ظلَّ الحجر أمامهم مفتوحًا، لم يكن فتحًا بالمعنى الذي يعرفونه، لم ينكسر، ولم ينزلق جانبًا. بل تشققت حافته عن خط أسود رفيع، ثم امتد الخط بهدوء حتى انقسم العمود الحجري إلى نصفين. تحرك أحد النصفين إلى الأمام ببطء، كأن يدًا خفية تدفعه من الداخل، ظهر وراءه ممر ضيق لا يشبه أي طريق رأوه من قبل.
كان مظلمًا في بدايته. ليس ظلام الليل، ولا ظلام كهف، بل كان لونًا أسود كثيفًا، ساكنًا، حتى إن النظر إليه لوهلة جعل آزر يشعر بأن عينيه ترفضان فهم ما أمامهما. لم يتحرك أحد. حتى كايو، الذي كان يجد دائمًا شيئًا يقوله، لم يجد هذه المرة.
— لن ندخل.
قال رين أخيرًا.
لم يجبه أحد، التفت إليهم واحدًا تلو الأخر، ثم أعاد النظر إلى الممر.
— لا نعرف ما هذا.
قال ريو:
— وهذا صحيح.
ثم انحنى قرب الحجر، وأخذ يتفحص الحافة التي انفتحت. مرر أصابعه على سطحها، ثم سحب يده بسرعة. كانت أصابعه ترتجف قليلًا، ولاحظت نيرة ذلك.
— ماذا حدث؟
نظر إلى يده.
— لا شيء.
مدت نيرة يدها.
— أرني.
— قلت لا شيء.
أمسكت معصمه قبل أن يسحبه. توقفت لحظة، كان جلد أصابعه أبرد من المعتاد. ثم قالت:
— أنت تكذب، وأنا لا أحب ذلك.
— ماذا وجدت؟
ظل صامتًا، ثم قال:
— حرارة.
اقترب كايو.
— حرارة؟
— لا.
تردد ريو.
— برودة… لكن ليست أي برودة.
لم يعجب كايو الجواب.
— هذا لا يساعد.
رفع ريو عينيه إليه.
— أعرف.
كان صوت ريو أكثر جدية من المعتاد.
— الشيء الذي تحتنا لم يكن حجرًا.
ساد الصمت، وقال رين:
— ماذا تقصد؟
— لا أعرف.
ضحك كايو ضحكة قصيرة، بلا مرح.
— بدأت أشعر أن هذه الجملة أصبحت مرضًا معديًا.
لكن ريو لم يبتسم، بل كان ينظر إلى الممر. ثم قال:
— حين لمست الحجر… شعرت بشيء يتحرك إلى الداخل.
— إلى أين؟
— لا أعرف.
— في جسمك؟
— لا.
— في الحجر؟
تردد.
— ربما.
رفعت نيرة حاجبها.
— لا تستخدمها وأنت تسخر من كايو.
للمرة الأولى ابتسم ريو، ابتسامة صغيرة جدًا، لكنها كانت كافية لتخفف شيئًا من التوتر.
أما آزر فلم يسمع الكلمات الأخيرة، كان قد اقترب من المدخل، ووقف على بعد خطوة. من الداخل لم يأتِ صوت، لم تهب ريح، لا رائحة غريبة. فقط ذلك السكون. مد يده.
— لا تلمسه.
قالت نيرة ذلك بسرعة.
— لماذا؟
— لا أعرف، وهذا يكفيني هذه المرة.
أنزل آزر يده، وظل ينظر إلى الداخل، ثم سأل:
— ماذا لو كان هذا هو الطريق؟
أجاب رين فورًا:
— وماذا لو كان قبرًا؟
التفت آزر إليه.
— سنعرف إذا دخلنا.
— وإذا لم نعرف إلا بعد أن نموت؟
لم يجب آزر.
قال رين:
— لا أحد منا يعرف إلى أين يقود هذا الشيء.
لسنا في القرية الآن، ولا يوجد سور نعود إليه، ولا شخص يعرف أين نحن.
قال ريو:
— وهذا سبب كافٍ لعدم الدخول.
ثم صمت.
نظر إلى آزر.
— وربما سبب كافٍ للدخول.
رفع كايو رأسه.
— قرروا أولًا أي جملة منكم تريدون تصديقها.
جلس على الأرض.
— أنا شخصيًا أفضّل أن نقرر بعد أن نتناول شيئًا.
نظرت إليه نيرة.
