المُتَحَرِّر الفصل 43 — المُتَحَرِّر 43

اقرأ المُتَحَرِّر الفصل 43 — المُتَحَرِّر 43 باللغة العربية على مانجا تايم.

توسّط آزر قلب غابة وادي الأنياب المظلمة، جالسًا على صخرة باردة تحيط بها بقايا أشجار عملاقة أكلها الضباب. أمامه، كانت نيران خافتة تلتهم قطعاً من لحم الدب البري، تُصدر أزيزاً خفيفاً وهي تقطر دهناً، بينما يعبق المكان برائحة الشواء المختلطة برائحة الدماء المتجمدة التي غطت يديه وضماداته الممزقة.

كان جسده بأكمله عبارة عن خريطة بشرية متكاملة للتعذيب؛ لفافات قماشية سميكة محاطة بالدماء تغطي جروحه العميقة، وبشرته شاحبة بلون الموت، تكاد تقارب بياض الأشباح، يتدلى فوقها شعره الأسود الطويل متخللاً إياه خصلات بيضاء تشبه رماد الجنائز.

وفي ذلك السكون المطبق.. تناهت إلى ذهنه بوضوح أصوات لم تكن لتفارق ذاكرته بسهولة؛ صرخات التلميذة الأولى قبل أن يطيح برأسها في الهواء، وتوسلات الثانية التي مزق ثوبها حتى كسى العري جسدها، ثم استنجادها اليائس بالشاب، قبل أن يخترق نصله ظهرها ويمتد ببرود قاسٍ ليمزق صدر الفتى الذي هرع لإنقاذها، مسقطاً الاثنين معاً في بركة من دمائهما المشتركة.

ساد صمت طويل.. قطعه فقط فرقعة الحطب الملتهب.

ثم تسلل السؤال إلى عقله ببطء وثقل:

— أكان كل هذا ضرورياً؟

أطرق برأسه قليلاً، وأنفاسه تحشرج ببطء في صدره المتداعٍ:

— أنا ضعيف.. أحاول أن أصل إلى الذروة، ولا أعرف حتى كيف. إلى متى.. إلى متى سأظل أقاتل وألطخ يدي بالدماء لأبقى على قيد الحياة؟

ظل ساكنا لفترة طويلة..

ولكن.. وسط ذلك الشعور بالثقل والعجز، أدرك شيئاً أعمق بكثير، شيئاً يمس كل شخص عابر في هذه الحياة.. وكل إنسان كابد مرارة الواقع بصمت:

ألم يعلمنا العالم أننا لسنا سوى أوراق تسقط في مهب الريح؟ نحن بشر عاديون، نولد ونحن نحمل مخاوف هشة، وندوباً خفية، وأحلاماً صغيرة نود لو نبنيها في أمان، لكننا نجد أنفسنا فجأة في مواجهة عالم قاسٍ لا يرحم، عالم يطالبنا إما بأن نتحطم تحت عجلاته، أو أن نتجرّع المرارة لنبقى على قيد الحياة.

فالضعف أبداً لم يكن عاراً، والخوف ليس خطيئة؛ إنه فقط… الثمن الذي يجب ان ندفعه كبشر لنصمد في وجه عالمٍ صُمِّم ليسحقنا!

وحين استقر هذا الإدراك في قاع روحه، انتصب عقله كحد السيف، فترامي بصره نحو قبة السماء المظلمة والأفق المترامي حيث تشتعل النجوم كعيونٍ باردة لمصائر لا تعنيه؛ رفع رأسه بتجبرٍ وشموخٍ مجنون، يعانق كبرياء الكون ذاته، وكأنه يواجه السماوات بنديةِ طاغيةٍ يرفض الركوع للعالم والحكام.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة شيطانية تفيض بالاستعلاء المطلق، وخرج صوته كحد السيف يقطع سكون الليل ببرودٍ لا يعرف الرحمة:

— في طريقي، تعلمتُ أن أبتسم كلما اشتدت الظروف؛ فالمصاعب لم تخلق لكسري، بل جُعلت لتصقل عزيمتي وتزيدني صلابة. فجراحي من هذه الأيام ليست ضعفاً، بل هي الجمر الذي يوقد نيران طموحي ويقود خطوتي وسط العتمة.

