لم يعرف أحد ماذا يفعل بعد كلمات كايو. «شيء يطرق علينا من فوق» بقيت الغرفة ساكنة، وحتى النار الصغيرة في المصباح انطفأت تمامًا، تاركة وراءها خيطًا رفيعًا من الدخان. قال رين:
— لن يصدقك أحد من الطائفة إذا أخبرتهم.
رفع كايو عينيه إليه.
— لم أطلب من أحد أن يصدقني.
كان صوته مختلفًا. ولم يكن فيه شيء من مزاحه المعتاد. قال ريو:
— ما الذي سمعته تحديدًا؟
صمت كايو.
ثم قال:
— لا أعرف.
نظر إليه ريو طويلًا.
— حاول.
أغمض كايو عينيه.
— كان بعيدًا. ليس مثل الطرقات التي سمعناها من الحجر.
— كيف؟
رفع يده إلى الأعلى.
— وكأن الصوت لم يمر عبر شيء.
نظر آزر إلى النافذة. وكانت السماء مظلمة. فكر قليلا ثم قال:
— وهل توقف بعد الرابعة؟
أومأ كايو.
— نعم.
— ثم ماذا؟
نظر كايو إليه.
— لا شيء، وهذا أسوأ.
لم ينم أحد منهم تلك الليلة.
انتظرت الطائفة الصباح، لكنه تأخر وكأن الليل قرر أن يطول ساعة إضافية، وحين بدأت السماء تفتح لونها، ظهرت حركة غير طبيعية في الجبل.
حراس، شيوخ، وتلاميذ كبار كلهم يتجهون نحو الجزء الأعلى من الطائفة.
لم يخبرهم أحد بشيء. وعندما حاول كايو أن يسأل أحد الحراس، تلقى إجابة واحدة
— عودوا إلى مساكنكم.
عاد، لكن ليس لأنه خاف، بل لأن الرجل لم يعطه فرصة ليجادل أصلًا.
في الصباح تغيّر شيء في الطائفة. لم يكن واضحًا. لكن التلاميذ صاروا أكثر صمتًا، والأبواب التي كانت مفتوحة بالأمس أُغلقت.
بعض الممرات أحيطت بالحراس، وحتى رين لاحظ ذلك.
ثم قال:
— شيء حدث.
— نعم.
— هل تعرف؟
— لا.
رفع رين حاجبه.
— هذه المرة لن أجادل معك.
ابتسم ريو.
— تعلمت.
كانوا يقفون في ساحة واسعة، حين جاءهم شاب يرتدي ثوبًا رماديًا.
— اتبعوني.
— إلى أين؟
— تسجيل التلاميذ.
نظر كايو إلى آزر.
— يبدو أن الأمر بدأ.
كانت قاعة التسجيل مزدحمة، وعشرات الشباب ينتظرون.
بعضهم جاء مع أسرته، وبعضهم جاء بمفرده، زكان واضحًا أن كثيرين منهم انتظروا سنوات حتى يحصلوا على فرصة دخول الطائفة. جلس رجل خلف طاولة طويلة، وأمامه سجلات كثيرة، ثم رفع رأسه.
— الاسم.
بدأ بهم واحدًا واحدًا، رين، نيرة. كايو، آزر، نظر الرجل إلى الأوراق.
ثم قال:
— تلاميذ خارجيون.
لم يفهم كايو.
— ما معنى ذلك؟
رفع الرجل عينيه إليه.
— هل دخلت الطائفة بالأمس؟
— نعم.
— إذن أنت تلميذ خارجي.
— وهل هناك أنواع أخرى؟
— كثيرة.
ثم أشار إلى الساحة خلفه.
— الخارجيون لا يدخلون الأقسام الداخلية، ولا يتلقون موارد الطائفة الأساسية، ولا يحق لهم دخول الجبل الداخلي، ولا استخدام قاعات التدريب الخاصة.
— وماذا يحق لنا؟
نظر الرجل إليه.
— أن تتدربوا، وأنتم مسؤولون عن أنفسكم.
كانت الإجابة أبرد مما توقعوا.
قال رين:
— وهل يوجد نظام للترقي؟
— بالطبع.
— كيف؟
— الاختبارات.
— وما الذي نحتاجه؟
الرجل أعاد نظره إلى السجل.