— أنت جائع دائمًا.
— لأنني حي.
— هذه حجة غريبة.
— لكنها حقيقية.
قال رين وهو يزفر:
— خمس دقائق، سنجلس خمس دقائق نفكر، ثم نقرر.
كان كايو على وشك الاعتراض، لكنه رأى رين جادًا، فأغلق فمه.
جلسوا، وبقي آزر واقفًا.
كانت الشمس قد تحركت قليلًا في السماء. شعاعها دخل بين أغصان الأشجار، وسقط على العمود الحجري، فبدت العلامة المنحوتة عليه أوضح من قبل، دائرة وفراغ في أعلاها. حدق آزر فيها.. تذكر القرية، الشجرة، الحجر الأسود، الطرق، والخشبة التي كانت في يد سورا. لم يعرف كيف، لكن الأشياء التي بدت متفرقة من قبل بدأت تتقارب في ذهنه.
ليس كإجابة، بل كخط. خط طويل، لم يرَ منه سوى عدة نقاط.
— أنت تفكر فيها كثيرًا.
قال ريو، ونظر إليه آزر.
— في ماذا؟
— العلامة.
— نعم.
— ماذا استنتجت؟
— لا شيء.
نظر إليه ريو للحظات، ثم قال:
— غريب، لأنك عادة لا تتوقف عند «لا شيء».
— هذه المرة لا يوجد شيء كافٍ لأفكر فيه.
ابتسم ريو.
— هذه إجابة أفضل.
اقتربت نيرة من الحجر.
— هناك شيء.
انحنى الجميع، وأشارت إلى أسفل العلامة مباشرة. خط صغير، شبه خدش. ثم قالت:
— هذا ليس من النحت الأصلي.
مرر ريو إصبعه عليه.
— لا.
— متى حدث؟
— جديد.
رفع كايو وجهه.
— جديد؟ كم مضي عليه
— لا أعرف.
نظر إليها كايو.
— أخيرًا.
رمقته بنظرة، لكن قبل أن يقول شيئًا، قال ريو:
— ليس هذا المهم.
أشار إلى الخط.
— هناك شيء مرّ من هنا.
— شخص؟
— ربما.
قال كايو:
— لا تبدأ أنت أيضًا.
لكن ريو تابع:
— هذا ليس أثر قدم، ولا أثر سلاح.
— فماذا يكون؟
انحنى أكثر.
— لا أعرف.
نظر كايو إلى السماء.
— يا أبي…
ضحكت نيرة رغمًا عنها، وحتى رين ابتسم. لكن آزر بقي يراقب الخط، كان ضيقًا جدًا، يمتد من أسفل العلامة إلى الأرض. وكأنه شيء طويل سُحب على الحجر. ثم قال فجأة:
— لم يدخل أحد.
التفتوا إليه.
— ماذا؟
أشار إلى الأثر.
— انظروا، الأثر يبدأ من داخل الطريق.
صمت الجميع، ونظر ريو إليه طويلًا، ثم عاد بنظره إلى الممر.
— صحيح.
— هذا لا يثبت شيئًا.
— لا، لكنه يعني أن شيئًا خرج.
كان القرار أسهل بعد ذلك. لم يرغب رين في الدخول، ولكن لم يرغب أيضًا في ترك شيء مجهول خلفهم. أصر على أن يعبروا واحدًا تلو الآخر، وأن يبقى آخرهم في الخارج حتى يتأكد أن العودة ممكنة. قال كايو:
— سأبقى الأخير.
نظر إليه رين.
— لماذا؟
هز كايو كتفيه.
— لأنني أقوى واحد هنا.
نظر ريو إليه.
— أنت فاشل في اختبار المدد.
— لم أقل الأفضل في المدد، قلت الأقوى.
ابتسمت نيرة.
— لا أحد قال لك إنك يجب أن تكون أقل عنادًا.
رفع كايو كتفه.
— إذا كنت أخاف، أفضّل أن أمزح.
— أعرف.
لم يضحك هذه المرة. فقط نظر إليها للحظة، ثم أشاح بوجهه. كان الأمر واضحًا، حين بدأ الخوف يظهر، كان كايو يرفع صوته، وحين يقترب منه شيء لا يستطيع فهمه، يبحث عن شيء يضحك عليه. ربما حتى لا يتذكر شعورًا آخر، شعور قديم. شعور الوقوف أمام النهر وعدم القدرة على فعل شيء.
