المُتَحَرِّر الفصل 7 — المُتَحَرِّر 7

اقرأ المُتَحَرِّر الفصل 7 — المُتَحَرِّر 7 باللغة العربية على مانجا تايم.

لم ينم آزر تلك الليلة.

بقي جالسًا على سطح النُّزل، وظهره مستند إلى الجدار القصير، بينما كانت لين تمتد أمامه في الظلام.

من هذا الارتفاع بدت المدينة مختلفة، الضجيج الذي ملأها نهارًا انخفض إلى همهمة بعيدة متقطعة.

أضواء المصابيح انتشرت بين البيوت كنجوم وُضعت على الأرض بدلا من السماء.

ومن ناحية السوق كان صوت عربة خشبية يجرها حصان يتردد في الشوارع

ومن مكان أبعد جاء نباح كلب، ثم ساد الصمت من جديد.

رفع آزر عينيه إلى السماء، ولم يكن يعرف ماذا يوجد بعد هذا العالم.

السؤال ظل عالقًا في رأسه منذ أن قاله، ثم تذكر الشيخ: «اذهب إلى البوابة الشمالية عند الشروق.» لم يقل لماذا، ولم يقل ماذا سيحدث هناك، فقط قال إن الطريق الذي يبحث عنه لا يبدأ من هنا.

نظر آزر إلى المدينة مرة أخيرة، ثم نهض.

كانت السماء قد بدأت تفتح لونها عندما نزل من سطح النُّزل، وفي الدرج مرّ بجانب ريو الذي كان جالسًا قرب النافذة الصغيرة في الطابق الثاني، ممسكًا بكوب لم يشرب منه.

رفع ريو رأسه.

— إلى أين؟

توقف آزر لحظة.

— البوابة الشمالية.

ظل ريو ينظر إليه.

— الآن؟

— نعم.

وضع ريو الكوب على الأرض.

— لماذا؟

نظر آزر إليه.

— لأن رجلًا طلب مني أن أذهب إليها.

لم يتغير وجه ريو كثيرًا، لكن أصابعه توقفت عن الحركة.

— أي رجل؟

— شيخ قابلته على السطح.

بقي الصمت بينهما لثوانٍ،

ثم قال ريو:

— هل قال لك اسمه؟

— لا.

أطلق ريو نفسًا بطيئًا، ونهض.

— انتظرني.

استغرق الأمر دقائق قليلة حتى استيقظ الباقون، لم يكن كايو سعيدًا بفكرة الاستيقاظ قبل أن تشرق الشمس بالكامل.

جلس على حافة السرير وهو يفرك وجهه.

— أقسم أنني كنت أحلم بأنني آكل.

قالت نيرة وهي تربط شعرها:

— كنت تتحدث في نومك.

— ماذا قلت؟

— قلت: «اتركوا الطبق لي».

رفع كايو إصبعه محذرًا.

— لا تقتربوا ابدا من طبقي!

ابتسمت نيرة للمرة الأولى منذ فترة قصيرة، أما رين فاكتفى بحمل حقيبته.

— انتهيت؟

— تقريبًا.

كان آزر واقفًا قرب الباب، يراقب كايو وهو يربط رباط حذائه، ثم وقف فجأة.

— أين والدتك الآن؟

توقف كايو، ولم يرفع رأسه.

— لا أعرف.

كان الجواب عاديًا، لكن يده بقيت على الرباط أكثر مما ينبغي، تابع آزر:

— ظننت أنك تعرف.

ضحك كايو ضحكة قصيرة.

— أتمنى.

ثم شد الرباط بقوة حتى كاد يقطعه.

— هيا.

في الشوارع الأولى كانت لين تستيقظ.

الباعة يفتحون أبواب محلاتهم، والنساء يرششن الماء أمام البيوت، ورائحة الخبز الساخن بدأت تخرج من المخابز الصغيرة، رجل عجوز كان يرفع مصراع متجره بصعوبة، وحين مرّ كايو بجواره أمسك الرجل بالمصراع وقال:

— ساعدني أيها الأحمق.

