في الصباح التالي كان الضباب قد انحسر عن السهل، والشمس تظهر بين سحب متفرقة تركت فوق العشب قطرات لامعة. الطريق الذي سلكوه منذ الفجر أوسع من الطريق القديم، لكنه أكثر ازدحامًا. عربات تجرها الخيول، مزارعون يدفعون عربات صغيرة، رجال يحملون سيوفًا قصيرة أو أقواسًا، ونساء يحملن سلالًا تتصاعد منها روائح الأعشاب والتوابل.
كان العالم الذي رأوه من بعيد قد صار الآن قريبًا بما يكفي لأن يلمسوه. وكانت تلك هي المشكلة، لأنه عندما ترى شيئًا من بعيد تستطيع أن تضع له صورة في رأسك، أما حين تقترب… فتبدأ الأشياء التي لم تحسب لها حسابًا بالظهور.
صبي يركض بين عجلات العربات، امرأة تصرخ في بائع، حصان يعض راحة يد صاحبه، رجل يضحك بصوت مرتفع بينما يلف ذراعه حول كتف صديقه. طفلة جالسة على حافة الطريق تأكل ثمرة حمراء أكبر من كفيها. أصوات كثيرة، روائح أكثر، والناس… ناس لا يعرفون آزر، ولا يعرفون قريته، ولا يهتمون بما حدث تحت شجرتهم القديمة.
لسبب ما، وجد ذلك مريحًا. لم يكن أحد هنا يعرفه، ولأول مرة منذ وصول ريو إلى القرية، لم يشعر أن كل نظرة موجهة إليه بسبب شيء لا يفهمه. كان مجرد وجه آخر وسط المئات.
— لو كان أبي حيًا، لأخبرته أنني رأيت مدينة بهذا الحجم.
قال كايو وهو يبتسم وينظر إلى الشوارع. رفع آزر عينيه إليه.
— كنت ستطلب منه أيضًا أن يأتي معك؟
تغيرت ابتسامته قليلًا.
— لا.
قالها دون تفكير، ثم نظر إلى الطريق.
— كان سيكره الزحام.
ضحكت نيرة.
— ومن قال إن هذا هو السبب؟
نظر إليها كايو.
— وما السبب؟
— ربما لأنه كان يعرف كيف يسحبك من الأماكن التي لا تنفعك.
خفض كايو عينيه، وتغير شيء في وجهه. شيء صغير، ولم يلحظ رين ذلك، أما آزر فلاحظ. لكنه لم يسأل، فمنذ بدأت الرحلة كان يتعلم أن بعض الأسئلة لا تحتاج إلى أن تُطرح في اللحظة التي تولد فيها، ربما تحتاج أن تنضج أولًا.
ظهرت مدينة لين قبل الظهر. لم تكن الأسوار هي أول ما رآه آزر، بل الناس. أعداد كبيرة تسير في اتجاه واحد ثم تتفرق عند البوابات. عربات تحمل القمح، رجال يقودون الماشية، تجار يتجادلون على الأسعار، حراس يرتدون دروعًا معدنية خفيفة، وشبان في أعمار متقاربة يقفون في مجموعات صغيرة، بعضهم يحمل سيوفًا وبعضهم يحمل عصيًا طويلة أو أقواسًا. لكن فوق كل ذلك… كانت هناك أبراج، أبراج حجرية تعلو السور وتطل على كل شيء.
وقف آزر لحظة وهو ينظر إليها، ثم قال رين:
— لا تتوقف.
مشى آزر، لكن عينيه بقيتا فوق الأبراج.
— من بناها؟
— لا أعرف، وستجد أشياء كثيرة هنا لا أعرفها.
نظر إليه آزر.
— هذا جديد.
ضحك رين.
— ماذا؟
— أنك تعترف بذلك بسهولة.
تغير وجه رين، ثم قال:
— في القرية كنت أعرف كل حجر تقريبًا، أما هنا لا أعرف حتى لماذا يضعون تلك الراية فوق ذلك البرج.