دخل رين أولًا. ولم يحدث شيء. ظل واقفًا عند أول المنعطف، ثم أشار لهم أن يتبعوه. توقف ريو عند المدخل لحظة. التفت خلفه، وكانت الغابة كما هي. الشمس، الأشجار، الجسر، كل شيء. لكن عندما دخل، انغلق الحجر خلفه، استدار، واختفت الفتحة. قال رين:
— لا تلمسه.
لم يرد ريو. اقترب آزر من الجدار، ومرر كفه عليه. حجر، فقط حجر. لكن عندما رفع يده، شعر بذلك الإحساس ذاته الذي شعر به مع الحجر الرمادي.
سألته نيرة:
— ماذا؟
— لا شيء.
هذه المرة لم تصحح له، فقد فهمت أن «لا شيء» عند آزر ليست دائمًا جهلًا. أحيانًا تعني أنه لم يجد كلمة بعد.
كان الممر أضيق مما تصوروا. الجدران على الجانبين ملساء، بلا نباتات ولا رطوبة، رغم أن المكان بدا قديمًا. خطواتهم كانت تصدر صدى ضعيفًا، كل صوت يعود إليهم متأخرًا بمقدار بسيط. خطوة، صدى، خطوة، صدى، ثم.. بعد مسافة قصيرة، حدث شيء غريب. توقف صدى خطوات كايو، خطا كايو خطوة أخرى، وهذه المرة لم يعد الصوت. توقف، وخطا رين، ثم عاد صدى خطوته. خطت نيرة، وعاد. التفت كايو إلى ريو.
— لماذا اختفى صوتي؟
— لا أعرف.
— أنت تستمتع بهذا الآن، أليس كذلك؟
— لا.
— كاذب.
لكن ريو لم يرد، اقترب من الحائط، ورفع يده.
— هنا.
كانت هناك طبقة رقيقة جدًا من الغبار على الحجر. مسحها. ظهر نقش صغير،و هذه المرة لم يكن دائرة وفراغًا. بل خطان متوازيان، وفوقهما نقطة. قالت نيرة:
— هل له علاقة بالعلامة؟
— لا أعرف.
كان آزر ينظر إلى النقش، ثم قال:
— ربما ليس له علاقة بالعلامة.
ربما العلامة تشير إلى الطريق… وهذه تشير إلى شيء آخر.
— كيف عرفت؟
— لم أعرف، فقط فكرت.
نظر ريو إليه للحظة، وكان في عينيه شيء قريب من الرضا. لم يمدحه، ولكن آزر شعر بذلك.
بعد مسافة أطول، انتهى الممر. خرجوا إلى مساحة واسعة تحت الأرض، وتوقفت أنفاس كايو. كانت قاعة هائلة، سقفها مرتفع جدًا حتى اختفى في الظلام، وعلى الجدران عشرات النقوش. دوائر، خطوط، أشكال بشرية، وبعضها بدا كأنه جُرح في الحجر بدل أن يُنحت فيه. وفي الوسط… كان هناك حوض حجري فارغ، وحوله سبعة أعمدة. أربعة منها سليمة، وثلاثة مكسورة. ثم قال رين:
— هذا ليس طريقًا.
قال ريو:
— لا، هذا مكان.
كانت نيرة تنظر إلى الأرض، ثم أشارت.
— هناك دم.
توقف كايو.
— حديث؟
انحنت، ولمست البقعة بطرف إصبعها. ثم رفعت يدها.
— لا، بل قديم جدًا.
تنفس كايو براحة.
— جيد.
— لا أعرف لماذا شعرت بالراحة لأن الدم قديم.
— لأن الدم الحديث عادة يحمل مشكلة.
— منطقك مؤسف.
— لكنه مفيد. كان آزر بعيدًا عنهم، اقترب من الحوض. ووجد شيئًا في داخله، قطعة معدنية، رفعها، وكان عليها نصف دائرة محفورة. لكن على الطرف الآخر كان هناك شيء يشبه فراغًا. ليست العلامة، ولكنها قريبة. قال ريو:
— لا تلمس شيئًا آخر.
توقف آزر، ونظر إليه.
— لماذا؟
— لأننا لا نعرف ماذا يحدث.
وضع آزر القطعة في يده.
— لهذا أريد أن أعرف.
رد ريو بحدة:
— المعرفة لا تعني أن تضع يدك على كل شيء.
نظر آزر إليه، وللحظة، بدا أن شيئًا ما سيحدث بينهما. ثم أنزل آزر القطعة.
