المُتَحَرِّر الفصل 42 — المُتَحَرِّر 42

اقرأ المُتَحَرِّر الفصل 42 — المُتَحَرِّر 42 باللغة العربية على مانجا تايم.

وفي مسكن تشو فينغ. كانت ظلال الشموع ترتجف على الجدران وكأنها تعكس اضطراب صاحبها المجنون.

مرّت ثلاثة أيام كاملة.. ثلاثة أيام ثقيلة.. كأنها دهور من التوجس والانتظار القاتل.

كان يذرع الغرفة ذهاباً وإياباً، بخطوات عصبية ممزقة، وعيناه المحتقنتان بالدماء تلاحقان التلميذ الواقف بوجل مرعب عند الباب.

توقف تشو فينغ فجأة.. والتفت إليه بصوت أشبه بفحيح الأفعى، يقطر غضباً مكتوماً:

— ثلاثة أيام مرت.. ثلاثة أيام كاملة! منذ أن عدت وأبلغتني أن ذلك الوغد قد خرج وحيداً نحو الوادي! فلماذا لم يعودوا حتى الآن؟! أين القائد؟! أين هيون وأين فان؟!

ابتلع التلميذ ريقه بصعوبة بالغة، وارتجف صوته وهو يحاول ترقيع مخاوفه الخاصة قبل مخاوف سيدّه:

— سي.. سيدي، أرجوك اهدأ. على الرغم من أنني رأيت رأس تشون مقطوعاً بنفسي، إلا أن… إلا أن البقية ليسوا ضعفاءً. فهيون وفان في الاستقرار، والقائد في الذروة! من المستحيل ابداً أن ينجو ذلك الفتى الضعيف منهم جميعاً.

— أعتقد.. أعتقد أنهم فقط تعثروا بقطيع ضخم من وحوش الوادي، أو أنهم أطالوا البحث في أعماق الكهوف المعتمة. لا يمكن ابداً أن يقعوا ضحية له.

تنهد تشو فينغ بعمق.. ثم مسح وجهه بيده العرِقَة، لكن شيئاً.. في صدره كان يخبره أن الحقيقة أبشع بكثير.

تذكر ذلك الوجه.. تلك الابتسامة الباردة والمريضة التي لا ينبغي ابداً أن تظهر على وجه بشري في عمره.

مسح على رقبته المرتجفة وتمتم بصوت خافت، أشبه بالهلوسة:

— آمل ذلك.. ألا يحدث مكروه.. آمل ذلك حقاً.

وفي تلك اللحظات ذاتها، في عمق وادي الأنياب حيث ينبض الرعب في هواء الغابة..

كان آزر راسماً لنفسه مأوىً ضيقاً في جوف كهفٍ مظلم ومنعزل، بعيداً عن أعين الجميع. ممدداً جسده المتعب على صخرة باردة، بينما كانت أنفاسه تحشرج ببطء مع كل حركة.

كان جسده عبارة عن ملحمة بشرية من الألم؛ خريطة متكاملة من الجروح المفتوحة والندوب التي تتشابك لتشكل درعاً من المعاناة.

لقد جلب معه من الطائفة كل ما يكفيه من إمدادات ومؤن لأسبوعين كاملين.. لكن لسوء حظه، لقد تلاشت كل تلك المؤن في غضون ثلاثة أيام معدودة.

الحقيبة الجلدية التي هرسها وأتلفها قطيع الذئب لم يتبقَ فيها سوى فتات طعام ممزوج بالدماء وبعض الضمادات الملطخة. لم يعد يملك شيئاً. لا طعام، لا مؤن، فقط جسد ينزف وإرادة تحترق ببطء..

فتح آزر عينيه. أدرك تماماً أن البقاء هنا يعني الموت جوعاً أو تعفناً. كان عليه أن يتحرك مهما كان الثمن باهظاً.

نهض ببطء.. مستنداً بكتفه الأيمن على جدار الكهف الصخري الرطب، وخطا خطواته الأولى نحو العتمة التي تسد مخرج الدهليز.