— إذن نحن متساويان.
هز رين رأسه.
— لا تفرح، أنت فقط تجهل أشياء أكثر مني.
ابتسم آزر ابتسامة صغيرة.
وعند بوابة المدينة أوقفهم حارسان. كان أحدهما شابًا في منتصف العشرينيات، له ندبة صغيرة عند حاجبه.
— الأسماء.
تقدم رين، وذكر اسمه، ثم نيرة، ثم كايو، ثم آزر. وأخيرًا ريو.
حين شعر بهالة ريو، تغير وجه الحارس. لم يكن خوفًا، بل مجرد انتباه.
— أنت مزارع؟
— نعم.
— من أي طائفة؟
صمت ريو.
— لست تابعًا لطائفة.
نظر الحارس إلى زميله، ثم أعاد نظره إلى ريو.
— هذا غريب.
— لماذا؟
— لأن معظم من يستطيع الوقوف أمامي بهذه الثقة يكون تابعًا لطائفة.
ضحك كايو، ثم قال ريو:
— معظم؟
رفع الحارس حاجبه.
— نعم.
ثم نظر إلى آزر.
— وأنت؟ ما رتبتك؟
توقف آزر، ولم يعرف ما الذي يقصده. نظر إلى ريو، لكن ريو لم يتكلم. أكمل الحارس:
— ما بالكم جميعًا؟
أجاب رين بسرعة:
— لا يعرف شيئًا، هو من القرية.
نظر الحارس إلى آزر، ثم إلى رين. ولسبب لم يفهمه آزر، لم يطرح المزيد من الأسئلة.
— ادخلوا.
تحركت العربة، وبعد أن ابتعدوا، قال كايو:
— ما رتبتك؟
التفت إلى ريو، فأجاب:
— ليس الآن.
— لماذا؟
— لأنك لا تعرف حتى ما معنى السؤال.
— وهذا لم يمنع الرجل من سؤالي.
أجابت نيرة:
— لهذا السبب تحديدًا، هناك فرق بين من يسأل لأنه فضولي، ومن يسأل لأنه يتوقع منك أن تملك إجابة.
صمت كايو، ثم نظر إلى آزر.
— وأنتم الاثنان تتكلمون كما لو أنكم تعرفون كل شيء.
— لا، نحن فقط نعرف أنكم لا تعرفون.
ضحك كايو، وهذه المرة عاد إلى وجهه شيء من الحياة.
كانت المدينة أكبر مما توقعوا. ليس في الحجم وحده، بل في الحركة. كل شيء يتحرك، حتى الأشخاص الواقفون كانوا يفعلون شيئًا بأيديهم. رجل يصقل سكينًا، امرأة تنظف سمكة، طفل يحمل كيسًا أثقل من جسمه، شاب يبيع أعشابًا مجففة، ورجل عجوز يجلس أمام متجر صغير ويقرأ شيئًا على ألواح خشبية رقيقة.
مر آزر بجانبه. توقف الرجل عن القراءة، رفع رأسه، ونظر إليه. ثم قال:
— من أي منطقة؟
توقف آزر.
— لا أعرف.
ضحك الرجل.
— هذه إجابة سيئة.
— لماذا؟
— لأنني سأضطر إلى أن أسألك مرة أخرى.
ثم عاد إلى ألواحه.
مشى آزر، وقال كايو:
— أعجبني الرجل.
— لماذا؟
— لأنه لا يضيع الوقت.
— وأنت تضيع وقت الآخرين منذ طفولتك.
— هذه موهبة.
ضحكت نيرة، أما ريو فلم يقل شيئًا. كان ينظر إلى الشوارع، إلى الأزقة، إلى النوافذ، وكلما مر شخص بقربه، كانت عيناه تتابعانه لحظة ثم تتركانه. قال آزر:
— هل تبحث عن شخص؟
— لا.