— حسنًا.
كانت لحظة صغيرة، لكن نيرة لاحظتها. آزر لم يكن يطيع ريو خوفًا، ولم يتحده لمجرد التحدي. استمع، وأجّل رغبته، شيء بسيط، ولكنه جديد.
وجد ريو درجًا حجريًا يصعد إلى جانب القاعة. تقدموا، وفي كل خطوة كانت أكثر صعوبة من السابقة. كان المكان جافًا، والهواء أثقل. وفي منتصف الدرج وجدوا بابًا خشبيًا قديمًا، ومحترقًا من طرفه. فوقه علامة أخرى، وهذه المرة كانت واضحة. دائرة، وفي أعلاها فراغ. وقف رين.
— لا.
— ماذا؟
— العلامة .
قال ريو:
— نعم.
اقترب آزر، وكان هناك شيء مكتوب تحتها. كلمات قليلة، بعضها تم محوه، ثم قال ريو بصوت منخفض:
— « العبور …»
توقف، ثم حاول تنظيف التراب. وظهرت بقية الجملة.
— « مرة …»
نظر إليهم، وقالت نيرة:
— العبور مرة؟
— ربما.
قال كايو:
— لا تبدأ.
ابتسم ريو، ثم نظر إلى الباب.
— قد يكون المقصود أن هذا الباب لا يُفتح إلا مرة واحدة.
— إذن لا نفتحه.
لكن آزر كان ينظر إلى شيء آخر.
كانت هناك آثار خدوش على المقبض.
— أحدهم خرج.
ساد الصمت، ثم قال ريو:
— نعم، لكن متى؟
— لا نعرف.
— وهذا لا يجيب شيئًا.
— لكنه يخبرنا أننا لسنا أول من جاء.
ابتعد رين عن الباب.
— وهذا يجعلني أكثر رغبة في المغادرة.
لم يتفقوا، وهذه المرة لم يكن الأمر بسيطًا. رين يريد العودة. ريو يريد فهم المكان قبل اتخاذ القرار. نيرة تريد معرفة وظيفة القاعة. كايو يريد أن يعرف إن كان المكان يؤدي إلى الخارج. أما آزر… فكان يريد فتح الباب. قال رين:
— قلت لا.
نظر إليه آزر.
— لماذا؟
— لأننا لا نعرف ما ورائه.
— قد يقود الي مخرج.
— وقد يقود الي القبر.
— صحيح.
رفع رين صوته قليلًا.
— إذن لماذا تتحدث كأن الأمر لا يهم؟
صمت آزر، وللمرة الأولى، لم يجد جوابًا فوريًا. نظر إلى الباب، ثم إلى رين. كان رين غاضبًا فعلًا. ليس بسبب الباب وحده، كان مرهقًا، خائفًا، ومسؤولًا عن ثلاثة أشخاص آخرين، على الرغم أن أحدًا لم يطلب منه رسميًا أن يكون كذلك. تابع آزر:
— يهمني.
— لا يبدو ذلك.
جلس آزر على الدرج، وظل يفكر. ثم قال:
— أنا لا أريد أن أموت هنا .
صمت الجميع. كانت جملة عادية، لربما حتى أول جملة عادية جدًا قالها آزر منذ زمن. قالت نيرة
— جيد.
رفع عينيه إليها.
— لماذا؟
— لأنك أحيانًا تتحدث وكأن الموت فكرة تخص الآخرين.
لم يجب، وخفض عينيه. لم يعجبه كلامها. لكنه لم يغضب، فقط بقي صامتًا. وبعد قليل قال:
— لا أريد أن أموت، لكنني لا أريد أن أعود أيضًا.
نظر ريو إليه، وفهم شيئًا صغيرًا. آزر لم يكن يختار الموت. ولم يكن يحتقر الحياة، كان فقط مستعدًا للمخاطرة بهما من أجل شيء أكبر في رأسه. وهذا فرق مهم.
فتحوا الباب. وهذه المرة لأنهم اتفقوا، وضع ريو يده على الجانب. طلب من رين أن يبقى خلفهم، نيرة جهزت أدواتها، وكايو أمسك سلاحه. أما آزر فوقف أمام الباب. قال ريو:
— عندما نفتحه، لا تتقدم وحدك.
— لن أفعل.
— عدني.
تردد آزر، ثم قال:
— أعدك.