— القوة .
— والموهبة؟
— تساعد.
— والحظ؟
— أحيانًا.
— المال؟
نظر إليه الرجل للمرة الأولى بشيء يشبه الملل.
— إذا كان لديك ما يكفي منه، فلن تحتاج إلى أن تسأل.
ضحك أحد الواقفين خلفهم. لم يضحك كايو، أما آزر فكان يستمع فقط.
كانت هناك قاعدة واضحة، الطائفة لا تهتم بمن يأتي إليها. بل تهتم بما يستطيع أن يثبت أنه يستحق البقاء. وهذا… أعجبه أكثر مما توقع.
بعد التسجيل قُسّمت لهم مساكن بسيطة.
غرفة صغيرة، أربعة أسرّة، خزانة مشتركة، ونافذة تطل على ساحة التدريب. وكان لكل تلميذ خارجي حصة محددة من الطعام، وبعض الأعشاب البسيطة، ووقت مسموح له باستخدام ساحة التدريب. ثم سأل كايو
— هذا كل شيء؟
أجاب المشرف:
— تريد أكثر؟
— قليلًا.
— اكسبه.
ثم غادر. حدق كايو في الباب.
— أكرهه.
— لقد قابلته منذ دقيقة.
— وجهه بغيض.
ابتسمت نيرة. أما آزر فاقترب من النافذة. في الساحة كان عشرات التلاميذ يتدربون، بعضهم يحمل السيوف، وبعضهم يستخدم المدد.
يتبادلون الضربات، لكن المدهش لم يكن قوتهم. بل تنظيمهم، كل شيء له وقت، وكل شيء له قواعد.
قال آزر:
— لا أحد يفعل ما يريد.
— هذا طبيعي.
— لا حتى الأقوياء.
توقف رين، ثم نظر إلى الساحة.
— نعم.
في اليوم التالي بدأ التدريب الرسمي. جلسوا في صف طويل، أمامهم رجل يبدو في الأربعينيات، وكانت يده اليمنى تحمل عصًا قصيرة ويبدو عليه الجدية.
— اسمي هان. أنتم التلاميذ الخارجيون لا تستحقون أن تعرفوا أكثر من ذلك.
ضحك بعض التلاميذ، وتابع:
— أنتم لستم ضعفاء لأنكم تلاميذ خارجيون. ولكنكم لستم مهمين.
صمتت الساحة. لم يبدُ على وجهه أي تعاطف.
تابع وقال:
الطائفة لا تكرهكم، ولا تحبكم، ولا تهتم إن نجحتم أو فشلتم. هذا هو النظام..
مشى أمامهم. ثم توقف أمام آزر.
— ما اسمك؟
— آزر.
— هل تعرف شيئًا عن المدد؟
— قليلًا.
— استخدمه.
صمت آزر.
— لا أستطيع.
ابتسم هان.
— جيد.
ثم مضى، وكان بعض التلاميذ يضحكون. خفض آزر عينيه، لم يغضب، لكنه شعر بشيء لم يعجبه.
لم يكن الخجل وحده، كان شعورًا أقرب إلى… أن الآخرين يتحركون إلى الأمام، بينما هو واقف مكانه.
بدأ التدريب.
التنفس، الجلوس، الاستشعار، المحاولة، الفشل مرة، مرتين، عشر مرات. كان كايو أفضل منه، ونيرة أيضًا، حتى رين استطاع أن يشعر بالمدد أسرع. أما آزر… فلم يحدث له شيء.
بعد ساعات شعر بتنميل في ساقيه، ثم بألم في ظهره. لكنه بقي.
قال هان:
— توقف.
فتح آزر عينيه.
— لماذا؟
— لأنك تحاول بعناد لا بفهم.
— إذن كيف أفهم؟
— ستتعلم.
— متى؟
— عندما تتعب من السؤال.
فتح كايو عينيه.
— إذا تعب آزر من السؤال، فماذا سيبقى له؟
ضحك بعض التلاميذ، وحتى هان ابتسم.
في الاستراحة جلسوا تحت شجرة. كان كايو يحدق في يده، وظهر حول إصبعه خيط ضعيف من المدد. .اختفى ثم عاد
— بدأت أفهم قليلًا.