— إذن لماذا تنظر؟
— أبحث عن مكان.
— لماذا؟
— لأن الشخص يمكن أن يكذب.
— أما المكان أصعب عليه ذلك.
لم يعلق آزر، وكان يفكر في الجملة.
وجدوا نزلًا صغيرًا في شارع جانبي. لم يكن رخيصًا، لكن رين دفع ما استطاع. كانت الغرفة الأولى ضيقة. سريران، نافذة، طاولة، وحوض ماء. دخل آزر ووضع حقيبته ثم جلس و لم يخلع حذاءه. قال والده:
— لن تخرج اليوم.
نظر إليه.
— لماذا؟
— لأنك لا تعرف المدينة.
— سأعرفها إذا خرجت.
رفع الأب عينيه إليه، وكان يستطيع أن يجادله، لكنه بدلا من ذلك أخذ نفسًا طويلًا وقال:
— هناك أماكن لا تحتاج أن تتعلمها بالطريقة الصعبة.
صمت آزر، وقالت أمه من الطرف الآخر:
— اجلس.
جلس، ووضعت أمامه كوبًا من الماء، ثم قالت:
— ماذا رأيت اليوم؟
فكر.
— أشياء كثيرة.
— وما أكثر شيء أعجبك؟
نظر إلى الكوب.
— أن لا أحد يعرفني.
لم تقل شيئًا، ولكن يدها توقفت لحظة فوق حافة الكوب. ثم قالت:
— أحيانًا يكون ذلك مريحًا.
رفع آزر عينيه إليها.
— وأحيانًا؟
ابتسمت.
— أحيانًا تتمنى أن يكون هناك من يعرفك حين تضيع.
بقي صامتًا، ولم يعرف ماذا يقول.
بعد ساعة خرج آزر وحده. لم تمنعه أمه، وربما لأنها عرفت أن منعه لن يفيد، أو ربما لأنه بدا لأول مرة منشغلًا بشيء آخر غير الموت. المشكلة أنه لم يكن يعرف إلى أين يذهب. فمشى بلا هدف، وهذا كان مختلفًا عليه. هو الذي اعتاد أن يبحث عن سبب لكل شيء، وجد نفسه يمشي دون سبب واضح.
مر بالسوق، ثم بالحي القديم، ثم وصل إلى ساحة واسعة فيها مبنى حجري ضخم. فوق بابه لوحة:
قاعة الاختبار.
وقف، وخرج منها ثلاثة شبان. الأول يحمل سيفًا، الثاني يمشي ببطء وقد أمسك كتفه، والثالث كان يضحك. قال الأول:
— لن أصل حتى السادسة بهذه الطريقة.
— لأنك لا تتدرب.
— أنا أتدرب.
— على ماذا؟
— على النجاة.
— ضحك الثالث، ثم ابتعدوا.
بقي آزر ينظر إلى الباب. اقترب رجل منه، ثم قال:
— هل تريد الدخول؟
نظر آزر إليه.
— ما هذا؟
— اختبار أولي، للزراعة.
توقف قلبه للحظة. ليس خوفًا، بل لأن الكلمة التي سمعها منذ الأمس وجدت فجأة بابًا أمامه. قال:
— ما معنى الزراعة؟
ضحك الرجل.
— من أي قرية أتيت؟
— قرية صغيرة.
— واضح.
ثم فتح الباب.
— إذا كنت لا تعرف شيئًا، فتعال.
دخل آزر. كانت القاعة أكبر من الخارج. في داخلها صفوف من المقاعد، وفي المنتصف منصة حجرية. كان هناك حوالي عشرين شابًا، بعضهم يحمل شارات على ملابسهم، وبعضهم يتحدث مع رفاقه. وفي وسط القاعة وقف رجل في الأربعين تقريبًا، له لحية قصيرة وشعر مربوط للخلف. قال:
— من دخل لأول مرة يقف عند الخط.