ضحك كايو.

— صباح الخير لك أيضًا.

أمسك المصراع ورفعه، أكمل الرجل:

— أقوى مما تبدو.

تدخل ريو من خلفه:

— لا تمدحه كثيرًا، سيتعبنا طوال الطريق.

— سمعتك!

خرجت ضحكة خافتة من نيرة، حتى رين ابتسم قليلًا، أما آزر فتابع السير. كان يراقب المدينة وهي تستيقظ، في الأمس رأى لين كمدينة ضخمة. اليوم بدأ يرى شيئًا آخر، كان لكل شارع رائحته، لكل منطقة أصوات مختلفة، كانت هناك أحياء يكثر فيها التجار، وأخرى يسكنها الحرفيون، وأماكن لم تبدُ من الأساس كأنها مخصصة للناس العاديين. مبانٍ مرتفعة ذات جدران حجرية داكنة، وبوابات عليها رموز لا يعرف معناها.

رأى رجالًا ونساءً يرتدون ملابس مختلفة عن أهل القرية، بعضهم كان يسير وحده، بعضهم تحيط به حاشية، وبعضهم لم يكن يحمل سلاحًا، ومع ذلك كان الناس يبتعدون عنه دون أن يُطلب منهم ذلك. نظر آزر إلى أحدهم طويلًا، ولاحظ ريو ذلك.

— مزارع.

التفت آزر إليه.

— ماذا؟

— الرجل الذي تنظر إليه.

تبع آزر نظرته.

— كيف عرفت؟

ابتسم ريو دون أن يشرح.

— ستعرف.

ثم أكمل السير.

ظهرت البوابة الشمالية بعد وقت قصير. كانت أكبر من البوابات التي دخلوا منها إلى المدينة، جدرانها تمتد إلى الجانبين، فوقها أبراج حراسة، وعلى الطريق أمامها عشرات العربات تنتظر التفتيش، لكن آزر لم يهتم بالبوابة. كان يبحث عن شخص، مرّ نظره بين المسافرين، رجال من القرى القريبة، تجار يحملون صناديق، عائلة تجلس في عربة مغلقة، مزارع شاب يقف وحده قرب حصانه، ثم رآه.

كان الشيخ واقفًا خارج البوابة، إلى جانب شجرة قديمة نمت جذورها بين شقوق الحجر. لم يكن يلفت الانتباه، ثياب بسيطة، شعر أبيض غير مرتب،عصا خشبية في يده، وكان يحمل في اليد الأخرى كيسًا صغيرًا من القماش. كأنه رجل خرج من بيته ليشتري شيئًا من السوق، توقف آزر، وتوقف ريو معه، ثم قال كايو:

— ماذا؟

وأشار آزر برأسه. نظر الجميع، قال رين:

— هو؟

— نعم.

لم يتحرك الشيخ عندما اقتربوا، كان ينظر إلى العربات التي تمر من البوابة، وعندما وصل آزر إليه قال:

— تأخرت.

نظر آزر إلى السماء.

— الشمس لم تشرق بعد.

التفت الشيخ إليه، ثم ابتسم.

— ولهذا قلت عند الشروق، لا قبل الشروق بساعة.

تدخل كايو:

— وجدنا شخصًا أخيرًا يتحدث أكثر مما يتنفس.

نظر الشيخ إليه.

— وأنت؟ تبدو كمن يتحدث أكثر مما يفكر.

فتح كايو فمه، ثم أغلقه، ضحكت نيرة بصوت منخفض. هز الشيخ رأسه وكأنه اقتنع بشيء، ثم نظر إلى ريو، استقرت عيناه عليه لثانية أطول. لم تعجب ريو تلك النظرة، وقال:

— هل تعرفنا؟

— لا.

— إذن لا تنظر إليّ هكذا.

— أنا لا أنظر إليك.

— هذا أسوأ.

ضحك الشيخ، أما آزر فظل صامتًا، أكمل الشيخ:

— لماذا أتيت؟

— أنت طلبت مني ذلك.