— ماذا؟
— أنه يتحرك في داخلي.
ثم نظر إلى آزر.
— جرّب.
حاول آزر. لا شيء.
قال كايو:
— لا بأس.
— لم أقل أنني حزين.
كان كايو يعرفه.
قال:
— أنا أعرف.
ثم دفع إليه قطعة خبز.
— كل.
تردد قليلا ثم أخذها. قالت نيرة:
لو بقيتم تتشاجرون بهذه الطريقة، فسنصبح قريبًا عائلة غريبة جدًا.
— نحن بالفعل كذلك.
بعد اسبوع… بدأت المشاكل، لم تكن كبيرة في البداية. كان أحد التلاميذ يمر بجوارهم ويضحك حين يرى ملابسهم القديمة.
— قرى بعيدة؟
لم يجب رين.
أكمل الشاب:
— واضح.
ثم نظر إلى كايو.
— وأنت؟ وجهك يقول إنك لم ترَ طائفة من قبل.
ضحك رفاقه. وأجاب كايو:
— وأنت وجهك يطوق لقبضتي.
ضحك بعضهم. وتغير وجه الشاب، تقدم، لكن قبل أن يفعل شيئًا، سمع صوت المشرف
— كفى!
ابتعد. لم يكن أحد يهتم، وذلك كان ما أزعجهم.
بعد أيام أصبح الأمر أسوأ. اختفى طعام كايو، ووجدوه ملقى قرب النفايات. نظر إليه، ثم أخذه.
قال رين:
— اتركه.
— لماذا؟
— لأن هذا مقصود.
— أعرف.
— إذن اتركه.
نظر كايو إلى الطعام، ثم إلى الساحة.
— سأكله.
— لا، إذا أكلته، سيكررون الأمر.
رفع كايو الطعام.
— وإذا لم آكله، سأظل جائعًا.
صمت رين، لقد كانت الإجابة بسيطة. فقط… مؤذية في بساطتها.
أكمل كايو:
— أنا لا أحتاج إلى أن يحبوني، فقط أحتاج أن آكل.
ضحكت نيرة رغمًا عنها، وحتى رين لم يستطع منع ابتسامته.
لكن آزر لم يضحك. كان ينظر إلى الشاب الذي ترك الطعام هناك، ثم إلى الأبواب الداخلية للطائفة، وأخيرا إلى ساحة التدريب. بدأ يفهم شيئًا، القوة هنا ليست مجرد قوة، إنها مكان، إنها امتياز. إنها أن يستطيع شخص أن يفعل شيئًا… ولا يستطيع شخص آخر.
في إحدى الأمسيات كان آزر عائدًا إلى السكن وحده. اعترض طريقه ثلاثة تلاميذ، وكان أكبرهم يملك رتبة واضحة من طريقة تحركه.
قال:
— أنت آزر؟
— نعم.
— أنت الذي لم ينجح في استخدام المدد؟
— نعم.
ضحك الآخران.
— هل تريد أن تساعد نفسك؟
— كيف؟
— أعطني حصة طعامك التي حصلت عليها اليوم.
نظر آزر إليه.
— لماذا؟
— لأنني أريدها.
— هذه ليست إجابة.
تغير وجه الشاب.
— ماذا قلت؟
كرر آزر:
— أنت تريدها، لكن هذا لا يعني أنها لك.
تقدم الشاب. ثم أمسك ياقة آزر، كان وجهه قريبًا.
— أنت جديد هنا.
ظل آزر هادئًا.
— نعم.
— ولا تعرف القواعد.
— أعرف أن القوة تمنحك شيئًا.
ابتسم الشاب.
— جيد.
ثم دفعه، وسقط آزر على الأرض. ضحكوا، لكن آزر لم ينهض فورًا. نظر إلى الأرض، إلى الحصى، إلى يده. ثم رأى أحد المشرفين يمر في آخر الساحة. رآه.. لكنه لم يتدخل. تابع طريقه. رفع آزر رأسه. راقب الرجل يبتعد، ثم فهم شيئًا آخر. القانون موجود. لكن وجود القانون… لا يعني أن أحدًا سيحميك.
نهض،و مسح التراب عن ملابسه.
أكمل الشاب:
— ماذا؟
نظر إليه آزر.
— غدًا سأعود.