تحرك آزر. ووقف، ثم قال الرجل:
— ضع يدك على الحجر.
كان هناك حجر شفاف على المنصة. أبيض في البداية، ثم وضع الشاب الأول يده. ظهر خط أخضر، ثم قال الرجل:
— جيد.
الشاب ابتسم. ثم جاء الثاني، ظهر ضوء أصفر. فقال الرجل:
— ممتاز.
الثالث. لم يظهر شيء. تغير وجهه، وقال الرجل:
— أعد المحاولة.
وضع يده ثانية، ولا شيء. قال الرجل:
— التالي.
تراجع الشاب، وكان وجهه قد انكسر. مر بجانب آزر دون أن ينظر إليه.
دخل آزر. وضع يده على الحجر، ولم يحدث شيء. ثانية، ثانيتان، ثم.. وميض. ظهر خط أبيض. توقفت القاعة، ورفع الرجل رأسه. حدق في الحجر، ثم في آزر، وقال:
— أعد يدك.
فعل، وظهر الخط من جديد. قال الرجل:
— أنت…
توقف، واقترب.
— هل سبق أن تدربت؟
— لا.
— هل شعرت بالمَدَد من قبل؟
— لا أعرف ما هو.
نظر الرجل إلى الشاب طويلًا، ثم قال:
— ومن أين جئت؟
ذكر آزر اسم قريته، ولم يعرف الرجل الاسم. اقترب أحد مساعديه، وهمس في أذنه. تغير وجهه، ثم قال:
— هذه ليست منطقة زراعة.
نظر آزر إلى الحجر.
— وهل يعني ذلك أنني لا أستطيع الزراعة؟
لم يجب الرجل مباشرة، ثم قال:
— يعني أن هناك شيئًا فيك لم أعتد رؤيته هنا.
— ما هو؟
ابتسم الرجل.
— لا أعرف.
كان يمكن للجملة أن تكون عادية، لكن آزر شعر بشيء فيها. شيئًا صادقًا، فقال:
— جيد.
رفع الرجل حاجبه.
— لماذا جيد؟
— لأنك لو أخبرتني بشيء لا تعرفه، سأضطر إلى البحث عن إجابة له بدلًا منك.
ضحك بعض الشبان، وحتى الرجل ابتسم.
— لديك لسان سيئ.
— ربما.
— لكن الحجر استجاب لك، لذا عد بعد ثلاثة أيام.
— لماذا؟
— لأنني أريد أن أعرف ماذا سيحدث إذا تعلمت أول شيء.
في طريق عودته لم يكن آزر يفكر في الرجل، ولا في القاعة. كان يفكر في الحجر. الخط الأبيض، المَدَد، الزراعة، ثلاث كلمات جديدة لم تخبره كثيرًا. لكنها فتحت له بابًا، وعندما وصل إلى النزل وجد كايو جالسًا عند الدرج، وكان يضغط على معصمه. قال آزر:
— ماذا حدث؟
رفع كايو رأسه.
— حاولت الاختبار.
نظر آزر إلى يده.
— والنتيجة؟
ابتسم كايو، ولكن الابتسامة كانت متعبة.
— لم يعطني شيئًا.
جلس آزر إلى جواره، وسأله:
— هل أنت غاضب؟
هز كايو رأسه، ثم قال:
— لا. لكنني أكره هذا.
لم يقل آزر شيئًا، أكمل كايو:
— رأيت واحدًا أصغر مني يرفع ثلاثة أحجار بيد واحدة، وأنا لم أستطع حتى جعل حجر واحد يتحرك.
— ربما يمكنك فعل شيء آخر.
ضحك كايو بلا فرح.
— وما فائدة «ربما»؟
لم يجب آزر، وجاء ريو من آخر الممر. توقف عندهما، ونظر إلى كايو.
— أظهرت النتيجة؟
هز رأسه.
— لا.