— لا. أنا طلبت منك أن تأتي، لم أسألك لماذا أتيت.

فكر آزر قليلًا.

— لأنني أريد أن أعرف أين يبدأ الطريق.

تغيرت ملامح الشيخ قليلًا، وهذه المرة لم يبتسم. نظر إلى آزر طويلًا، ثم قال:

— وأين ظننت أنه يبدأ؟

— عند القوة.

هز الشيخ رأسه.

— كثيرون قالوا ذلك.

— وهم مخطئون؟

— بعضهم نعم، والبعض ماتوا قبل أن يكتشفوا.

ظل آزر ينظر إليه، لم يكن الجواب كافيًا. لاحظ الشيخ ذلك، وقال:

— جيد.

— ماذا؟

— لم تقتنع.

— لم تعطِني شيئًا أقتنع به.

ابتسم الشيخ.

— وهذه عادة سيئة.

— لماذا؟

— لأنها تعتمد على الباب الذي تقف أمامه.

نظر آزر إلى البوابة.

— وأي باب هذا؟

أجاب الشيخ بهدوء:

— أنت لا تزال تسأل عن الأبواب، بينما لم تتعلم بعد كيف ترى الطريق.

اقترب ريو خطوة.

— ماذا تريد منه؟

رفع الشيخ عينيه إليه.

— أنا؟ لا شيء.

— إذن لماذا أوقفته؟

— لم أوقفه.

نظر ريو إلى آزر، ثم إلى الشيخ.

— أنت تعرف شيئًا.

— بالطبع.

— عن ماذا؟

— أشياء كثيرة.

— ولن تقول؟

— ليس الآن.

ظل ريو صامتًا، وكان واضحًا أنه لم يعجبه الأمر، لكن لم يضغط أكثر. كانت هذه إحدى الأشياء التي بدأت نيرة تلاحظها فيه، ريو لم يكن يثق بسهولة، لكن حين يواجه شيئًا يعرف أن معلوماته عنه ناقصة، لا يتظاهر بأنه يفهمه. كان ينسحب خطوة، ليس لأنه جبان، بل لأنه رأى ما يكفي من الأمور ليعرف أن الخطأ الواحد قد يكلف أكثر من حياة شخص.

رفع الشيخ الكيس الصغير الذي في يده، ثم أخرج منه حجرًا. كان حجمه لا يتجاوز نصف كف، حجر عادي، رمادي، ووضعه أمام آزر.

— خذه.

أمسكه آزر، كان باردًا.

— ماذا أفعل به؟

— لا شيء.

— لماذا أعطيتني إياه؟

— لا أعرف.

حدق فيه آزر، وضحك كايو.

— بدأنا.

قال الشيخ:

— قلت لك خذه، ولم أقل افهمه.

— ما فائدته؟

— لا أعرف.

نظر ريو إلى الشيخ فجأة. أما آزر فلم يتحرك، وبقي ممسكًا بالحجر. بعد لحظة قال:

— إذن أنت لا تعرف.

— نعم، لكن هل عدم معرفتي يجعله بلا فائدة؟

نظر آزر إلى الحجر مرة أخرى. لم يُجب، وقال الشيخ:

— احتفظ به.

ثم استدار ومشى مبتعدًا عن البوابة، نظر كايو إلى آزر.

— هل هذا كل شيء؟

لكن الشيخ رفع يده دون أن يلتفت.

— لا تتبعوني.

قال رين:

— هذا الرجل أغرب من كل شيء حدث لنا.

— وهذا ليس مديحًا.

أما ريو فكان يراقب ظهر الشيخ.

— لا، هو ليس غريبًا، فالغريب هو أنني لا أعرف ماذا يريد، وهذا يزعجني أكثر.

لم يتحرك آزر، بقي ينظر إلى الحجر. كان باردًا، لكنه ليس ببرودة الصخر الذي وجدوه تحت القرية، ذلك الشيء كان باردًا بطريقة تجعل اليد تريد الابتعاد عنه. أما هذا فكان مجرد حجر، ومع ذلك أعاده إلى كفه وشرع يحركه. لا أثر، لا علامة، لا شيء، قال كايو:

— ارمه.

