في اللحظة التي قال فيها كايو:
— داخلي .
لم يسمع آزر شيئًا، لم يتحرك، بقي واقفًا في الفناء، والليل من حولهما ساكنًا إلى درجة جعلت صوت أنفاسهما يبدو غريبًا. أما كايو، فكان يضع يده فوق صدره. لم يكن هناك ألم، وهذا ما جعله أكثر خوفًا.
— هل ما زلت تسمعه؟
هز كايو رأسه.
— لا.
— إذن لماذا تضع يدك هناك؟
نظر كايو إلى يده، كأنه انتبه إليها للمرة الأولى.
— لا أعرف.
اقترب آزر، ولم يلمسه. اكتفى بالنظر. كان وجه كايو شاحبًا، لكن عينيه ظلتا مفتوحتين.
— أخبرني عندما يعود.
رفع كايو رأسه.
— ماذا ستفعل؟
فكر آزر قليلًا، ثم قال:
— سأستمع.
ضحك كايو ضحكة قصيرة، متعبة.
— وأنت أصلًا لا تسمع شيئًا.
نظر إليه آزر.
— لهذا أريدك أن تسمع جيدًا.
لم يرد كايو. ومن خلفهما، تحركت نافذة بيت ريو مع الريح. التفت الاثنان، ولم يكن هناك شيء. وعندما عاد كايو بنظره إلى آزر، كان قد اتخذ قرارًا لم يعلنه. إذا عاد الصوت… فلن يخفيه.
وفي صباح اليوم التالي، استيقظت القرية على شيء لم تستطع أن تسميه. لم يكن هناك حريق، ولا صراخ، ولا جثث، ولم يسقط أحد من السماء. النهر كان في مكانه، البيوت في أماكنها، والشمس أشرقت كما تفعل كل صباح. ومع ذلك، خرج الناس من منازلهم ببطء. وقف بعضهم عند الأبواب، نظروا حولهم.
وكان أول من لاحظ الأمر طفلًا صغيرًا خرج حافي القدمين إلى الساحة. وقف، ثم التفت إلى أمه.
— أمي أين الطيور؟
رفعت المرأة رأسها، وعندها فقط انتبهت، لم يكن هناك صوت واحد. لا رفرفة أجنحة، لا زقزقة عند الأسطح. حتى الأشجار بدت ساكنة أكثر من المعتاد.
ذهبت امرأة إلى البئر، أنزلت الدلو، صوت الحبل وحده ارتفع من العمق. وحين سحبته، لم يتكلم أحد. كان الماء موجودًا، لكن سطحه لم يتحرك. ظل ساكنًا بصورة غريبة، وحدقت المرأة فيه طويلًا قبل أن تبتعد.
انتشر الأمر في القرية بسرعة. كالعادة، بدأت الكلمات تظهر قبل أن تظهر الإجابات، ماء مريض، عين سيئة، نذير، غضب أرواح. وحين وصلت الكلمة الأخيرة إلى سورا، قال:
— لا أحد ينشرها.
سأل رجل:
— لماذا؟
— لأنها ستصبح حقيقة عند من يسمعها بما يكفي.
وقف آزر على مسافة. راقبه، لم يقل سورا ما يعتقد أنه يحدث، ولم يقل ما يخشاه، وهذا وحده كان كافيًا ليفهم آزر أن الرجل يعرف أن شيئًا ما تغيّر. اقترب منه.
— أنت تعرف.
نظر سورا إليه.
— ماذا؟
— أن هذا ليس طبيعيًا.
صمت الشيخ، ثم قال:
— أشياء كثيرة ليست طبيعية.
— لكنك لم تبدُ متفاجئًا.
شد سورا على عصاه.
— لأن المفاجأة لا تمنح الإنسان وقتًا أكثر.
نظر آزر إلى يده، ثم قال:
— أنت خائف.
رفع سورا عينيه إليه، وللحظة ظن آزر أنه سيغضب لكن الشيخ قال فقط:
— نعم.
