لم ينم كايو.
كان مستلقيًا على ظهره في الغرفة الصغيرة التي فرش فيها ريو فراشًا قرب الجدار. الباب مغلق، والمصباح الوحيد عند النافذة يوشك أن ينطفئ، نارٌ صغيرة ضعيفة داخله، وضوؤها المتقطع يجعل سقف الغرفة يتحرك فوق عينيه كلما رمش.
حاول أن يغلق أذنيه. ضغط كفيه عليهما حتى آلمه رأسه. لم يتغير شيء. كان الصوت قد اختفى، وهذا ما أخافه أكثر.
لو استمر الطرق، لاستطاع أن يقنع نفسه بأنه صوت حقيقي، شيء يأتي من مكان ما، ويتكرر لسبب ما، ويمكن البحث عنه. لكن أن يأتي ثم يختفي، فقد ترك وراءه فراغًا لم يعرف كيف يملؤه.
رفع رأسه ونظر إلى ريو. الرجل مستلقٍ إلى جوار الجدار، وعيناه مغمضتان.
— هل نمت؟
لم يفتح ريو عينيه.
— لا.
— كيف عرفت أنني لم أنم؟
— لأنك تتنفس كمن ينتظر شيئًا.
صمت كايو، بعد لحظات قال:
— سمعتها أربع مرات.
فتح ريو عينيه، ولم يسأله ماذا سمع. قال فقط:
— متأكد؟
— نعم.
جلس ريو ببطء، ووضع يده على صدره دون أن يشعر، موضع الجرح يؤلمه مع كل حركة، لكنه لم يلتفت إليه.
— أخبرتَ أحدًا؟
— لا.
— جيد.
قطب كايو حاجبيه.
— لماذا جيد؟
لم يجب ريو، نهض ومشى حتى النافذة، ثم توقف أمامها. الليل خارجها ساكن، لا أحد في الطريق، ولا مصابيح في البيوت البعيدة، لا شيء سوى سواد السماء وخط الأشجار المتداخل في الأفق.
— الثلاث الأولى أعرفها.
التفت كايو إليه.
— كيف؟
ظل ريو ينظر إلى الخارج.
— لأنني سمعتها من قبل.
— وأين؟
صمت.
— عند الحجر؟
— لا.
— إذن أين؟
التفت إليه ريو.
— لا تجعلني أكره وجود أذنين لك.
ابتسم كايو قليلًا، لكن الابتسامة لم تكتمل.
— والرابعة؟
لم يجب ريو، عاد إلى فراشه وقال:
— لا أعرف.
ظل كايو ينظر إليه، لم تعجبه الإجابة، لكن شيئًا فيه أخبره أن ريو لم يكذب، وهذا كان أسوأ.
مع أول خيط للنهار، كانت القرية قد نسيت تقريبًا ما حدث بالأمس. الأخبار الكبيرة لا تعيش طويلًا في الأماكن الصغيرة، تتحول في ليلة واحدة من خوف إلى حكاية، ومن حكاية إلى تفسير، ومن تفسير إلى شيء يذكره الناس وهم يعملون، ثم ينتهي به الأمر إلى أن يصبح جزءًا من الماضي.
لكن هذا الصباح كان مختلفًا، الأبواب فتحت ببطء. لم يقترب أحد من الشجرة، وحتى الأطفال الذين اعتادوا اللعب حولها مروا بعيدًا عنها وهم يلتفتون إليها خلسة.
خرج آزر من بيته. الهواء بارد قليلًا، و أوقفه للحظة صوت الماء وهو يُرفع من البئر، ثم صوت الحبل وهو يحتك بالحافة الحجرية. نظر إلى يد المرأة التي تسحب الدلو، إلى الماء، إلى الحبل، إلى الحركة نفسها التي تكررت آلاف المرات. وفكر في شيء لم يقله لأحد: أغلب الأشياء التي يراها الإنسان كل يوم لا يعود إلى رؤيتها، وهذا ربما كان سببًا كافيًا لأن يخطئ.
تجاوز البئر، وفي منتصف الطريق لمح كايو. كان جالسًا على حجر أمام بيت ريو، وذراعاه فوق ركبتيه، لم يكن مثل كايو الذي عرفه خلال اليومين السابقين، لا ضحك، لا تعليق، لا حركة زائدة.
اقترب آزر.
— هل نمت؟
رفع كايو رأسه.
— قليلًا.
