مات الرجل عند الغروب.
لم يحدث شيء حينها، لم تنشق السماء، ولم تهتز الأرض، ولم تتوقف الريح احترامًا لآخر نفس خرج من صدره.
استمرت الشمس في الهبوط خلف الجبال، وعادت الطيور إلى أعشاشها، وتصاعد الدخان من مداخن البيوت الطينية بينما عاد أهل القرية إلى أعمالهم كأن شيئًا لم يتغير.
لكن بالنسبة إلى آزر، تغيّر كل شيء.
كان واقفًا أمام الجسد بصمت.
في السادسة عشرة من عمره، كان يبدو أصغر من سنه بقليل، بجسد نحيل اعتاد العمل في الحقول.
بشرته بيضاء شاحبة على نحو غير مألوف، وشعره الأسود الطويل ينسدل حتى أسفل كتفيه، تحركه الرياح بخفة حول وجهه الهادئ.
أما عيناه.. فكانتا داكنتين إلى درجة يصعب معها تمييز بريقهما، كأنهما تنظران إلى شيء بعيد لا يراه أحد، ولم تكن على وجهه أي تعابير.
لا حزن، لا خوف، لا صدمة، فقط ذلك الهدوء الغريب.
مد يده ولمس أصابع الرجل.
كانت باردة.. ثم سحب يده ببطء.
قال رجل يقف خلفه:
— آزر، تعال.
كان رين أحد رجال القرية، في أواخر الأربعينيات، عريض الكتفين، ذا وجه مستدير أكلت الشمس لونه، وشعر أسود بدأ الشيب يتسلل إلى جانبيه. كانت عيناه تحملان ذلك النوع من الإرهاق الذي لا يأتي من العمل وحده، بل من سنوات طويلة من قبول الحياة كما هي.
اقترب ووضع يده على كتف آزر:
— دعه يرتاح.
لم يتحرك آزر، وظل ينظر إلى الجسد، ثم قال:
— أين ذهب؟
عبس رين:
— ماذا؟
كان هنا هذا الصباح.
كان يتحدث، كان يضحك، كان غاضبًا.
صمت لحظة، والآن… لا شيء.
لم يعرف رين ماذا يقول، فقال ببساطة:
— مات.
رفع آزر عينيه إليه:
— أعرف.
ثم عاد بنظره إلى الجسد:
— أنا أسأل أين ذهب.
ساد الصمت، كانت تلك من الأسئلة التي يطرحها الأطفال عندما يرون الموت للمرة الأولى، ولهذا كانت الإجابة سهلة.
قال رين:
— انتهى أجله.
ظل آزر ينظر إليه:
— هذا ليس جوابًا.
تنهد رين:
— هذه هي الحياة يا آزر.
هذه هي الحياة، احتفظ آزر بالكلمات في ذهنه، ولم يفهم كيف يمكن لجملة كهذه أن تفسر شيئًا.
وفي تلك الليلة، لم يستطع النوم.
كان مستلقيًا في غرفته، يحدق في السقف الخشبي بينما يتردد صوت الرياح خلف النافذة، وكان جسده متعبًا، لكن عقله لم يكن كذلك.
كلما أغلق عينيه رأى وجه الرجل، قبل ساعات كان حيًا، والآن مات، الجسد نفسه ما زال موجودًا، العينان، اليدان، القلب… لكن الشيء الذي جعله ذلك الرجل اختفى.
جلس آزر على فراشه.
ما الذي مات؟ الجسد؟ أم شيء آخر؟
نهض وخرج من المنزل، كان والده ووالدته نائمين، والده كاين، رجل طويل عريض الصدر، في أوائل الأربعينيات، ذو ذراعين قويتين اكتسبتا صلابتهما من سنوات العمل في الحقول، شعره أسود قصير تتخلله خصلات رمادية، ووجهه خشن الملامح تزينه لحية خفيفة وندبة قديمة تمتد فوق حاجبه الأيسر.
أما والدته ميرا، فكانت امرأة في أواخر الثلاثينيات، نحيلة وهادئة، ذات بشرة فاتحة وشعر أسود طويل غالبًا ما تربطه خلف رأسها أثناء العمل.
كانت ملامحها رقيقة، لكن عينيها تحملان ذلك الإرهاق الهادئ الذي تركته سنوات العمل ورعاية الأسرة.
وكان آزر يشبهها أكثر مما يشبه والده.
خرج إلى طرف القرية وجلس تحت شجرة قديمة.
رفع رأسه نحو السماء، آلاف النجوم بلا نهاية ظاهرة، وبدا له الموت أصغر من أن يكون قادرًا على إنهاء كل شيء..
بعد وقت طويل، سمع خطوات خلفه.
— كنت أعرف أنك هنا.
كانت ميرا، وجلست بجواره دون أن تسأله لماذا خرج.
ظلت صامتة لبعض الوقت، ثم قالت:
— حزنت عليه؟
— نعم.
— كان رجلاً طيبًا.
لم يجب، ثم قالت بعد لحظة:
— سيُدفن غدًا.
نظر آزر إلى السماء، ثم سأل:
— هل سيموت أبي؟
توقفت ميرا:
— آزر…
— وأنت؟
لم تجب… نظر إليها:
— هل ستموتين؟
خفضت عينيها، ثم ابتسمت ابتسامة حزينة:
— يومًا ما.
ظل ينظر إليها، إلى يديها، إلى وجهها، إلى كل التفاصيل الصغيرة التي يعرفها عنها، وفكر كيف يمكن لشيء يعرفه بهذا القدر أن يصبح يومًا جسدًا باردًا، سأل:
— وأنا؟
وضعت ميرا يدها على شعره:
— كلنا سنموت.