كانت الإجابة صريحة إلى درجة أربكته، قال آزر:
— من ماذا؟
نظر سورا إلى القرية، إلى الناس، إلى السماء، ثم قال:
— من أن يكون ما أخشاه قد بدأ فعلًا.
ومضى، بقي آزر مكانه، ولأول مرة منذ عرف سورا، لم يشعر أن الرجل يخفي جوابًا. بدا له أنه يخفي سؤالًا.
عند بيت ريو، كان كايو هو أول من شعر به، لم يسمع طرقًا. هذه المرة كان شيئًا آخر. صوتًا خافتًا، مثل احتكاك معدن بحجر بعيد، ثم توقف، رفع رأسه. كان ريو جالسًا قرب النافذة، قال:
— سمعت شيئًا.
رد ريو فورًا:
— ماذا؟
— ليس طرقًا.
تغير وجه ريو.
— من أين؟
— لا أعرف.
— هل هو قريب؟
— لا.
اقترب ريو من النافذة.
— صفه.
عبس كايو.
— وكأن شيئًا يُسحب على الأرض.
ظل ريو ساكنًا، ثم قال:
— لا تخرج.
تدخلت نيرة، التي كانت تخلط الأعشاب في وعاء صغير:
— ما الذي يحدث؟
لم يجب ريو، وقال كايو:
— أريد أن أعرف.
— ونحن أيضًا.
نظر ريو إلى الباب ثم إلى الجرح المغطى.
— لم يعد مهمًا ما تريدون معرفته.
نهض، وتأوه حين شد الجرح اقتربت منه نيرة:
— اجلس.
— ليس لدينا وقت.
— وهذا لا يغيّر أنك تنزف.
نظر إليها، ثم قال:
— إن بقينا هنا، سينزف الكثيرين.
لم تسأله كيف عرف. هذه المرة فقط، فهمت من وجهه أن الكلام لم يعد افتراضًا. كان ينتظرهم شيء…
وصل الصوت إلى القرية قبل أن يصل صاحبه. صوت خافت، معدن يجر فوق الحجر. ثم صوت خطوة، ثم أخرى. خرج أهل القرية إلى الطرقات. تجمعوا دون أن يعرفوا لماذا. وكان رين أول من رأى الرجل.
ظهر عند مدخل القرية. شاب في أواخر العشرينيات، طويل القامة، نحيل الجسد، يرتدي ثوبًا رماديًا خاليًا من الزينة. شعره الأسود مربوط خلف رأسه، ووجهه هادئ بصورة جعلته يبدو أصغر من عمره. لكن الشيء الذي لفت النظر لم يكن ملابسه. كان ما يحمله.. سيف ليس كبيرًا، ولا مزخرفًا. سيف عادي، غمده أسود، مربوط إلى خصره. ومع ذلك، لم يحب رين وجوده.
وقف سورا أمام الناس، وقال:
— ماذا تريد؟
الرجل لم ينظر إليه. كانت عيناه تتحركان بين البيوت، ثم قال:
— جريح.
تدخل رين:
— لا نعرف عما تتحدث.
رفع الرجل يده قليلًا. لم يخرج السيف، لكن شيئًا في الهواء تغيّر. توقفت الريح، وتوقفت أصوات الناس، حتى الغبار الذي كان يتحرك عند أطراف الطريق بدا وكأنه علق في مكانه. شهق أحدهم، وتراجع طفل. أما آزر، فبقي مكانه. لم يفهم ما الذي حدث، لكنه شعر بالهواء أثقل.
— أكره الكذب.
جاء صوت ريو من خلف البيوت:
— وأنا أكره الرجال الذين يدخلون قرية لا يعرفونها وكأنها ملكهم.
التفت الجميع. خرج ريو، كان وجهه شاحبًا، وضغطت يده على الجرح. حين رأى الرجل، توقف. وسكن وجهه تمامًا. قال الرجل:
— ريو.
صمت قليلا، ثم قال:
— كنت أتمنى ألا أراك.