جلس آزر أمامه وسأل:
— سمعت شيئًا؟
بقي كايو صامتًا، ثم قال:
— نعم.
انتظر آزر.
— كم؟
نظر كايو إلى عينيه مباشرة.
— أربع.
لم يتغير وجه آزر، لكن السؤال جاء فورًا:
— هل كنت وحدك؟
— نعم.
— هل كان الصوت من الخارج؟
— لا أعرف.
— من الأرض؟
— لا أعرف.
— من داخل البيت؟
— لا أعرف.
صمت آزر قليلًا، ثم قال:
— ما الذي تعرفه إذن؟
فرك كايو إبهامه براحة يده.
— أنه كان طرقًا.
— هذا فقط؟
— وأن الرابعة لم تأتِ مثل البقية.
رفع آزر رأسه.
— كيف؟
قال كايو:
— الثلاث الأولى جاءت بسرعة، وبعد الثالثة… انتظرت.
— ماذا انتظرت؟
— لا أعرف.
— ثم؟
— جاءت الرابعة.
تأمل آزر الأرض. أربع طرقات، ثلاث متتابعة، ثم صمت، ثم الرابعة. لم يكن عددًا فقط، شعر أنه كان ترتيبًا.
— هل شعرت أن الصوت ينتظر شيئًا؟
رفع كايو رأسه بسرعة. نظر إلى آزر لثوانٍ، ثم قال:
— نعم.
— ماذا؟
— أن أعدها.
لم يقل آزر شيئًا. كان هناك شيء في العبارة لا يعجبه. ليس لأنه مخيف، بل لأنه يعني أن الطرقات ربما لم تكن مجرد صوت. كانت قد تعرف شيئًا عن الشخص الذي يسمعها.
— هل أخبرك ريو؟
— لا.
— إذن كيف
— لم يخبرني بشيء.
نهض آزر.
— أنت قلتها بنفسك.
تبعته عينا كايو.
— قلت ماذا؟
— إنك لا تعرف، لكنك كل مرة تصف الشيء أكثر مما تظن.
مشى، وبقي كايو ينظر إلى ظهره.
وجد آزر رين قرب البيت القديم، كان يحمل سلة حطب، ويبدو عليه الضيق. قال حين رأى آزر:
— لا.
توقف آزر.
— لم أسأل شيئًا.
— أعرف.
— إذن لماذا قلت لا؟
— لأنني أعرفك.
مر آزر من جانبه، قال رين:
— سورا أمر الجميع ألا يقتربوا من الشجرة اليوم.
— أعرف.
— وأنت ذاهب إلى هناك.
— نعم.
— ولماذا أخبرتني؟
— لأنك ستعرف على أي حال.
نظر رين إليه، ثم تنهد.
— أحيانًا أتساءل إن كنت تعرف طريقًا للشيء الصحيح دون المرور بالطريق الذي سيجعلني أندم على أنك عرفته.
توقف آزر.
— وأحيانًا أتساءل إن كنت تمنعني لأنك تعرف شيئًا، أم لأنك تخاف ألا تعرف.
ظل رين صامتًا، ثم قال:
— الفرق بيننا أنني أريد أن أرى القرية غدًا كما أراها اليوم.
— وأنا أريد أن أعرف لماذا لا تكون كذلك.
تحرك رين ببطء.
— وهذه هي مشكلتك.
— لماذا؟
— لأنك لا ترى في الشيء إلا السؤال الذي خلفه.
نظر آزر إلى القرية. الناس يسيرون، الدخان يرتفع من المداخن، الخبز يخرج من الأفران، طفل يركض خلف آخر. كل شيء حي.
— والشيء الذي لا سؤال خلفه؟
— نتركه يعيش.
— وكيف تعرف أنه لا يوجد سؤال؟
لم يجب رين، تركه ومضى.
كانت نيرة عند بيت ريو، وحين دخل آزر وجدها تفتح الضماد. قالت من دون أن تنظر إليه:
— لا تقترب.
توقف، قال ريو:
— دعيه.
رفعت نيرة عينيها.
— أنت أيضًا لا تكثر من الأوامر.
— لم أعد أخاف منك.
— هذا لأن الحمى لم تخرج منك بعد.
جلس آزر جانبًا. كانت رائحة الأعشاب والزيت تملأ المكان. وضعت نيرة القماش جانبًا، ثم نظرت إلى الجرح. لم يتغير شيء للعين العادية، لكنها بقيت تحدق طويلًا.