— لتبكي؟
— لا، بل لأتعلم.
غادر، ولم يعرف لماذا قالها. لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا. لم يكن يريد الانتقام، بل كان يريد القدرة على ألا يتكرر الأمر. وهذا مختلف.
وفي الليل كان كايو نائمًا. نيرة أيضًا. رين بقي مستيقظًا قليلًا.
قال:
— كان يجب أن تدافع عن نفسك.
آزر لم يرفع رأسه.
— لم أستطع.
— كان لديك حجر.
نظر إليه.
— ليس سلاحًا.
— أي شيء يمكن أن يكون سلاحًا إذا أردت.
ابتسم آزر.
— أنت تشبه كايو.
— لا.
— نعم.
ضحك رين بهدوء، ثم أكمل:
— العالم لا يعامل الناس بالعدل.
— هل هذا طبيعي؟
— نعم.
— وهل يمكن تغييره؟
صمت رين.
— أحيانًا.
ظل آزر صامتًا، ثم قال:
إذن القوة ليست فقط كي لا أموت. لكن.. حتى أستطيع أن أختار.
ظل رين ينظر إليه. لم يرد، أما آزر فبقي مستيقظًا. لم يكن يعرف بعد ماذا تعني هذه الجملة. لكنه بدأ يحبها.
في اليوم التالي ذهب إلى قاعة التدريب قبل الجميع. جلس، وأغمض عينيه.
تنفس، ولم يحاول جذب المدد بالقوة. هذه المرة تذكر كلام هان: «لا تبحث عن المدد.» فجلس، واستمع إلى نبضه، إلى الهواء، وإلى صوت الخطوات البعيدة. حتى ظهر شيء خفيف. كأنه خيط بارد يتحرك في صدره. فتح عينيه، اختفى، أغلقهما، عاد. لم يبتسم، ولم يحتفل، فقط بقي جالسًا. وبدأ يكرر الأمر مرة تلو الأخرى.
خلفه كان أحد التلاميذ يراقبه. كان أحد أولئك الذين سخروا منه. قال لرفيقه
— ما فائدة هذا؟
— لا شيء.
ثم ضحكا. لكن آزر لم يلتفت، وهذه المرة… لم يكن يحتاج أن يسمعهما.
في أعلى الجبل، بعيدًا عن ساحات التلاميذ الخارجيين، اجتمع سبعة من شيوخ الطائفة.
كانت الغرفة مغلقة، لا نوافذ فيها. وفي وسطها لوح حجري أسود.
قال أحد الشيوخ :
— الطرقة الرابعة عادت.
— لا تسمِّها طرقة.
رفع الأول عينيه.
— ولماذا؟
أجابه شيخ ثالث:
— لأن الطرقة شيء يُسمع، أما هذه… فهي طرقة السماء .
ساد الصمت، وقال شيخ آخر :
— هل سمعها أحد من التلاميذ؟
— واحد.
تغيرت الوجوه.
— من؟
— فتى خارجي.
— من أي عائلة؟
— لا عائلة مهمة.
— إذن لماذا سمعها؟
لم يجب أحد. ثم قال أحد الشيوخ:
— هناك مشكلة أخرى… الطريق القديم ظهر مرة أخرى.
تغيرت ملامح الجميع. قال الشيخ الأكبر
— ومن عبره؟
لم يجب الرجل مباشرة. ثم قال:
— أربعة.
ساد صمت أطول، وقال الشيخ الأكبر:
— أربعة؟
— نعم، والفتى الخارجي… يحمل الحجر.
رفع الشيخ الأكبر رأسه ببطء. وللمرة الأولى منذ الاجتماع… ظهر القلق في عينيه.
— حجر يان؟
أومأ الرجل. ولم يقل أحد شيئًا.
وفي أسفل الجبل… جلس آزر وحده في ساحة التدريب. يحاول للمرة الثانية عشرة أن يمسك خيط المدد الضعيف الذي كاد يختفي من بين أصابعه. هذه المرة… لم يختفِ. ظل موجودًا. ضعيفًا، صغيرًا. لكنّه كان له. ولم يكن آزر يعرف أن مجرد ظهوره… بدأ يجذب إليه شيئًا لا يعرفه.
شيئًا… أقدم من الطائفة نفسها.