أجابه الرجل:
— وأنا كنت أتمنى ألا أبحث عنك.
كان سورا ينظر بينهما، ثم قال:
— من أنت؟
نظر الرجل إليه أخيرًا. ثم نظر إلى العلامة السوداء على جذع الشجرة. تغيرت عيناه، تغيرًا صغيرًا. لكن آزر رآه، ثم قال الرجل:
— أنتم لا تعرفون ما تحت أقدامكم.
قال رجل:
— لا نريد أن نعرف.
— وأنا لا ألومكم.
ثم وضع يده على السيف، وقال ريو:
— ابتعدوا.
لم يتحرك أحد، كرر:
— ابتعدوا!
هذه المرة تحرك رين. أمسك بذراع رجل قريب وسحبه إلى الخلف. وأخذ سورا خطوة إلى جانب الشجرة. أما آزر… فلم يتحرك، ونظر ريو إليه.
— آزر.
التفت إليه.
— نعم؟
— ارجع.
— لماذا؟
تردد ريو للحظة، ثم قال:
— لأن الرجل الذي أمامنا ليس شخصًا يمكن لقريتك أن تتعامل معه.
كان هذا أول مرة يقول فيها ريو شيئًا بهذه الصراحة، ثم قال آزر:
— وأنت؟
نظر ريو إلى السيف.
— وأنا لا أستطيع التعامل معه طويلًا.
كان اعترافًا بسيطًا. لكنه جعل المكان كله أكثر بردًا.
لم يفهم آزر كيف حدثت الضربة الأولى، رأى الرجل يتحرك، ثم لم يره. وفي اللحظة التالية، دوى صوت اصطدام. ظهر ريو في منتصف الطريق، وقد رفع ذراعه. السيف الأسود توقف أمامه مباشرة. لم يكن بين النصل وجسم ريو إلا مسافة أصابع، لكن شيئًا غير مرئي دفعه إلى الخلف. انزلقت قدما ريو فوق التراب. خطوة، ثم أخرى، حتى اصطدم بجدار أحد البيوت. شهق، وسقطت قطرات دم على الأرض. لم يصرخ رفع رأسه فقط، ثم قال الرجل:
— إصابتك تمنعك من استخدام معظم قوتك.
مسح ريو الدم من فمه.
— كنت أعرف أنك أحمق.
— وما الذي يجعلك متأكدًا؟
— لأنك أتيت وحدك.
ابتسم الرجل للمرة الأولى.
— لم آتِ وحدي.
رفع إصبعه. وفوق سطح أحد البيوت ظهر رجل آخر، ثم ثالث، ثم رابع، ولم يبدوا كبارًا. لكن مجرد ظهورهم جعل القرية أصغر، وشعر رين بارتجاف في يده. أما كايو، فقد تراجع نصف خطوة، وهمس:
— كم واحدًا؟
لم يجب أحد. نظر آزر إلى الرجال فوق الأسطح، كان كل واحد منهم يقف في مكان مختلف. ولا أحد ينظر إلى القرية، بل كانوا ينظرون إلى شيء واحد. الشجرة.
— قال سورا:
أنتم لا تريدون ريو.
. التفت إليه الرجل الأول.
— لا.
ثم أشار إلى الدائرة السوداء.
— نريد الأثر .
شعر آزر بقبضة باردة في صدره. الأثر، لم يعرف ماذا يعني. لكن ريو وسورا عرفا. نيرة قد لاحظت التغير في وجهيهما. قالت:
— ما هو الأثر؟
لم يجب أحد، فابتسم الرجل الغريب.
— الآن فقط بدأتم تسألون السؤال الصحيح.
تحرك ريو فجأة، ولم يتجه إلى الرجل. بل نحو الشجرة، صرخ سورا:
— لا!
