ستعرفه عندما تبدأ.

ثم فتح البوابة، ودخلوا.

كانت الطائفة أكبر مما ظن آزر. مبانٍ حجرية بيضاء، ساحات واسعة، درجات ترتفع على امتداد الجبل، وأصوات أسلحة تتصادم في أماكن بعيدة. شبان وفتيات يتحركون بين المباني بثقة، وكان هناك فرق واضح بين هؤلاء وبين أهل لين. هؤلاء… لم يكونوا يخشون قوتهم، بل كانوا معتادين عليها. راقب آزر أحد الشبان وهو يرفع يده. ظهرت حول أصابعه خيوط ضوء باهت، وتراجع آزر دون أن يشعر، توقفت عيناه عليها. لم تكن النار، ولا البرق. بل مجرد طاقة تتحرك، سأل:

— هل هذا المدد؟

التفت ريو إليه.

— نعم.

— كيف يفعل ذلك؟

— يتعلم.

— كيف؟

— ليس الآن.

نظر آزر إليه، ثم تابع السير.

أخذوهم إلى قاعة صغيرة، وفي داخلها حجر شفاف، يشبه الحجر الذي اختبره آزر في لين لكنه أكبر قليلا. وقف رجل خلفه، وقال:

— واحدًا تلو الآخر.

كان كايو أولهم، وضع يده. انتظروا. ظهر ضوء ضعيف جدًا. ثم اختفى، وقال الرجل:

— أساس ضعيف .

انخفض وجه كايو. لاحظ آزر يده، كانت أصابعه مشدودة، ولكنه لم يتكلم. وعندما جاء دور آزر… وضع يده. لم يحدث شيء. ثانية، ثانيتان، ثم ظهرت نقطة بيضاء صغيرة داخل الحجر. قال الرجل:

— ارفع يدك.

فعل، اختفت النقطة، كرر، وظهرت مرة أخرى. نظر الرجل إليه طويلًا.

— غريب.

— ماذا؟

لم يجب الرجل، وأعاد الاختبار مرة ثالثة. ثم قال:

— أنت لا تملك مدَدًا كافيًا.

— إذن لماذا ظهر الضوء؟

تردد الرجل.

— لا أعرف.

رفع آزر رأسه، وكان هذا أول مرة يشعر فيها بشيء غير الإحباط. ليس لأنه قوي، بل لأن السؤال عاد إليه. ولكن هذه المرة من رجل يجهل الإجابة أيضًا.

خرجوا من القاعة. وكان كايو صامتًا، سأله آزر:

— هل أنت بخير؟

— نعم.

ثم تابع السير. بعد لحظات توقف، وقال:

— لا. لست بخير.

التفت إليه آزر. ضحك كايو بمرارة.

— كنت أتمنى شيئًا واحدًا على الأقل. أن يكون هناك شيء أستطيع فعله أفضل منكم.

نظر آزر إليه، وقال:

— أنت تسمع أشياء لا نسمعها.

— وهذا لا يكفي.

— لماذا؟

نظر كايو إلى يديه.

— لأنني لا أستطيع استخدامه لحمايتي.

صمت آزر. تذكر حادثة النهر، ثم تابع طريقه.

وفي المساء، بينما كانوا في الغرفة التي خصصتها لهم الطائفة، فجأه سمعوا.. طرقًا. طرقة، ثم ثانية، ثم ثالثة. رفع كايو رأسه. ولم يضحك هذه المرة. نظر ريو إليه.

— هل تسمع؟

— نعم.

— من أين؟

رفع كايو يده، صمت، ثم قال:

— من الجبل.

نظر آزر إلى الحجر، وكان دافئًا أكثر من أي مرة سابقة أخرجه، ثم وضعه على الطاولة، وظهر عليه خط رفيع من الضوء. تتبع الخط بعينيه. كان يتحرك… نحو الباب. قال ريو:

— لا تلمسه.

لم يجادل آزر. وظل ينظر إليه، ثم قال:

— لن ألمسه.

تقدم رين، ونظر إلى الخط. ثم إلى الباب.

— ماذا يحدث؟

لم يجب أحد. لكن كايو بدأ يتنفس بسرعة. قالت نيرة

— كايو؟

رفع يده.

— هناك شخص، خلفه.

اقترب ريو. وضع يده على الجدار. ثم سحبها بسرعه. كان وجهه قد تغير. قال:

— إنه ليس خلف الجدار.

— إذن أين؟

نظر ريو إلى الأعلى.

— فوقنا.

رفعوا جميعًا رؤوسهم، ولم يكن هناك شيء. فقط سقف خشبي. لكن بعد لحظات… سمعوا صوتًا. خطوة واحدة، ثم ثانية، وتوقف. قال كايو:

— هو ينتظر.

— من؟

— لا أعرف.

ثم جاءت الطرقة الرابعة، ولكن هذه المرة لم تكن من الجبل. بل… من السماء .

لم يسمعها آزر، ولا رين، ولا حتى نيرة. وحده كايو رفع رأسه. وبدا على وجهه شيء لم يروه من قبل. خوف حقيقي، وهمس:

— هذه مختلفة.

— كيف؟

نظر كايو إلى السقف. وبصوت مرتجف قال:

— شيء… شيء يطرق علينا من فوق.

وفي الخارج، فوق جبال سحابة الشمال… انطفأت النجوم واحدة تلو الأخرى..