نظر آزر إليه.

— لماذا؟

— لأنه أعطاك حجرًا وقال إنه لا يعرف فائدته.

— هذا لا يعني أنه بلا فائدة.

— يعني على الأقل أنه ثقيل.

قالت نيرة:

— وزنه أقل مما كنت تشتكي منه عندما حملتني يوم إصابتي.

— كنت غاضبًا وقتها.

— كنت مرهقًا.

— نفس الشيء.

تدخل رين:

— هل ستقفون هنا طوال اليوم؟

بدأوا السير، لكن بعد بضع خطوات التفت آزر، والشيخ كان قد اختفى. لم يكن في أي مكان حولهم، ولم يرَ أحد متى غادر.

خارج لين تغير الطريق بسرعة، المباني اختفت، ثم اختفت الأسوار، وبعد مسافة قصيرة أصبحت المدينة خلفهم مجرد خط حجري في الأفق. الهواء كان أنظف، لكن الريح أقوى، امتدت الأراضي إلى الشمال، حقول واسعة تتخللها الأشجار والجداول الصغيرة، وفي أماكن بعيدة ظهرت تلال زرقاء تحت ضوء الصباح.

كان الطريق الرئيسي ممتدًا أمامهم. عربات كثيرة تسير فيه، وإلى جانبهم مرّ رجل على حصان، وثيابه تحمل شعارًا فضيًا. همس ريو:

— لا تنظروا كثيرًا.

خفض كايو عينيه.

— لماذا؟

— لأنك لا تعرف من يمكنه سماعك.

ضحك كايو بخفة.

— نحن في طريق مليء بالناس.

قال ريو:

— بعض الناس لا يحتاجون إلى أن يكونوا قريبين.

صمت كايو، وبدأت حركته تصبح أبطأ، لم يكن ريو قد قال شيئًا مخيفًا، لكن منذ أن خرجوا من القرية بدأ العالم نفسه يفرض عليهم نوعًا جديدًا من الحذر. في القرية كانوا يعرفون معظم الأشياء. اما هنا كان كل شئ مجهولا وخطيرا، هذا الطريق.. وكل وجه غريب،وكل شعار جديد،وكل شخص أقوى منهم.

قالت نيرة وهي تسير إلى جوار آزر:

— ماذا تفعل بالحجر؟

— لا شيء.

— منذ وقت طويل وأنت تمسكه.

نظر إلى يده، كان لا يزال يمسك الحجر.

— نسيت أن أضعه في الحقيبة.

مدت يدها.

— أعطني.

أعطاها إياه، قلبته بين أصابعها، ثم أعادته إليه.

— حجر.

— كيف عرفت؟

رفعت حاجبًا.

— لأنني لم أفكر في أن الحجر سر كوني.

ابتسم كايو.

— وأنتِ ماذا كنتِ تتوقعين؟

— لا شيء. وهذا هو الأفضل أحيانًا.

لم يفهم آزر ما قصدته، ولم يسأل.

بعد ساعتين توقفوا عند جدول صغير، كان الماء صافيًا، يجري فوق الحصى بهدوء، جلس كايو وشرب بيديه. ثم قال:

— لم أشرب ماءً بهذا الطعم منذ زمن.

— هذا لأنك كنت تشرب من البرميل في النزل.

— وكان نظيفًا.

نظر إليه رين.

— كان لون الماء فيه غريبًا.

— قليلًا.

جلست نيرة قرب الماء وبدأت تملأ قنينة، لاحظت آزر واقفًا وحده على الجانب الآخر، وكان ينظر إلى سطح الماء.

— ماذا ترى؟

— لا شيء.

— إذن لماذا تحدق؟

— الماء يتحرك دون أن أعرف لماذا.

نظرت نيرة إلى الجدول، ثم قالت:

— بسبب انحدار الأرض.

التفت إليها.