لكن، ما إن توغل قليلاً في جوف الكهف بحثاً عن مخرجٍ بديل، حتى تغير تدفق الهواء فجأة.

رائحة عفنة وثقيلة.. رائحة لحم دافئ وفراء متسخ.

توقف مكانه، وعيناه تتحركان بحذر في الظلام الدامس. وتدريجياً.. بدأت معالم الكتلة الضخمة تتضح أمامه؛ دب أسود ضخم بحجم صخرة هائلة، يغط في سبات عميق وسط عتمة الكهف.

أدرك في تلك اللحظة سخرية القدر المُرة.. هل كان محظوظاً بوجوده هنا بمعزل عن الذئاب، أم أنه الأكثر سوءاً في هذا العالم؟ فهذه الدببة البرية حين تنهض من سباتها، لا تبقي شيئاً حياً في طريقها.

تراجع آزر إلى الخلف ببطء شديد، محاولاً ألا يحدث صوتاً، حابساً أنفاسه…

لكن، في قسوة الظلام، ودون أن يرى.. داس بقدمه على جذع شجرة يابس وميت تحت قدميه.

قراشت!

دوى الصوت في الكهف كضربة رعد مصغرة.

وفي جزء من الثانية، انفتحت عينا الدب الهائل؛ محجران يقدحان شراً وحمرةً كالدم المشتعل!

لم يتردد آزر لثانية. استدار وانطلق هارباً نحو الخارج بأقصى سرعة تسمح بها ساقه المصابة، بينما انفجر الدب من مكانه بزلزال من الزئير الهائج الذي اهتزت له جدران الكهف الصخرية!

ركض آزر عبر الممرات الوعرة، والأشجار تتطاير من خلفه بفعل غضب الوحش الضخم. لم يكن في عقله أي خيار سوى فكرة واحدة مجنونة، فكرة متوحشة تناسب تماماً جحيم هذا الوادي!

قطع المسافات الباعثة على الموت، حتى وصل إلى ساحة المذبحة القديمة حيث تقاتل مع التلاميذ قبل أيام. ولم يجد هناك… سوى خمسة ذئاب ضخمة ضالة، تتشمم بقايا العظام المبعثرة.

وما إن ظهر آزر يركض كالمجنون وخلفه الدب الهائل الذي يهز الأرض، حتى تجمدت الذئاب في أماكنها.

زأر الدب بعنف، وارتجفت الذئاب رعباً، لكنه لم يتوقف، بل انقض عليها كالطوفان.

اشتعلت معركة دموية شرسة في قلب الغابة؛ الذئاب تنهش فخذي الدب بمخالبها الحادة، والدب يمزق أحشاءها بأنيابه الفولاذية ويطحن جماجمها الواحدة تلو الأخرى وسط صرخات وأصوات طقطقة العظام.

وفي النهاية.. انتصر الدب. وقف الوحش الهائل منتفضاً وسط دماء الذئاب، جروحه تنزف بغزارة، وعيناه تقدحان حقداً أعمى.

ومع ذلك، وبإصرار شيطاني لا يتوقف، وجد هدفه الأصلي الواقف على مسافة قريبة، ليتابع مطاردة آزر من جديد!

أكمل آزر ركضه المحموم، أنفاسه تحشرج في صدره كزجاج مكسور، والدم الساخن يغطي وجهه.

وعند منحدر صخري ضيق، لمعت أمامه ومضات حركة خفيفة. توقف لثانية.. فرأى تلميذتين من الطائفة ترتجفان هلعاً.

وما إن التفتتا لتريا من يظهر من خلف الضباب، حتى انقبض قلبهما وتجمد الدم في عروقهما. لقد تعرفتا عليه فوراً؛ فمن ينسى وجه ذلك الفتى المجنون الذي دخل قاعة الدرس حاملاً رأسين؟

انطلقت الفتاتان تصرخان بذعر وتجريان بلا هدير!