لكن ريو كان قد وصل. وضع كفه على جذعها. وتغيّرت الدائرة السوداء، لم يلمسها من قبل، ولم يحدث ذلك حين اقترب منها في اليوم الأول. لكن الآن… تحرك شيء داخلها، خط رفيع ظهر على حافتها. تراجع ريو بسرعة، وقال سورا:
— ماذا فعلت؟
— لم أفعل شيئًا.
الرجل الغريب نظر إلى الدائرة. ثم إلى ريو.
— لقد استجابت.
— همس ريو، هذا ليس جيدًا.
سأله آزر:
— لمن؟
لم يجب، كانت عينا ريو على الدائرة. ثم ارتفعتا إلى السماء، وكان ذلك كافيًا. فهم آزر أن شيئًا في الأعلى يشغل الرجل منذ دخل القرية. قال الرجل الغريب:
— أخذتم أكثر مما تعرفون.
تقدم سورا.
— لم نأخذ شيئًا.
— أنتم لا تحتاجون إلى أخذه، يكفي أن تفتحوه.
— وما الذي فُتح؟
التفت الرجل إليه، وكانت تلك المرة الأولى التي ينظر فيها إلى آزر مباشرة. صمت، ثم قال:
— أنت لست مزارع.
— لا.
— ولا تعرف شيئًا عما يحدث.
— صحيح.
نظر الرجل إلى ريو، ثم عاد إلى آزر.
— هذا أفضل لك.
رفع أحد الرجال فوق السطح يده.
— سيدي.
التفت إليه.
— العلامة تحركت.
رفع الغريب عينيه إلى الدائرة. كان الخط الأسود قد ازداد، وبدأت فجوة صغيرة تظهر في الخشب. كأن الدائرة تُفتح، ثم قال سورا بصوت منخفض:
— لا.
ثم التفت إلى الناس.
— تراجعوا!
لكن الوقت كان قد فات. جاء الصوت.
طَق .
تجمد كايو. رفع رأسه، وكان الصوت مختلفًا عن السابق، أقرب، أوضح.
طَق.
وضع يده على صدره، صرخ ريو:
— كايو!
نظر إليه.
— ماذا؟
— لا تسمح له أن يصل إلى الرابعة!
لم يفهم أحد. ولا حتى آزر، ثم قال كايو:
— ماذا يعني ذلك؟
— لا أعرف!
نظر آزر إليه، وكانت تلك المرة الأولى التي يرى فيها ريو مذعورًا حقًا. جاءت الطرقة الثالثة.
طَق.
ارتجفت الدائرة، ثم ساد الصمت. كان الجميع ينتظر. وهذه المرة لم يكن كايو وحده، حتى آزر شعر بشيء. ليس صوتًا، بل انتظارًا، كأن المكان كله توقف ليرى ماذا سيحدث.
نظر آزر إلى كايو، وكان الشاب يتنفس بسرعة.
— لا…
قال آزر:
— لا تفكر في الصوت.
نظر إليه كايو.
— ماذا؟
— لا تحاول أن تسمعه.
ارتجف كايو.
— لكنه موجود.
— أعرف.
— وأنت لا تسمعه.
— أعرف.
نظر كايو إليه، ولم يفهم لماذا لم يكن آزر خائفًا. لكن فالحقيقة كان آزر خائفًا، لكن خوفه لم يكن من الصوت. كان من السؤال الذي يقف خلفه، من يطرق؟ ولماذا ينتظر؟ والأهم… لماذا يريد أن يسمعه شخص بعينه؟
اقترب كايو من آزر، وقال:
— ماذا أفعل؟
نظر آزر إلى صدره، ثم قال:
— لا أعرف.
ضحك كايو وسط خوفه.
— أخيرًا.
— ماذا؟
— بدأت تشبهنا.
لم يبتسم آزر، ولكنه قال:
— لا، بدأت أفهم فقط أن عدم المعرفة أفضل من الكذب.