لم يتغير وجهه، لكن عينيه تحركتا قليلاً:
— لماذا؟
— لأن هذه طبيعة الحياة.
عاد إليه الجواب نفسه، طبيعة الحياة.. رفع آزر عينيه:
— ومن قرر ذلك؟
نظرت إليه أمه باستغراب:
— لم يقرر أحد.
— إذن لماذا يحدث؟
صمتت، ثم قالت:
— بعض الأشياء ليس لها جواب.
نظر آزر إلى السماء طويلاً.
بالنسبة إلى أمه، قد انتهى الحديث.
أما بالنسبة إليه… فقد بدأ.
في اليوم التالي دفنوا الرجل.
حُفرت حفرة صغيرة خلف القرية، ووُضع الجسد فيها، ثم بدأ التراب يختفي فوقه حفنة بعد أخرى.
ظل آزر واقفًا يشاهد، لم يشعر بالحزن كما توقع.
كان يشعر بشيء آخر…
فضول، فضول لم يعرف كيف يوقفه.
حين انتهى الدفن، بدأ الناس في العودة إلى بيوتهم.
قال أحدهم:
— الحياة تستمر.
توقف آزر، ونظر إلى القبر، الحياة تستمر، لكن لمن؟ للأحياء.
أما الذي في الأسفل فقد انتهى كل شيء بالنسبة إليه.
ذكرياته، أحلامه، خوفه، حبه، كرهه، كل شيء.
ليس لأن أحدًا هزمه، وليس لأن أحدًا كان أقوى منه، بل لأن شيئًا واحدًا قرر أن وجوده قد انتهى.
نظر آزر إلى القبر، ثم قال في نفسه: إن كان الموت قانونًا… فمن وضع القانون؟
مرت الأسابيع.
عاد آزر إلى حياته الطبيعية.
كان يعمل مع والده في الحقول، ويحمل الماء، ويجمع الحطب، كان يتحدث عندما يحتاج إلى الكلام، ويصمت عندما لا يحتاج إليه.
لم يكن كثير الضحك، ولم يكن سريع الغضب، ولم يكن يهتم بأن يكون محبوبًا أو مكروهًا.
لكن شيئًا واحدًا تغيّر.
بدأ يراقب الموت، كل شيء حوله كان يموت، الحيوانات، الأشجار، الزهور، الناس، حتى الأشياء التي تبدو خالدة كانت تتغير ببطء.
وفي إحدى الليالي، بينما كان كاين يصلح مقبض فأس، سأله آزر:
— أبي.
— ماذا؟
— هل يوجد شيء لا يموت؟
رفع كاين رأسه، ونظر إلى ابنه طويلاً، ثم قال:
— الجبال.
قال آزر:
— الجبال تتفتت.
صمت كاين، سأله آزر:
— النهر؟
— يتغير مجراه.
— إذن لا شيء؟
وضع كاين الفأس جانبًا:
— لماذا تفكر في هذه الأشياء؟
— لأنني أريد أن أعرف.
— وماذا ستفعل عندما تعرف؟
نظر آزر إليه، كانت عيناه هادئتين:
— لا أعرف، لكنني أريد أن أعرف أولاً.
حدق كاين فيه للحظات، ثم عاد إلى عمله.
لم يدرك أن تلك الكلمات البسيطة كانت أول خطوة في طريق لن يستطيع أحد إيقافه.
بعد ثلاثة أسابيع، وصل الغريب.
كان ذلك وقت الظهيرة، ظهر رجل عند المدخل الشرقي للقرية، كان يترنح، ثيابه سوداء وممزقة، وشعره الطويل ملتصق بوجهه بسبب الدم والعرق. سقط قبل أن يصل إلى أول منزل.
ركض الناس نحوه، كان رين أول من وصل:
— هل هو حي؟
انحنى فوقه، الرجل في الثلاثينيات، طويل القامة، جسده قوي على الرغم من حالته، ووجهه شاحب، يحمل جرحًا عميقًا يمتد من كتفه حتى صدره. وضع رين أصابعه قرب أنفه:
— يتنفس.
اقترب آزر، كانت عيناه مثبتتين على الأرض.
بجوار يد الغريب كان هناك حجر صغير مشطور إلى نصفين، لم يكن مجرد كسر، كانت حافته سوداء، كأن شيئًا أحرقه.
اقترب آزر خطوة، ففتح الغريب عينيه فجأة.
كانت عيناه ممتلئتين برعب لم يره آزر في وجه إنسان من قبل
حرك الرجل شفتيه، انحنى رين:
— من فعل بك هذا؟
حاول الغريب الكلام، خرج الدم من فمه، ثم رفع يده المرتجفة وأشار إلى السماء.
نظر الجميع إلى الأعلى.
سماء صافية، لا سحب، لا عاصفة، لا شيء.
قال الرجل بصوت بالكاد يُسمع:
— وجدني…
سأله رين:
— من؟
ارتعشت عينا الغريب، ثم قال:
— السماء .
ساد الصمت، ثم أغلق عينيه.
ضحك أحد الرجال بتوتر:
— إنه يهذي.
لكن آزر لم يضحك، ظل ينظر إلى السماء، ثم إلى الغريب، ثم إلى الحجر المحترق.
لأول مرة، شعر أن السؤال الذي ظل يطارده طوال الأسابيع الماضية لم يكن سؤالاً بلا جواب، بل كان هناك شيء ما، شيء هائل، شيء خلف الجبال. شيء ربما يعرف لماذا يموت كل شيء.
وربما… كان هو نفسه السبب.
رفع آزر رأسه نحو السماء، ولم تتغير ملامحه، لكن شيئًا واحدًا تغيّر في داخله.
لم يعد يريد أن يفهم الموت فقط.
كان يريد أن يعرف من يملك الحق في أن يقرر من يموت..