— ماذا قالوا؟
— إنني لا أملك موهبة واضحة.
لم يتغير وجه ريو، لكن عينيه ثبتتا على يد كايو.
— وهل تصدقهم؟
— لا.
— جيد.
قالها ريو ببساطة، ثم صعد. نظر كايو إلى آزر.
— هل هذا كل شيء؟
— لا أعرف.
— بدأت أكره هذه العبارة أقل.
في تلك الليلة اجتمع الأربعة في الغرفة. رين جلس قرب الباب، ونيرة أخرجت بعض الأعشاب. ريو بقي واقفًا، وآزر كان إلى جانب النافذة. قال ريو:
— لن نبقى هنا طويلًا.
رفع رين رأسه.
— لماذا؟
— لأنهم سيبحثون عنكم.
— من؟
صمت ريو، وقالت نيرة:
— هل المشكلة بدأت الآن؟
نظر إليها.
— لا، نحن فقط أصبحنا في مكان يمكنها أن تصل إليه.
— إذن أين نذهب؟
أخرج ريو قطعة نقدية صغيرة ووضعها على الطاولة.
— إلى الشمال.
نظر آزر إليها، وكانت عليها علامة غريبة، ليست الدائرة. لكنها تشبهها قليلًا.
— ما هذه؟
نظر ريو إلى القطعة، ثم قلبها.
— لا شيء.
— لم تعد "لا شيء" تقنعني.
ابتسم ريو.
— جيد.
— أين الشمال؟
— هناك طائفة صغيرة على بعد خمسة أيام.
— طائفة؟ وهل سنصبح مزارعين فيها؟
نظر ريو إليه.
— إن أرادوا قبولكم.
— وإن لم يريدوا؟
— نكمل.
أخرج كايو نفسًا طويلًا، ثم قال:
— إلى أين؟
رفع ريو عينيه.
— إلى مكان يمكنكم فيه أن تتعلموا.
نظر آزر إلى الرجل.
— وأنت؟ لماذا تساعدنا؟
سكت ريو. وكانت نيرة تراقبه، ورين كذلك. أما كايو فرفع رأسه، ولم يجب ريو فورًا. اقترب من النافذة ونظر إلى المدينة، ثم قال:
— لأنني أعرف ماذا يحدث للناس الذين يدخلون هذا الطريق دون أن يعرفوا شيئًا.
— وماذا يحدث؟
ظل ريو صامتًا، ثم قال:
— بعضهم يموت، وبعضهم ينجو.
— وما الفرق؟
التفت ريو إليه، وهذه المرة لم تكن في عينيه تلك الخفة القديمة.
— الناجي يعرف أنه لم ينجُ حقًا.
كان عليهم أن يرحلوا في الصباح، ولكنهم لم يفعلوا. حدث ما أجبرهم على البقاء ليلة أخرى.
بدأ كل شيء بصرخة في السوق. خرجت من أحد الأزقة صرخة امرأة، ثم سقط شيء معدني، وتبعها صوت رجل
— ابتعدوا!
ركض الناس، أغلق أصحاب المتاجر أبوابهم، ثم أمسك رين بذراع آزر.
— إلى الداخل.
لكن آزر كان قد سمع شيئًا آخر. بكاء طفل، نظر إلى رين. ثم تحرك، وأمسك رين بكتفه.
— آزر!
نزعه الشاب عنه، ولم يجرِ بعيدًا. دخل الزقاق، ثم تبعه كايو، وصرخ رين:
— عودا!
لكن نيرة قالت:
— اتركهما.
نظر إليها.
— لماذا؟
— لم تجب.
وصل الاثنان إلى نهاية الزقاق. كان هناك رجلان، أحدهما يحمل سكينًا، والآخر مطروح على الأرض، وفي الزاوية… طفل صغير يرتجف.
اقترب الرجل ذو السكين.
— ابتعدا.
كايو توقف وحمل الطفل، تغير تنفسه. والرجل الآخر أمسك بذراعه، ثم قال:
— اترك الطفل.