— وكيف عرفتِ؟

— لأنني عشت أكثر من ستة عشر عامًا.

قال كايو:

— هذه أقوى إجابة قالها أحد هنا اليوم.

وضعت نيرة الماء في حقيبتها.

— أنت تضحك، لكن هذا أفضل من اختراع أسباب معقدة لكل شيء.

نظر آزر إلى الماء مرة أخرى وهذه المرة بسهولة، ثم أضاف كايو:

— أنت تحب «ربما» عندما لا يكون هناك شيء آخر.

أجابه ريو:

— وأنت تكرهها عندما لا تستطيع فعل شيء.

تغير وجه كايو، ولم يرد، التفتت نيرة إلى ريو. لكنه كان قد نظر بعيدًا، لم يعتذر، ولم يعتذر كايو أيضًا. استمروا في السير، وبعد بضع خطوات قال كايو:

— أبي كان يكره كلمة «ربما».

نظر إليه آزر، وخفض كايو عينيه.

— كان يقول إن الإنسان إذا عرف الشيء يقوله، وإذا لم يعرفه يقول لا أعرف. «ربما» تجعل الناس ينتظرون.

سكت قليلًا، ثم ضحك.

— ثم مات، وبقيت أنا أكره «لا أعرف» أيضًا.

لم يضحك أحد هذه المرة، ثم قال رين:

— كايو…

لكن كايو رفع يده.

— لا بأس.

ثم تابع السير.

قبل الغروب بقليل وصلوا إلى مبنى صغير عند نهاية الطريق. كان أقرب إلى نقطة استراحة للقوافل، مظلة خشبية، وبئر، وطاولتان قديمتان، جلسوا لتناول الطعام، ولم يكن كثيرًا. بعض الخبز، اللحم المجفف، والماء. بينما كانوا يأكلون اقترب منهم شاب في العشرين تقريبًا، وكان يحمل عصا معدنية على ظهره، وعلى صدره شارة دائرية.

— إلى أين أنتم ذاهبون؟

— شمالًا.

— إلى أين؟

تدخل ريو:

— ما شأنك؟

ابتسم الشاب.

— لا شأن لي، لكن الطريق بعد هذا المكان ليس آمنًا.

نظر كايو إلى الشارة.

— ما هذه؟

— طائفة سحابة الشمال.

قال رين بهدوء:

— هل هي قريبة؟

— خمسة أيام من هنا.

رفع ريو رأسه، كان هذا نفس الاتجاه الذي ذهب فيه الشيخ بالأمس. قال الشاب:

— أنتم ذاهبون إليها؟

— ربما.

ضحك.

— أنت ستذهب؟

نظر كايو إليه.

— لا تبدأ.

لكن الشاب لم يكن يقصد السخرية، وقال:

— إذا كنتم ذاهبين إليها، فهناك طريق أسرع.

وأشار إلى الشرق.

— الغابة القديمة تختصر يومين، لكنني لا أنصح بها لمن ليس مزارعًا.

— ما الموجود فيها؟

هز الشاب كتفيه.

— أشياء لا تحب أن يقترب منها الناس.

ثم غادر، وقال كايو:

لماذا يبدو أن كل مكان في هذا العالم فيه شيء يريد قتلنا؟ قال رين:

— لأننا غالبًا لا نذهب إلى الأماكن الآمنة.

رفعت نيرة رأسها.

— ومن قال إننا نعرف أصلًا أين الآمن؟

لم يُجب أحد.

بعد الطعام قرروا أن يناموا حتى الفجر، ولكن قبل أن يستلقي آزر رأى شيئًا. على الأرض قرب البئر كانت هناك آثار أقدام. ثلاثة، حديثة، لكن الأغرب أن أحدها لم يكتمل. بدأت البصمة ثم انقطعت، اقترب،وانحنى، ولمس التراب. لم يكن هناك أثر بعد الموضع. كأن صاحب القدم وقف للحظة، ثم لم يعد موجودًا. جاء ريو خلفه، ونظر إلى الأرض، ثم قال:

— رأيت مثلها.