فتحوا، ولم يحدث شيء. وراء الباب ممر قصير، وفي نهايته ضوء. ضوء حقيقي قريب. قال كايو:
— طريق للخارج؟
مشى رين خطوة، ثم توقف. كان الضوء قادمًا من فتحة واسعة، اقتربوا جميعًا. وخرجوا.
وقفوا على جرف صخري. كانت الشمس في الخارج تميل إلى الغروب. أمامهم وادٍ هائل، وفي وسطه، على مسافة بعيدة، ارتفعت أبنية ضخمة خلف أسوار شاهقة. قال رين:
— مدينة أخرى؟
هز ريو رأسه.
— لا أظن.
في الجهة المقابلة للواد، ارتفع جبل طويل، وعلى سفحه ظهر مبنى هائل، أبيض الجدران، يحمل في أعلاه راية فضية. وقد عرفها ريو فورًا، ثم قال بهدوء:
— طائفة سحابة الشمال .
التفت كايو.
— ماذا؟
لم يجب ريو، كان ينظر إلى المسافة. ثم قال:
— الطريق الذي قال عنه الشيخ…
أكمل آزر:
— لم يكن طريقًا إلى الشمال.. بل كان طريقًا إلى هنا.
صمت ريو، ثم ابتسم بمرارة.
— يبدو أن الشيخ كان يعرف أكثر مما قال.
— هذه ليست صفة جديدة.
لكن نيرة لم تكن تنظر إلى الطائفة، بل كانت تنظر إلى الجرف، واقتربت من الحافة.
— انظروا.
جاءوا إليها. أسفلهم مباشرة، على الصخور، كانت هناك آثار أقدام، أربعة أشخاص، واضحة، وحديثة. سأل رين:
— لنا؟
— لا.
عَدَّها، ثم نظر إليهم.
— نحن أربعة.
صمت، ثم قال كايو:
— وهذه أربعة أيضًا.
هز ريو رأسه.
— لا.
وأشار إلى الأثر الأخير.
— هذا ليس حذاءً.
كانت البصمة ضيقة، طويلة، وتشبه القدم البشرية… لكن أطول بقليل. ثم توقفت عند حافة الجرف. لا أثر للسقوط، ولا أثر للعودة. قالت نيرة:
— كان هنا شخص، ثم اختفى؟
— نعم.
نظر كايو إلى آزر.
— هل تريد أن تقول إننا سنلاحقه؟
ظل آزر ينظر إلى الأثر، ثم إلى الطائفة البعيدة، وأخيرا إلى الوادي. في القرية، كان يرى الأشياء من خلال ما يستطيع فعله. إذا استطاع إنقاذ شخص، حاول، وإذا عجز، بقي عاجزًا. لكن شيئًا ما تغيّر منذ ذلك الحين، لم يعد يرى العجز على أنه نهاية السؤال، بل صار يراه سببًا للبحث عن شيء آخر. ابتسم وقال:
— لا، لن نلاحقه.
نظر إليه رين، وهذه المرة لم يقل شيئًا. أما ريو فظل يحدق فيه.
— بدأت تتغير.
التفت آزر إليه.
— كيف؟
تردد ريو، ثم قال:
— في السابق كنت تقفز إلى الشيء لأنك تريد أن تعرفه، والآن.. بدأت تسأل ماذا تحتاج كي تصل إليه.
صمت آزر. لم يعرف إن كان ذلك مدحًا أم تحذيرًا. قال:
— أليس هذا أفضل؟
نظر ريو إلى الوادي.
— ربما.
ضحك كايو من بعيد.
— ها قد عادت.
رمقه ريو بنظرة. فضحكت نيرة، وحتى آزر ابتسم. ابتسامة صغيرة، سريعة. لكنها كانت موجودة.
نصبوا مخيمهم قبل حلول الظلام. ولم يكن المكان آمنًا تمامًا، لكنه أفضل من الجرف. أشعل رين النار، كانت ألسنة اللهب ضعيفة في البداية، ثم استقرت. جلس كايو وهو يمد ساقيه.
— أريد أن أنام يومًا كاملًا.
— لن تفعل.
— أعلم.
— لماذا تقولها إذن؟
— حتى أريح نفسي.
— هذا أسوأ .
نظر كايو إليه.
— أعترف أنني أشتاق للطعام أكثر مما أشتاق للقرية.
سكت للحظة، ثم أضاف:
— لكنني أشتاق لأمي.