— ماذا؟
— لا يعجبني.
— هذه العبارة سمعتها أمس.
— وأنا لم أسمع جوابًا أفضل منذ الأمس.
مدت يدها نحو حافة الجرح. تراجعت بسرعة.
— ماذا حدث؟
— لا شيء.
— نيرة.
— لا شيء جديد.
أخذت نفسًا بطيئًا.
— الأطراف تتحسن.
سأل آزر:
— والمركز؟
نظرت إليه.
— لا.
اقترب آزر قليلًا.
— كيف؟
— كأن جسدك لا يعرف أن الإصابة حدثت في وقت واحد.
نظر ريو إلى جرحه.
— وهذا ممكن؟
— لم أقل إنه مستحيل.
— لكنه غير طبيعي.
— نعم.
— وهل يمكن لشيء أن يحدث في وقتين مختلفين؟
توقفت نيرة لحظة، ثم قالت:
— يمكن للشيء أن يبدأ في وقت، وتظهر نتيجته في وقت آخر.
— هذا ليس ما أقصده.
— أعرف.
ثم أعادت ربط الضماد.
— لكنك بدأت تبحث عن تفسير قبل أن تتأكد من السؤال.
صمت آزر، قالت:
— الجرح عند حافته يتصرف كجرح مضى عليه عدة أيام، أما داخله، فبعضه لا يبدو أقدم من ساعات.
نظر ريو إليها.
— ساعات؟
— ربما أقل.
خفض عينيه.
— هذا لا معنى له.
— جيد.
رفع رأسه.
— جيد؟
— نعم. حين لا يكون للشيء معنى، لا نضيف إليه معنى من عندنا.
صمتت، ثم قالت:
— العاقل لا ينكر ما لا يفهمه، لكنه لا يقدسه أيضًا .
بقيت الجملة في الغرفة. نظر آزر إلى الأرض، كان يحب الإجابات، لكنه بدأ يكتشف أن أسوأ إجابة يمكن أن يحصل عليها الإنسان ليست «لا أعرف». بل إجابة يصدقها قبل أن يعرف إن كانت تستحق التصديق.
وصل سورا قبل الظهر بقليل. لم يتحدث كثيرًا. وقف في وسط الساحة، وأسند عصاه إلى الأرض. نظر إلى الجميع.
— كايو.
اقترب الشاب.
— ماذا سمعت؟
أخبره بكل شيء. ثلاث طرقات. ثم الرابعة. والفاصل بينها. لم يقاطعه سورا. لكن حين انتهى، سأل:
— هل سمعت أحدًا يتكلم؟
— لا.
— هل رأيت شيئًا؟
— لا.
— هل تغير مكان الصوت؟
— لم أعرف له مكانًا.
نظر سورا إلى ريو.
— وأنت؟
— سمعت بعضه.
لم يقل أكثر. لاحظ آزر ذلك، سأله سورا:
— أنت، ماذا تسمع؟
— لا شيء.
لم يعلق أحد. لكن عيني ريو بقيتا عليه للحظة. قال سورا:
— جيد.
— لماذا جيد؟
— لأن عدم سماع الشيء أهون من أن تسمع ما لا تفهمه.
— هذا يعتمد على الشيء.
ابتسم سورا ابتسامة صغيرة.
— أنت لا تترك حتى الإجابات البسيطة وشأنها.
— لأنها غالبًا ليست بسيطة.
تدخلت نيرة:
— يكفي، هناك شيء آخر.
التفت إليها.
— جرح ريو يزداد غرابة.
شد سورا فكه قليلًا.
— ماذا تقصدين؟
— لا أعرف، وهذه المرة لا أقولها تهربًا.
نظر ريو إليها، ثم إلى سورا، لم يقل أحد شيئًا، وأحس آزر للحظة أن الغرفة ضاقت، ليس بسبب الخوف، بل بسبب الأسرار. كل واحد منهم يحمل جزءًا من شيء لا يملكه الآخرون، وكان واضحًا له أن جمع الأجزاء لا يعني بالضرورة تكوين الحقيقة، بل ربما يؤدي أحيانًا إلى تكوين كذبة أكبر.
بعد الظهر، عادوا إلى الشجرة. لم يقتربوا منها، وقفوا على مسافة، بينما كان سورا ينظر إلى الجذع المشقوق. كانت الدائرة السوداء ما تزال في موضعها، وحين نظر إليها آزر، لم ير فيها شيئًا جديدًا.