سأقف متفرداً بقلبي، ومستعصياً على كل ما قد يثني خطوتي؛ فلا السقوف المنخفضة ترضيني، ولا الزحام يعنيني

وما الموت سوى محطة عابرة في طريق الأقوياء؟ فليأتِ متى شاء، فالعبرة ليست كيف ننتهي، بل كيف نُشعل هذا الوجود قبل أن ننطفئ! فلنحترق إذن بنار الطموح بدلاً من أن نذبل في قاع الخنوع بلا صدى! سأمضي بيقينٍ لا يتزعزع، وإرادة حرة! تفرض سيادتها على هذا العالم خطوة بعد خطوة، ودون أن تلمح الأيام في عيني ذرة ندم واحدة!

ساد صمت طويل…

لقد أدرك بالفعل الحقيقة المريرة التي تنكشف فقط.. للذين سقطوا في القاع؛ فالقوانين التي يقدسها العالم، ليست سوى أوهام صاغها القوي ليتحكم في الضعيف. العدالة أداة بيد الطاغية، والرحمة رغيف خبز يبيعه القوي لمن يملك الثمن.

،فإن أراد أن يفهم هذا الوجود، فعليه أن يبتلع سُمّه بنفسه، وأن يدوس على كل القيم البشرية، ليشق طريقه نحو الحقيقة العارية!

أغلق عينيه، وبدأ يوجه تركيزه داخله. أخرج خيط المدد الرفيع من باطن روحه، محاولاً توجيهه عبر مساراته المتضررة داخل جسده. كان شعوراً حارقاً، كمن يسير حافياً على الجمر، لكنه استمر، مصراً على فهم كيف يتدفق ذلك المدد الباطني في أعماق عروقه، وكيف يحول الألم القاسي إلى وقود أبدي لرحلته نحو الهاوية.

وأثناء استغراقه في ترويض طاقته الداخلية، انقطع سكون الليل على وقْع خطوات خفيفة ومترددة، تلاها صوت خافت يناديه باسمه وسط عتمة الوادي الموحشة:

— آزر…

توقف نبض قلبه للحظة.. ففي هذا الظلام السحيق، وفي عمق غابة يعبث بها الموت والوحوش المفترسة، كان مجرد التجوال هنا انتحاراً مطلقاً!

هبّ واقفاً بحذر، متتبعا مصدر الصوت بين ظلال الأشجار العميقة، حتى لفت نظره طيف ضئيل يرتجف برداً وخوفاً.. إنها يوري!

لم تكن تدرك هول ما تفعله، فوادي الأنياب ليلاً يبتلع الأرواح دون أن ترمش له جفن. وقبل أن تدرك ما يدور حولها، انقضّ ظل مظلم وشدّها فجأة من معصمها إلى داخل تجويف صخري مظلم.

أطلقت صرخة مذعورة كادت تخترق سكون الغابة، لكن كفاً خشنة وملطخة بالدماء أطبقت على فمها بقسوة حانية. التفتت بذعر، لتجد وجهه قريباً منها لدرجة أن أنفاسه الباردة والمحملة برائحة الدم والحديد كانت تضرب وجهها مباشرة.

اتسعت عيناها المبللتان بالدموع، واشتعل وجهها بحمرة خجلة رغم الرعب الطاغي، فأدارت وجهها قليلاً لتتفادى نظراته الحادة.

قال آزر بصوت هادئ، يقطر بروداً مهلكاً:

— هل فقدتِ عقلك؟ لماذا أتيتِ إلى هنا؟

تلاشت حمرة الخجل فوراً لتتجسد أمام عينيه نظرة عزم مستميتة؛ رفعت رأسها وقالت بصوت مهتز لكنه حاسم:

— قلت لك… لن أتركك أبداً!

تنهد آزر بعمق، وبدت على ملامحه مسحة من ضيق خفي، ثم أكمل بجمود:

— لقد خرجتِ دون علم والدكِ أو الطائفة مجدداً، أليس كذلك؟

صمتت يوري تماماً، مطأطئة رأسها دون أن تنطق بحرف واحد يعارض حديثه.

قبض آزر على معصمها بحزم وقال بصوت قاطع:

— يجب أن تعودي فوراً، فهذا المكان خطير جداً عليكِ.

حاول أن يحركها، لكنها زرعت قدميها في الأرض كأنها جزء من صخور الوادي، وانهارت دموعها بغزارة على وجهها الشاحب، وهي تصرخ باختناق:

— ماذا حدث لجسدك؟! لماذا تحيط الضمادات بكل شبر منك.. من رقبتك حتى أخمص قدميك؟! لم يمر سوى أيام معدودة، وتعود هكذا؟! أتريدني أن أتركك وأنت بهذه الحالة المزريّة؟! لماذا أنت قاسٍ إلى هذا الحد؟! أنا لا أريد شيئاً سوى أن أبقى معك.. أن أحميك! لماذا تصر دائماً على دفعي بعيداً وهجري من حياتك؟!