قبل أن يكمل، جاء صوت آخر. لكن ليس طرقة، كان صوت صخرة تسقط. التفت الجميع، وارتجفت الأرض، شق طويل ظهر في التراب أمام الشجرة أمتد كأنه يبحث عن طريق. ثم توقف عند قدمي آزر، نظر إلى الخط الأسود، مد يده، ولم يلمسه. لكن شيئًا حدث. الشق لم يتقدم، بل انقسم، ممر ضيق من التراب ظهر بين قدميه. وعلى بعد خطوات، خرجت من الأرض قطعة سوداء صغيرة. كانت من الحجر نفسه الذي وجدوه تحت الشجرة.
نظر ريو إليها، ثم قال:
— الآن فهمت.
— ماذا؟
رفعت نيرة صوتها. رفع ريو القطعة، وكان وجهه شاحبًا.
— لم يكن مدفونًا.
— سأل سورا
إذن؟
نظر ريو إلى الشجرة.
— كان ينتظر.
ساد صمت ثقيل، ورفع الرجل الغريب يده. تقدم اثنان من أتباعه، ثم قال ريو:
— إن كنتم تريدونها، خذوها.
توقف آزر، ونظر إليه.
— ماذا تفعل؟
— أحاول أن أجعلكم تعيشون.
— لكنها ليست لك.
نظر إليه ريو.
— أعرف.
أخذ الرجل الغريب خطوة. لكن كايو تحرك،ثم وقف أمام آزر، وقال:
— لن تأخذوها.
نظر إليه الرجل.
— ولماذا؟
ابتلع كايو ريقه، وكانت يده ترتجف. لكنه لم يتحرك.
— لأنكم جئتم إلى قريتنا وأخفتم أهلها.
— هذا سبب؟
— نعم.
ابتسم الرجل.
— الغضب لا يجعلك قويًا.
رفع كايو عينيه.
— لم أقل إنني قوي، لقد قلت إنني لا أريد أن أكون عاجزًا.
قال ريو:
— كايو، تراجع.
لكن كايو لم يتحرك، وكان آزر ينظر إليه. رأى الخوف في وجهه، ورأى معه شيئًا آخر، ذكرى. ولم يعرف ما هي، لكنه عرف أنها ليست مرتبطة بهذا المكان.
تقدم الرجل الغريب. وفي اللحظة التي رفع فيها يده، اندفع ريو. ليس بسرعة الرجل الغريب. بل بسرعة جعلت التراب ينهض خلفه. ضرب بقبضته، اصطدمت قبضته بكف الغريب. وانفجر الهواء بينهما، ارتد ريو عشرات الخطوات، وسقط على الأرض، صرخت نيرة:
— ريو!
حاول النهوض، فشل، وظهر الدم على شفتيه. لكن الغريب أيضًا لم يتحرك. وللمرة الأولى، ظهر شيء من المفاجأة في وجهه. نظر إلى كفه، ثم قال:
— ما زلت قادرًا.
أجابه ريو بصعوبة:
— على الأقل بما يكفي.
رفع الغريب يده مرة أخرى. لكن سورا ضرب الأرض بعصاه، وصدر صوت مكتوم. ولحظتها تبدل شيء، ليس في الهواء، بل في الأرض. ظهرت خطوط دقيقة حول الشجرة. لم تكن جديدة، بل كانت موجودة منذ سنوات. لكن التراب أخفاها، نظر آزر إليها، ثم إلى سورا. فهم شيئًا واحدًا: الشيخ لم يكن يحاول حماية الشجرة فقط، بل كان يحاول: حماية القرية منها. قال سورا وصوته يرتجف:
— الآن تعرفون لماذا قلت: اتركوها مدفونة.
نظر آزر إلى الخطوط. ثم إلى الناس خلفه، إلى رين، نيرة، كايو، ريو الذي بالكاد يقف، وأخيرًا إلى الرجل الغريب ورجاله. وفهم شيئًا لم يكن متعلقًا بالشجرة، بل كان متعلقًا بنفسه. منذ بدأ كل شيء، كان يظن أن المشكلة هي أن الناس يخفون عنه الحقيقة. أما الآن… فقد أدرك أن الحقيقة أوسع من أن تكون سرًا يخفيه شخص واحد. هناك أسرار قد تكون أخطر من أن تُعرف في المكان الخطأ.