رفع آزر رأسه.

— أين؟

— في الطريق.

— لماذا لم تقل؟

ظل ريو ينظر إلى الأثر.

— لأنني لم أكن متأكدًا أنني رأيتها أصلًا.

قالت نيرة من خلفهما:

— وماذا يعني ذلك؟

— لا أعرف.

رفع كايو رأسه من مكانه.

— مرة أخرى.

رمقه ريو بنظرة، قال كايو:

— ماذا؟

— لا شيء.

لكن آزر كان لا يزال ينظر إلى الأثر. لم يشعر بالخوف، ولم يشعر بالفضول كما كان سابقًا، كان هناك شيء آخر، شيء لم يستطع تحديده، أن المسافة بين موضع القدم واختفائها كانت قصيرة جدًا. خطوة واحدة، فقط خطوة واحدة، ثم لا شيء.

في منتصف الليل استيقظ آزر. لم يكن هناك صوت، فقط إحساس غريب. فتح عينيه. وكان الحجر الرمادي الذي أعطاه إياه الشيخ داخل حقيبته. نهض، و أخرج الحجر، ثم تأمل سطحه. شيء ما تغيّر، ليس في الحجر، بل في يده، كانت هناك حرارة خفيفة في أطراف أصابعه. وكلما وضع يده على الحجر شعر بشيء يمر من داخله. لم يكن ضوءًا، ولا طاقة واضحة، كان أقرب إلى تيار ضعيف. سحب يده، واختفى الإحساس، أعادها، عاد، نظر إلى أصابعه، ثم إلى الحجر. لم يقل شيئًا، جلس على الأرض وأغمض عينيه، حاول أن يتذكر ما قاله الشيخ: «من قال لك إن المدد يخرج من اليد؟» في الأمس لم يفهم السؤال. أما الآن تذكر ما قاله الشخص الذي اختبره في قاعة الفحص: «هناك شيء ما.» شيء ما… لكن ماذا؟

فتح عينيه، وأخذ نفسًا بطيئًا. ثم وضع الحجر على الأرض، مد يده نحوه، لم يحدث شيء. انتظر، لا شيء. ضحك بخفة.

— سخيف.

سمعت نيرة صوته من خلفه.

— ما هو السخيف؟

التفت، كانت واقفة عند مدخل المكان.

— لا شيء.

نظرت إلى الحجر.

— كنت تتحدث إليه؟

— أحاول.

— الحجر؟

— نعم.

هزت رأسها.

— يبدو أن السفر بدأ يؤثر عليك.

جلس آزر، دخلت نيرة وجلست على مسافة منه، ثم سألت:

— هل أنت خائف؟

نظر إليها.

— من ماذا؟

— من أنك لا تعرف.

فكر.

— لا.

— جيد، لأنني كذلك.

نظر إليها، وهذه المرة لم تجب هي نفسها عن السبب. استلقت على الأرض وأسندت رأسها إلى ذراعها.

ثم قالت بصوت متهدج مكسور…

— افتقد القرية كثيرا.

— ربما سنعود يوما ما.

ابتسمت.

— بدأت أكره الكلمة بسبب كايو.

مع أول ضوء استعدوا للمغادرة، كان الطريق أبرد في الصباح. وعندما خرجوا من مكان الاستراحة وجدوا الشيخ واقفًا عند البئر، كان كأنه لم يغادر أصلًا. توقف الجميع. قال كايو:

— أهذا طبيعي عند الشيوخ؟

لم يجبه أحد، ورفع الشيخ نظره إلى آزر.

— ماذا فعلت بالحجر؟

— لا شيء.

— جيد.

— لماذا؟

— لأنك لو فعلت شيئًا، لاضطررت إلى تغيير ما كنت سأقوله.

صمت آزر، وتقدم الشيخ خطوة.

— أمامك ثلاثة طرق.

أشار إلى الطريق الرئيسي.

— هذا يقودك إلى طائفة سحابة الشمال.

ثم أشار إلى الطريق الفرعي.