علت نبرة بكائها شيئاً فشيئاً، مخترقة جدار الليل البارد.

وتحت ضوء القمر الشاحب الذي تخلل أوراق الشجر الميتة، كشف الضوء بوضوح عن حالة جسده العاري المليء باللفافات الملطخة بالدماء.

صمت آزر قليلاً.. مستشعراً ثقل كلماتها البريئة وسط هذا العالم الموحش.

وبهدوء غير متوقع، مدّ يده وأمسك بكفها المرتجفة، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وخفيفة تحمل دفئاً هادئاً:

— تعالي معي.

قادها بخطوات بطيئة.. حتى وصلوا إلى نار الحطب الهادئة التي كانت تشوي لحم الدب. جلسا قرب لهيبها الدافئ، والتفت إليها آزر بنظرة فاحصة، ثم قال بهدوء:

— والآن.. ماذا ستفعلين؟ حين يكتشف والدك غيابك، سيعلم يقيناً أنكِ لحقتِ بي. وإن أصابكِ مكروه هنا، فسأكون أنا المسؤول الأول.

ابتسمت وسط دموعها بثبات مدهش وقالت:

— لا تقلق، لقد جئت لأجلبك معي لنعود معاً إلى الطائفة.

هز آزر رأسه ببطء، وقال بنبرة حاسمة:

— لن أعود. فتلك هي أسرع طريقة للتقدم، يجب أن أتدرب، أن أقاتل، أن أكسر حدودي.. هذا هو كل ما تبقى لي.

لم تصرخ يوري في وجهه هذه المرة، ونظرت إليه بجدية وقالت:

— إذن، لدي حل لك!

اندهش آزر وتعجب من نظرتها الواثقة.

أكملت يوري بابتسامة خفيفة:

— ألسْتَ هنا للبحث عن القتال والنمو؟ مسابقة الجبل الخارجي ستقام بعد أسبوعين من الآن! سيتقاتل فيها جميع التلاميذ الخارجيون للحصول على فرصة مقدسة للدخول إلى «بركة المدد الروحي»!

رفع آزر حاجبه بتساؤل:

— بركة المدد الروحي؟

أومأت بحماس:

— نعم! إنها بركة نادرة للغاية. كل من يدخلها يشعر وكأن آفاق عقله وجسده قد اتسعت بشكل جنوني، حيث تبدأ بالتهام طاقتها ليتكون حولك هيكل من الهالة النقية.

وكلما امتصصت أكثر، أصبح الجدار الفاصل بينك وبين المرحلة التالية أرقّ وأسهل للكسر. إنها فرصة نادرة لا تفتح أبوابها سوى مرة كل عام للمزارعين في مرحلة اليقظة أمثالنا!

تساءل آزر بعقلانية حادة:

— وكيف لا تنفد طاقتها الهائلة حتى الآن؟

أجابت يوري:

— يقال إنها تُجدّد باستمرار بفضل الشيوخ الكبار، بل وحتى زعيم الطائفة يتدخل شخصياً في تلك العملية. أما عن أصلها.. فلا أحد يعلم، فوجودها بحد ذاته سر من أسرار الأرض، لكن الشائعات تقول إن العالم مليء بمثل هذه البرك، ولهذا تبني الطوائف قواعدها قربها.

صمت آزر لبرهة.. إنها بالفعل فرصة لا تعوض. سيخوض قتالات دموية تحتدم فيها المنافسة، وربما تجبره حتى على عبور الجدار ليصل الى الذروة.

أما البركة بحد ذاتها، فهي مكسب جانبي، فهو يعلم صعوبة الظفر بالمركز الأول ضد الوحوش الذين أتموا الاستقرار أو بلغوا الذروة.

لكن.. تناهت إلى ذهنه كلمات تشو فينغ الأخيرة:

"وقريبا.. قريبا جداً.. سينزل التلاميذ الداخليون ليسحقوك."

تذكر تلميذاً داخلياً حقيقياً.. تذكر شين. لقد رأى جزءاً من قوته المرعبة، وإلى أي مدى يمكن لشخص في مرحلة التكوين أن يسحق الآخرين كالحشرات. وحتى دون استخدام طاقته الكاملة، كان آزر يعلم أنه سيتحول إلى شظايا إن واجه شخصاً بمثل ذلك المستوى.

تنهد آزر بصمت، وقال ببرود:

— لنعود..

وبعيداً عن صقيع الوادي، في أبهى قصور الجبل الداخلي..