صاح رجل فوق السطح:
— سيدي!
نظر إليه الغريب.
— ماذا؟
— السماء.
رفع الجميع رؤوسهم. ولم يكن هناك شيء. السماء صافية، زرقاء، ساكنة. لكن فجأه ظهر خط أبيض بعيد، رفيع جدًا، كأنه شق في أعلى العالم. شعر ريو ببرودة تسري في وجهه، ثم قال:
— لا…
اقترب الرجل منه.
— ماذا تعرف؟
لم يجب، كان ريو ينظر إلى الخط. ثم إلى آزر، وقال:
— هربت من شيء.
— ظننت أنه يبحث عني.
صمت لحظة.
— كنت مخطئًا.
— سأل آزر
عن ماذا يبحث؟
رفع ريو عينيه إليه، وكان يريد أن يجيب. لكن الكلمات لم تخرج، لأن الطرقة الرابعة جاءت.
طَق .
هذه المرة لم يسمعها كايو وحده. التفت الجميع، لا أحد يعرف من أين جاء الصوت، لم يكن من الخشب، ولا من الحجر، ولا من الأرض. بل كان من السماء. حدق آزر فيها، ولم يسمع طرقًا، لكن للمرة الأولى… رأى شيئًا. الخط الأبيض في السماء اتسع، ثم ظهر خلفه شيء لا يشبه الغيم. ولا الضوء. ولا الظلام. مجرد دائرة بعيدة، سوداء تمامًا. فتحة، شيء يشبه العلامة، لكنها كانت في السماء، ولم يقل أحد شيئًا. حتى الرجل الذي جاء مسلحًا، تراجع. سقطت يده عن سيفه، أما سورا… فأغمض عينيه. كأنه عرف هذه اللحظة قبل الجميع، وقال بصوت خافت:
— لقد بدأ.
سمعه آزر، والتفت إليه.
— ماذا بدأ؟
فتح سورا عينيه، ثم نظر إلى آزر مباشرة، وهذه المرة لم يكن في عينيه غضب، ولا رغبة في إخفاء شيء، كان هناك فقط الخوف..
— الطريق .
ثم التفت إلى ريو.
— خذهم وارحل.
— إلى أين؟
— إلى أي مكان، لكن لا تبقوا هنا.
— ولماذا؟
— لأن القرية لم تعد مكانًا يجهلكم العالم فيه.
وصمت، ثم أضاف:
— والآن…
بدأت الدائرة في السماء بالاتساع.
— بدأ العالم يعرف أنكم موجودون..
ظل آزر ينظر إليها. طوال حياته، كان يعتقد أن حدود عالمه هي ما يستطيع رؤيته، القرية، النهر، الجبال البعيدة، السماء، كل شيء كان ثابتًا. أما الآن، فقد ظهرت أمامه للمرة الأولى علامة تقول العكس. العالم أكبر، والسماء ليست بعيدة كما ظن، وربما… لم تكن السماء في الأعلى أصلًا.
نظر إلى ريو، إلى كايو، إلى الطريق الممتد خلف القرية، ثم إلى الدائرة السوداء فوقهم، وقال:
— سنرحل.
نظر إليه ريو.
— لماذا؟
أجاب آزر:
— لأنني أريد أن أعرف.. ولكن هذه المرة، لا أريد أن أعرف ما الذي يوجد هنا.
نظر إلى الطريق.
— أريد أن أعرف ما الذي يوجد هناك.
ولأول مرة منذ بدأ كل شيء… لم يكن آزر ينظر إلى الموت.
بل كان ينظر إلى الطريق الذي قد يقوده إليه، وراء القرية.
وراء الجبال، وراء كل شيء ظنه يومًا نهاية العالم. وهناك، في مكان لا يعرفه أحد منهم، كان شيء آخر قد بدأ يتحرك.