— ليس شأنك.
تحرك كايو، كان أسرع مما توقع الرجل، لكن السكين انحرفت نحوه. صرخ، ثم تراجع، وظهر جرح خفيف ظهر على ذراعه.
نظر الي الدم، ثم إلى الطفل. تغير وجهه، اندفع وضرب الرجل. سقطت السكين، لكن الرجل الآخر أخرج خنجرًا.
كان أسرع، ولم ير آزر إلا لمعان المعدن. تحرك كايو أمام الطفل، وارتطم الخنجر بكتفه. صرخ، وتراجع، ثم سقط على ركبته.
تجمد آزر. لحظة واحدة فقط لحظة.. كان يستطيع الهرب، وكان يستطيع انتظار أحد للمساعدة أو الحراس.
كان يستطيع أن يعود ويترك الأمر لهم، وكانت تلك أسهل الطرق، لكن الطفل كان سيُصاب.
تحرك آزر. التقط حجرًا من الأرض، وضرب به ركبة الرجل. صرخ، ثم سقط، وقبل أن يستطيع النهوض، أمسك آزر بالخنجر ورفعه.
كانت هناك لحظة قصيرة جدًا… نظر فيها إلى الرجل. الرجل ينظر إليه، والطفل يبكي. كايو ينزف، ولم يفكر آزر في الخير، ولا الشر، ولا العقوبة، ولا الرحمة. فكر فقط في شيء واحد:
إذا عاش، فقد يفعلها مرة أخرى.
رفع الخنجر، لكن يدًا أمسكت معصمه. ريو، وقال:
— كفى.
نظر آزر إليه.
— لماذا؟
— لأنك لا تعرفه.
— أعرف ما فعله.
— هذا ليس كافيًا.
رفع آزر عينيه.
— لو تركته، فقد يؤذي شخصًا آخر.
— وقد تقتله وهو يستحق الحياة.
نظر آزر إلى الرجل، ثم إلى الطفل، وأخيرا إلى الدم على ذراعه.
— بالنسبة إلى الطفل، الفرق بين الاحتمالين ليس كبيرًا.
شد ريو يده.
— هذا ليس قرارك.
نظر آزر إلى معصمه الذي أمسكه ريو، ثم ترك الخنجر، وسقط على الأرض. لكن عينيه بقيتا على الرجل. لم يبدُ نادمًا، ولم يبدُ مرتاحًا. فقط… كان قد اتخذ قراره.
بعد ساعة كان كايو جالسًا في الغرفة، ونيرة تخيط الجرح في كتفه. ضغط على أسنانه، وقالت:
— لا تتحرك.
— أنا لا أتحرك.
— كتفك هو الذي يتحرك.
— لأنه جزء مني.
— للأسف.
ابتسم رغم الألم، أما آزر فكان جالسًا قرب النافذة. نظر كايو إليه، ثم قال:
— كنت ستقتله.
رفع آزر رأسه.
— نعم.
سكت كايو، وقال:
— لماذا؟
لم يجب آزر فورًا، ثم قال:
— لأنه كان سيؤذي الطفل.
نظر كايو إلى يده.
— ولو لم يكن هناك طفل؟
— لم أكن لأتدخل.
ساد الصمت. رفعت نيرة عينيها إليه، ولكنها لم تقل شيئًا. كان رين في الزاوية، ينظر إلى آزر طويلًا، ثم قال:
— وأنت لا ترى مشكلة في ذلك؟
نظر آزر إليه.
— مشكلة؟
— أن يعيش رجل أو يموت بناءً على ما يخدم هدفك.
لم يفهم كايو تمامًا. لكن ريو فهم، وأدركت نيرة أيضًا أن الإجابة أهم من السؤال. قال آزر:
— الناس يموتون كل يوم، الفرق أنني هذه المرة أملك القدرة على تغيير ما يحدث.