لكن كايو وقف بعيدًا عنهم رفع رأسه، ثم قال:
— هناك شيء.
التفت ريو نحوه فورًا.
— ماذا؟
— ليس الطرق.
— ماذا إذن؟
أغمض كايو عينيه.
— شيء… مثل اهتزاز.
— من أين؟
فتح عينيه، وأشار إلى ناحية القرية، إلى أحد الأزقة، ثم تجمد.
— هناك.
نظر الجميع، لم يروا شيئًا. قال رين:
— أين؟
— لا أعرف. إنه يتحرك.
سأله آزر:
— ماذا يتحرك؟
لم يجب كايو، كان وجهه قد تغير. قال ريو:
— لا تتبعه.
ضحك كايو بخفة مشوبة بالتوتر.
— لم أتحرك.
— بعد. لهذا قلتها قبل أن تفعل.
التفت آزر إلى ريو.
— لماذا تخاف منه؟
— لأنك لا تستطيع أن تعرف الفرق بين الشيء الذي يتقدم نحوك، والشيء الذي يجعلك تتقدم نحوه .
نظر آزر إلى الطريق، ثم إلى كايو، ثم إلى الشجرة. فهم شيئًا، الخطر ليس دائمًا أن يأتي شيء إليك. أحيانًا يكون الخطر أن يجعلك تذهب إليه وأنت تظن أن القرار قرارك.
— كايو، لا تتحرك.
قال سورا بسرعة:
— آزر على حق، بعض الأشياء لا تحتاج إلى مطاردة، يكفي أنها عرفت أنك سمعتها.
كانت تلك أول مرة يؤيد فيها سورا فكرة قالها آزر قبل أن يعارضها.
غابت الشمس قبل أن يقرر أحدهم العودة إلى بيوته. القرية أصبحت أكثر هدوءًا من الليلة السابقة. لكن الهدوء هذه المرة لم يكن مريحًا. كان أشبه بشيء يحاول أن يتنفس دون أن يُسمع.
جلس آزر خارج بيته. والده في الداخل، وأصوات الحياة اليومية تأتيه من خلال الجدار، لم ينضم إليه أحد، وظل وحده يفكر في كايو.
في المرة الأولى، كان السؤال: لماذا سمع؟ أما الآن، فقد تغير السؤال.
ليس: لماذا سمع كايو؟
بل لماذا لم يسمع آزر؟
كان الفرق مهمًا. لأن آزر اعتاد أن ينظر إلى الأشياء من جهة السؤال، لكن كايو كان يرى شيئًا آخر، أو يسمعه. ربما الحقيقة ليست بابًا يقف الإنسان أمامه من الخارج، ربما هي مكان واسع، وكل شخص يدخل منه من جهة مختلفة. وقد يرى أحدهم ما لا يراه الآخر، فهل يعني ذلك أن أحدهما مخطئ؟ أم أن الاثنين يملكان جزءًا من شيء أكبر؟
رفع آزر عينيه إلى السماء. كانت مظلمة تمامًا كما كانت كل ليالي القرية، ومع ذلك، لم يعد يستطيع النظر إليها بالطريقة نفسها التي كان ينظر بها إليها قبل وصول ريو.
— لو رأى شخص البحر طوال حياته، فلن يصدق من يخبره أن الماء يخفي شيئًا في قاعه. ليس لأن الرجل كاذب… بل لأن البحر الذي يعرفه لا يظهر ذلك.
رفع رأسه أكثر، ولم يعرف لماذا خطرت له الفكرة التالية: ربما يكون أكبر قيد في الإنسان ليس ما لا يستطيع فعله. بل ما لا يعرف أنه لا يستطيع رؤيته.
دخل البيت، لكنه لم ينم.
في بيت ريو، كانت نيرة تغير الضماد للمرة الأخيرة تلك الليلة. جلس كايو بالقرب من الباب.
— أنت ما زلت هنا.
— نعم.
— لماذا؟
ابتسم.
— لا أعرف.
نظرت إليه.
— تكذب.
— أعلم.
ربطت الضماد. قالت:
— هل ما زلت تسمع شيئًا؟
— لا.
— هذا جيد.
— لا أظن.
رفعت رأسها.
— لماذا؟
نظر إلى الباب.
— لأنه عندما اختفى الصوت، شعرت أنني يجب أن أكون أكثر خوفًا.
صمتت، وقال ريو:
— تعال، اجلس هنا.