— هذا يقودك إلى ممر شوان.

وأخيرًا أشار إلى أرض ترابية ضيقة بين الأشجار.

— وهذا لا يقودك إلى أي مكان يعرفه أهل لين.

نظر ريو إلى الطريق الثالث.

— لماذا تعرض علينا ثلاثة؟

— لأنني أريد أن أرى أي واحد تختار.

— وهل تعرف ما يوجد في كل واحد؟

— إلى حد ما.

— وما الذي تنصح به؟

— لا شيء.

صمت رين، ثم قال:

— إذن ما فائدتك؟

ضحك الشيخ.

— الآن أعجبتني.

نظر إلى آزر.

— الطريق الذي تبحث عنه لا يبدأ من بوابة المدينة، ولا يبدأ من الطائفة، لكنه يبدأ عندما تختار شيئًا لا يخدمك إلا لأنك تريد أن تعرف .

— هذه ليست نصيحة.

— لم أقل إنها نصيحة.

ثم التفت إلى آزر.

— ماذا تريد؟

— أن أعرف لماذا يموت كل شيء.

لم يضحك الشيخ، ولم يبدُ عليه الاستغراب، فقط نظر إليه للحظة طويلة، ثم قال:

— إذن عليك أن تتعلم أولًا الفرق بين أن تعرف شيئًا… وأن تملك القدرة على تغييره.

خفض آزر عينيه إلى الطريق الثالث. كان ضيقًا، الأعشاب تغطي حوافه، ولا توجد عليه آثار عربات، لا توجد لافتة، لا توجد أي علامة تخبرهم إلى أين يقود، قال رين فورًا:

— لن نذهب إلى طريق لا نعرفه.

— أتفق.

— وأنا.

نيرة نظرت إلى آزر، لم تتكلم. آزر بقي صامتًا، كان يستطيع أن يختار الطريق الرئيسي، طريق واضح، طريق تقوده طائفة، ومعلومات أكثر، وطعام، ومكان للنوم، والأمان النسبي. أما الطريق الآخر فلا شيء فيه، فقط أسئلة، قال ريو:

— آزر، لا تختَر لأنك تريد مخالفة الجميع.

نظر آزر إلى الطريق، ثم إلى يده، وإلى الحجر الرمادي، ثم قال:

— لن أختاره لهذا السبب.

— إذن لماذا؟

تأخر جوابه.

— لأنه لا توجد لدي إجابة عنه.

نظر ريو إليه طويلًا، لقد فهم المعنى. لم يكن آزر يعرف إن كان الطريق صحيحًا، ولهذا بالضبط أراد أن يراه. قالت نيرة:

— وهذا أسوأ سبب أعرفه.

— لكنه يشبهه.

اقترب آزر من الطريق، خطا خطوة، ثم ثانية. توقف،واستدار. كان الثلاثة الآخرون لا يزالون في مكانهم، قال رين:

— هل تتوقع منا أن نتبعك فقط لأنك قررت؟

— لا.

صمت رين، ثم حمل حقيبته.

— جيد.

تقدمت نيرة، ثم كايو، أما ريو فبقي واقفًا للحظة أطول.. نظر إلى الشيخ.

— أنت كنت تعرف أننا سنفعل هذا.

— لا.

— تكذب؟

— لا.

— إذن؟

ابتسم الشيخ.

— كنت أعرف أنك ستسألني هذا السؤال، وهذا يكفيني.

لم يرد ريو، استدار ولحق بالبقية.

كان الطريق ضيقًا أكثر مما بدا من بعيد. في البداية لم يحدث شيء، فقط أشجار، تراب، وصوت حشرات، ثم بدأت أصوات لين تختفي وراءهم. بعد عشر دقائق لم يعد هناك شيء يدل على المدينة، ولا برج، ولا سور، ولا حتى دخان. كأنهم دخلوا عالمًا منفصلًا. قال كايو:

— لو متنا هنا، أريد أن أقول إنني كنت ضد الفكرة.

— لم تقل ذلك.