— وهذه القدرة ستغيرك.
— ربما، لكن إن لم أستخدمها، فلن أعرف أبدًا إلى أي مدي وصلت.
لم يقل رين شيئًا. أما نيرة فأعادت الإبرة إلى الجرح وقالت بهدوء:
— إذن احذر من شيء واحد.
نظر إليها آزر.
— ماذا؟
رفعت عينيها إليه.
— أن يصبح هدفك أقسى من كل شيء تفعله للوصول إليه.
سكت آزر. ولم يجادلها، لكنه لم يوافق أيضًا. وفي تلك اللحظة، لم يكن أحد منهم يعرف أن هذه الجملة ستعود يومًا… بعد سنوات، وفي مكان لا يشبه لين، ولا القرية، ولا هذا العالم كله.
وفي منتصف الليل خرج آزر إلى سطح النزل. كانت المدينة تحت قدميه. آلاف النوافذ، بعضها مضيء، وبعضها مظلم. صوت المدينة في الليل لم يكن مثل النهار، كان أخفض، أعمق، وكأن لكل شارع حياة سرية لا تظهر تحت الشمس.
جلس، ورفع رأسه إلى السماء. تذكر الرجل الميت في قريته، ثم رين، ريو، كايو، الطفل، الخنجر، والمَدَد. مد يده أمامه، وفتح كفه. لم يحدث شيء. أغلقها، وحاول مرة أخرى، لا شيء.. ضحك بهدوء.
— ليس بعد.
لم يكن غاضبًا، كان فقط يعترف بحقيقة، ثم سمع صوتًا خلفه.
— من قال لك إن المَدَد يخرج من اليد؟
استدار، وكان رجلًا مسنًا يجلس فوق حافة السطح الأخرى. لم يسمع آزر وصوله، وكان يرتدي ثوبًا رماديًا بسيطًا، وشعره أبيض تمامًا. سأل آزر:
— من أنت؟
— شخص سمعك تتحدث إلى نفسك.
— ماذا تريد؟
ضحك الشيخ.
— ولا شيء، لكنك تحاول فتح باب دون أن تعرف أين الباب.
— هل تعرف أين هو؟
— ربما.
— هل ستخبرني؟
نظر إليه طويلًا، ثم قال:
— لا.
سكت آزر، وكان يستطيع أن يغضب، لكنه لم يفعل.
— لماذا؟
ابتسم الشيخ.
— لأنك طلبت مني إجابة قبل أن تدفع ثمنها.
— وما ثمنها؟
— المعرفة.
ثم نهض. وقبل أن يرحل، قال:
— غدًا عند الشروق، اذهب إلى البوابة الشمالية.
توقف آزر.
— لماذا؟
ابتسم الشيخ.
— لأن الطريق الذي تبحث عنه لا يبدأ من هنا.
ثم اختفى بين درجات السطح. ظل آزر جالسًا، ولم يعرف الرجل. لم يعرف من أين أتى، لم يعرف كيف وصل، ولم يعرف لماذا اختار أن يحدثه. لكنه عرف شيئًا واحدًا، في صباح الغد… سيذهب إلى البوابة الشمالية. ليس لأن الرجل طلب، ولا لأنه يثق به، بل لأن هناك سؤالًا جديدًا ظهر أمامه. وسؤال واحد كان يكفي دائمًا كي يجعل آزر يتحرك.
رفع عينيه إلى السماء وقال بصوت هادئ:
— ماذا يوجد بعد هذا العالم ؟
ولم يكن يعرف أن السؤال الذي نطق به همسًا… كان أكبر من أن يسمعه رجل واحد.
وفي مكان بعيد، خلف جبال لم يرها آزر في حياته، تحرك شيء داخل الظلام. فتح عينين، ثم أغلقهما
وعاد كل شيء ساكنًا، كأن شيئًا لم يحدث.
لكن الطريق… كان قد بدأ بالفعل.