كان تشو فينغ يقف مطأطئ الرأس باحترام أمام شاب في اواخر العشرينات يرتدي رداءً أحمر أنيقاً، يربط شعره الطويل بعناية، وبملامح حادة كالنصل.

كان ينظّر إلى تشو فينغ بنظرة باردة كادت تشق جلده رعباً.

انحنى تشو فينغ أكثر وقال بصوت مرتجف:

— أحيي الأخ الأكبر منغ.

نظر إليه منغ بنبرة متجهمة:

— إذن.. تريد مني أن أنزل لقتل مجرد فتى ضعيف في مرحلة اليقظة؟ أتهزأ بي أم أن عقلك قد مسّه الجنون أخيراً؟!

ارتجف جسد تشو فينغ، وابتلع ريقه بصعوبة بالغة قبل أن يجيب:

— لم اقصد قط الإساءة إليك يا اخي.. لكن ذلك الوغد استطاع بمهارته الملتوية أن يقتل أربعة من تلامذتنا؛ واحداً في البدء، واثنين في الاستقرار، والأخير… في الذروة!

لمح ومضة دهشة قصيرة في عيني منغ، وقال ببرود:

— يبدو أن لديه بعض الحيل.. لكن هذا لا يعني أنني سأهبط لألوث يدي بدماء نكرة.

ابتسم تشو فينغ بابتسامة ماكرة وخبيثة، ثم قال ببطء:

— أختك الصغرى… مريضة بسم الصقيع العظمي، أليس كذلك؟

توقف منغ عن الحركة تماماً. وفي جزء من الثانية، تحولت نظراته إلى وحش كاسر، وانفجرت هالة من القتل الصريح جعلت جدران الغرفة ترتجف، وقال بصوت حاد كالسيف:

— كيف.. عرفت هذا؟

أكمل تشو فينغ، وهو يواجه رعب الموت بصعوبة:

— لا يهم كيف، المهم أن لدي… «حبة تجديد النخاع والروح» من الدرجة الثانية! الدواء الوحيد القادر على تطهير جسدها بالكامل!

اتسعت عينا منغ، وكاد فكه ينخلع من صدمته الهائلة:

— كيف… كيف تملك مثل هذه الحبة الأسطورية؟!

ابتسم تشو فينغ بثقة مطلقة:

— لدي طرقي الخاصة.. ولا تنسَ من هو والدي.

ضيّق منغ عينيه بريبة:

— وهل يعلم والدك بأمر هذه الصفقة؟

رد تشو فينغ متسرعاً:

— لا تقلق، لقد أرسلت له مرسولاً خاصاً ووافق فوراً!

هدأت عاصفة منغ قليلاً، واستعاد هدوءه المميت، لينطق بنبرة تقطر دماً:

— حسناً.. ما اسم ذلك الفتى، وأين أجد جثته الآن؟

ضحك تشو فينغ بانتصار شيطاني وقال:

— اسمه آزر.. وهو يختبئ الآن في قلب وادي الأنياب!

ابتسم منغ ببرود مظلم، وقال بصوت خافت:

— إذن.. قريبًا جداً، سأعود لك برأسه على طرف سيفي، لكن.. إن تجرأتَ على إخلافك بوعدك معي..

انفجرت هالة ضاغطة من جسد منغ سقط على إثرها تشو فينغ على ركبتيه غير قادر حتى على رفع رأسه!

تمتم تشو فينغ بصعوبة بالغة ودموعه تسيل من الضغط:

— أقسم.. أقسم لك يا أخي لن أخلف بوعدي أبداً!

ابتسم منغ برضا، وألغى ضغط هالته، قائلاً:

— حسنًا.. أصدقك. غادر الآن، وحين أنزع رأسه، سألقيه إليك بنفسي.

وقف تشو فينغ مترنحاً، وانحنى باحترام مرعوب ثم غادر الغرفة بخطوات متعثرة..

بقي منغ وحيداً يقف أمام النافذة الشسيعة، ناظراً نحو الأفق البعيد حيث تغرق غابات الوادي في العتمة، ليستحضر في ذهنه وجه أخته الباهت وأنفاسها التي تذبل ببطء.. ثم همس بصوت ثقيل يقطر ببرود قاسي ومأساوي:

— «آزر.. لا عداوة بيننا، ولا ثأر يجمعني بك؛ لكن هذا العالم لا يمنح النجاة إلا لمن يسرقها من دماء الآخرين. فأنت لستَ سوى الضحية التي تُقدّم فداءً لحياتها.. لذا فلتكن نهايتك هي الثمن الذي ستشرق به شمس أختي من جديد!»