لم يرد أحد. وهذه المرة لم يضحك. كانت النار تتأوه بهدوء، وقال كايو:
— لا أعرف أين هي الآن، لكن لو كانت حية…
توقف، ثم ضحك بخفة.
— ستقول لي إنني كنت أحمق لأنني دخلت نفقًا لا أعرفه.
— ستقول شيئًا كهذا بالتأكيد.
ابتسم كايو.
— أجل.
ساد الصمت، ثم قال آزر:
— هل كنت ستستمع إليها؟
رفع كايو رأسه، وفكر.
— لا، لكنها ستغضب فقط.
نظر آزر إلى النار. بقي يفكر في الإجابة، لربما كانت هذه هي الحياة. أن تعرف ما يجب فعله… ثم تفعله أحيانًا، وأحيانًا لا. أن تحب شخصًا رغم أنك قد لا تسمع نصيحته. أن تخاف، وتذهب رغم ذلك. أن تتردد، وأن تخسر، ثم تستمر. لم يكن آزر يملك الكلمات لكل هذا. لكنه بدأ يشعر به، وهذا كان أخطر.
وفي وقت متأخر من الليل، عندما نام الآخرون، بقي آزر مستيقظًا. أخرج الحجر الرمادي، ووضعه أمامه. لم يعد باردًا كما كان، لقد كان دافئًا قليلًا. قربه من النار، ثم أبعده. لا فرق. تذكر سؤال الشيخ: «من قال لك إن المدد يخرج من اليد؟» نظر إلى أصابعه. لم يكن يعرف كيف يزرع، ولم يكن يعرف الرتب، ولا حتى يعرف لماذا استطاع أن يشعر بالحجر. لكن لأول مرة… لم يكن منزعجًا من ذلك.
في قاعة الاختبار، عندما أخبره الرجل أن هناك شيئًا غريبًا فيه، كان يريد إجابة. الآن بدأ يفهم شيئًا. ليس كل باب يُفتح لك لأنه يريد أن يعطيك جوابًا، فبعض الأبواب تُفتح… لترى ما مدي السعر الذي أنت مستعد لدفعه. رفع رأسه، ونظر إلى النيران البعيدة. ثم إلى رين النائم قربها، وإلى كايو الذي كان يتحدث في نومه، وأخيرا إلى نيرة التي وضعت حقيبتها تحت رأسها. ظل ينظر إليهم.. للحظة، شعر بشيء يشبه الخوف، لكن ليس على نفسه. بل عليهم. فكرة غريبة، ولم يحبها. لأن الخوف على النفس مفهوم، لكن الخوف على الآخرين يجعل القرار أصعب، وبدا له أن هذا هو الجزء الذي لم يفهمه بعد. إذا كان عليه أن يختار يومًا بين هدفه… وبين حياة شخص آخر… فماذا سيفعل؟ ظل السؤال أمامه، ولم يجب. لم يكن يريد أن يكذب على نفسه بإجابة جميلة. أغلق يده على الحجر، وقال بصوت خافت:
— لا أعرف .
ثم بقي ساكنًا. وللمرة الأولى… لم يشعر بالخجل من ألا يعرف. فبعض الإجابات… لا ينبغي أن تُقال قبل أن يأتي اليوم التي تُختبر فيه.
وفي مكان بعيد عن الوادي، خلف الجبل الذي ظهرت عليه راية سحابة الشمال، كان رجل يسير في ممر حجري تحت الأرض. توقف، ورفع رأسه، ثم توقف الضوء الأبيض فوقه للحظة. ثم جاء صوت خافت. طرقة واحدة. اقترب الرجل من الجدار. كانت عليه العلامة . دائرة، وفراغ في أعلاها. وضع يده عليها، وقال بصوت منخفض:
— عاد الطريق إلى العمل .
جاءه صوت من الظلام:
— هل عبر أحد؟
صمت الرجل، ثم أجاب:
— أربعة.
— هل رأوها؟
نظر إلى العلامة.
— رأوا ما يكفي.
ساد الصمت، ثم جاء السؤال:
— ومن كان يحمل الحجر؟
لم يجب الرجل مباشرة، وظر إلى الاتجاه الذي تقع فيه لين. ثم قال:
— الفتى.
صمت الطرف الآخر طويلًا، ثم جاءه صوت هادئ:
— إذن… لقد بدأ.
وانطفأ الضوء. أما في الوادي، فلم يكن آزر يعلم أن بعض الأبواب لا تُفتح لمن يبحث عنها…
بل… لمن يلفت انتباه من يقف خلفها