اقترب وجلس أمامه، تأمله ريو طويلًا، ثم قال:
— عندما كنت صغيرًا، حدث لك شيء عند النهر، أليس كذلك؟
تغير وجه كايو، نظر إلى ريو بسرعة.
— نعم
— أنت لا تنظر إلى الماء بالطريقة التي ينظر بها الآخرون.
خفض كايو عينيه، قال ريو:
— القوة التي تريدها ليست حبًا للقوة، أنت فقط تريد ألا تكون عاجزًا.
ظل صامتًا، ثم قال:
— نعم.
— وهذا خطير، لأن الرجل الذي يكره عجزه قد يقبل بأي قوة تجعله ينسى أنه كان عاجزًا .
— وأنت؟ لماذا تكره الأشياء التي لا تعرفها؟
أدار ريو وجهه نحو النافذة.
— لا أكرهها، أخاف منها.
— ما الفرق؟
— الكراهية تجعلك ترغب في التخلص من الشيء. أما الخوف، فيجعلك تراقبه حتى لا يقع عليك.
بقي كايو صامتًا، ثم قال:
— وأحيانًا يجعلك تقترب منه.
ابتسم ريو.
— لهذا أنت أخطر مما تظن.
قبل منتصف الليل بقليل، كان كايو وحده في الفناء. الهواء بارد. رفع رأسه إلى السماء، لم يسمع شيئًا. انتظر، لم يحدث شيء. زفر، ثم استدار.
في اللحظة نفسها…
طَق.
توقف، لم يتحرك، مرت ثانية، ثم:
طَق.
— اتسعت عيناه،كان الصوت أقرب، الثالثة لم تأتِ فورًا، انتظر. ثم..
طَق.
ثلاث. أغلق كايو عينيه. كان يعرف ما سيأتي، لم يعرف كيف عرف. لكن جسده عرف قبله، مرت لحظات طويلة، طويلة جدًا، ولم تأتِ الرابعة.
فتح عينيه. في الجهة الأخرى من الفناء كان آزر واقفًا. لم يكن يعرف ما الذي يفعله كايو، لم يسمع شيئًا.
— كايو؟
لم يجب.
— ماذا هناك؟
رفع كايو إصبعه، أشار إليه أن يصمت. اقترب آزر خطوة.
— هل تسمعها؟
هز كايو رأسه، نعم. انتظر آزر، مر الوقت، ثم قال:
— كم؟
همس كايو:
— ثلاث.
نظر آزر إلى الظلام، لم يسمع شيئًا.
— والرابعة؟
رفع كايو عينيه إليه، ولم يجب. في مكان ما، بعيدًا عن الاثنين، سقطت قطرة ماء على حجر. صوت صغير، لكن كايو لم يلتفت إليها. كان ينتظر.
ثم حدث شيء لم يتوقعه، جاءت الطرقة الرابعة. لكنها لم تُسمع في أذنه هذه المرة. شعر بها.. اهتز صدره اهتزازًا خفيفًا، ووضع يده فوق قلبه.
تراجع آزر خطوة.
— ماذا حدث؟
نظر إليه كايو، وكان وجهه شاحبًا، ثم قال:
— هذه المرة… لم تكن من الخارج.
— من أين إذن؟
رفع كايو عينيه ببطء. ووضع يده على صدره.
— داخلي .
لم يتحرك آزر، ولم يسأل فورًا. ظل ينظر إلى كايو. كان يرى خوفًا حقيقيًا في عينيه للمرة الأولى، ليس خوفًا مما يسمعه، بل خوفًا من أن يكون الصوت قد وجد مكانًا لا يحتاج بعده إلى أن يطرق أي باب.
— هل تسمع شيئًا الآن؟
هز كايو رأسه.
— لا، لكنني أعرف أنه لم يرحل.
نظر آزر إلى السماء، ثم إلى كايو، ثم إلى الظلام الممتد وراء البيوت. ولأول مرة منذ بدأ يسأل عن الموت، وجد نفسه أمام شيء لا يستطيع حتى أن يبدأ بسؤاله بالطريقة المعتادة.
لأنه لا يعرف بعد… هل كان كايو هو الذي سمع الطرقة؟ أم أن الطرقة هي التي وجدت كايو؟
وفي تلك الليلة، لم يكن أكثر ما أخاف آزر هو أن هناك شيئًا يطرق. بل أن شيئًا ما قد يكون
وجد من يفتح له الباب..