— كنت أفكر فيها.

— التفكير لا يُحتسب.

— أنت ظالم.

— أحمق.

ضحك كايو، ثم تابعوا.

بعد ساعة وجدوا جسرًا حجريًا صغيرًا. كان نصفه مكسورًا، وتحت الجسر نهر ضحل. أشار رين إلى الجانب الآخر.

— سنعبر من هناك.

تقدم، لكن آزر لم يتحرك، قال ريو:

— ماذا؟

كان آزر ينظر إلى الماء، سأل:

— هل سمعتم ذلك؟

صمتوا، انتظروا، لا شيء. نظر كايو إلى النهر.

— لا.

نيرة هزت رأسها.

— ماذا سمعت؟

— طرقًا.

تغير وجه ريو، أصغى لثانية، ثانيتين، ثم قال:

— أنا أيضًا.

نظر الجميع إليه. رفع ريو يده، إشارة إلى الصمت. جلسوا، انحنى، وضع أذنه قرب الأرض. بقي هكذا لحظات، ثم رفع رأسه.

— ليس من الماء، من تحت الطريق.

صمت آزر. تذكر الشجرة، والعلامة، والحجر الأسود، والطرقات. هذه المرة لم يسمع أحدهم ثلاثًا. ولا أربعًا. جاءت طرقة واحدة، ثم صمت كل شيء. قال كايو بهدوء:

— لا أحب هذا.

— لنعود.

نهض ريو.

— انتظر.

— لماذا؟

نظر إلى آزر، ثم إلى الطريق.

— لأن الشيخ قال إن الطريق الذي يبحث عنه لا يبدأ من لين. وربما كان يقصد هذا.

— وربما لا.

نظر ريو إليها، وابتسمت ابتسامة صغيرة.

— لا تنظر إليّ هكذا. أنا فقط أعيد لك الكلمة.

في مكان ما تحت أقدامهم… جاءت طرقة ثانية. لكنها هذه المرة لم تكن عميقة، بل كانت أقرب، وأبطأ، ثم جاء صوت لم يكن طرقًا. صوت حجر يحتك بالحجر. تراجع رين خطوة، كايو أمسك سلاحه، نيرة أغلقت حقيبتها. أما آزر… فبقي مكانه، لم يتقدم، ولم يتراجع. كان ينظر إلى التراب أمامه، إلى شق صغير لم يكن موجودًا قبل لحظات، امتد الشق تحت قدميه، ثم توقف. رفع آزر رأسه في الجهة الأخرى من الطريق، بين الأشجار، ظهر شيء أبيض. شيء يشبه طرف طريق حجري قديم. اقترب ريو منه ببطء، ومسح التراب عن الحجر. تجمدت يده.

— ماذا؟

اقتربت نيرة، ثم كايو، ثم رين. كانت هناك علامة منحوتة على الحجر. دائرة… وفي أعلاها فراغ. نفس العلامة، ولكن هذه المرة لم تكن على شجرة، ولا على باب، ولا على حجر مدفون، كانت على عمود طريق. وتحتها مباشرة كلمات لم يرها آزر من قبل. مرّر ريو أصابعه فوقها. قرأ ببطء:

— « إلى من يعبر …»

توقف. كانت بقية الجملة مكسورة. لكن آزر، دون أن يعرف لماذا، مد يده نحو الحروف، وتوقفت أصابعه قبل أن تلمسها بقليل. قال:

بعض الكلمات ليست وصفًا. ربما بعضها… يفعل شيئًا.

لم يجب أحد. وفي اللحظة نفسها… أصدر الحجر تحت أقدامهم صوتًا خافتًا. ثم انفتح الشق. ليس نحو الأسفل، بل إلى الأمام. كما لو أن الطريق نفسه… كان يفتح عينه.

وللمرة الأولى منذ خرجوا من القرية، أدرك آزر شيئًا بسيطًا.

لم يكن الشيخ قد قادهم إلى الطريق. هو فقط… تركهم يختارون الطريق الذي سيقودهم إليه.