أما آزر، وبمجرد أن رصدهما، استطاع بحواسه الحادة أن يستشف من هالتيهما أنهما في مرحلة البدأ. أضعف بكثير من أن تمثلا أي تهديد حقيقي، مجرد طرائد هشة تتخبط في طريق الوحوش. انطلق نحوهم بأقصى سرعة.

واستغل الفرصة حين تعثرت إحدى الفتاتين وسقطت على الأرض ترتجف باكية.

وبدون أدنى تردد، وبحركة واحدة ناعمة كالحرير..

قطع!

فصل رأسها عن جسدها في لمح البصر، لتتطاير الدموع والدماء معاً في الهواء…

أما الفتاة الثانية، فواصلت الركض بجنون، تبكي بانهيار وصراخها يمزق سكون الوادي، بينما كان صوت الدب الهائج خلفهم يحطم الأشجار، وصوت طقطقة عظام رفيقتها الممزقة يتردد صداه!

ركضت الفتاة حتى وصلت إلى حافة جرف شاهق لا مفر منه. توقفت وهي تلهث، والتفتت للخلف برعب خالص… لترى آزر يقف على مقربة منها، جسده الملطخ بالدماء ووجهه الشاحب ينظر اليها بلا أي تعابير.

توقف آزر فجأة.. شعر بهالة خفيفة.. نية قتل طفيفة تختبئ خلف الصخور المجاورة!

ابتسامة قاسية، باردة، علت شفتيه. اقترب منها ببطء شديد، متجاهلاً دموعها ورعبها المطلق..

صرخت الفتاة بجنون وهي تتراجع نحو الحافة:

— لا.. لا تقترب مني!!

لكن آزر تجاوزها. وبحركة سريعة ومباغتة، أمسك يدها بقوة وأبعدها عن حافة الجرف السحيق، ثم رفع حافة نصله وأسنده ببرود على رقبتها الناعمة.

ثم قال بصوت هادئ يحمل سخرية لا توصف:

— ألم يحن الوقت بعد لتتدخل أيها البطل؟ إن لم تظهر الآن.. أخشى أنها ستموت من قبلي، قبل أن تلتهمها أنياب الدب!

لم يجبه أحد… لكن آزر شعر بنية القتل تتضاعف وتشتد في الهواء.

ابتسم أكثر، وبحركة متوحشة، بدأ يمزق ثوبها بيديه الباردتين!

صرخت الفتاة بانهيار وهستيريا تفطر القلوب، بينما كان قماش ثوبها يتقطع عنها شيئاً فشيئاً حتى كادت تكشف بالكامل ولم يتبقَ لها… سوى سترات رثة.

وحينها.. لم يتحمل الشاب المخفي أكثر من ذلك!

قفز من خلف الصخور الكبيرة بغضب يغلي كالبركان، وصرخ بصوت هز الجبل:

— إياك ولمسها يا ابن العاهرة!

شعر آزر بهالته فوراً؛ إنه في الذروة، وأحد أولئك الثلاثة الذين رآهم آزر مراراً في الطائفة من قبل!

نظرت الفتاة إليه بدموع تفطر القلب، وصرخت مستنجدة بصوت ممزق:

— آرون! انقذنييي!!

ابتسم آزر ببرود، وأبعد نصله عن رقبة الفتاة، ثم نظر إلى الشاب وقال بلهجة هادئة لا تنتمي لعالم البشر:

— حسنًا.. سأتركها لك. لكن لدي شرط واحد: ستتقاتل مع هذا الدب الجريح هنا، وفقط إن قتلته.. سأترككما تمضيان في حال سبيلكما.

صك آرون على أسنانه بغيظ طاغٍ، وصرخ بانفعال:

— وكيف لي أن أثق بكلمة حثالة مثلك؟!

شخر آزر ببرود.. ثم نظر إليه بنظرة حادة كالجليد، وقال بصوته الهادئ المرعب:

— ليس لديك خيار آخر. أنا مصاب بالفعل، وفي مرتبة أدنى منك، بينما أنت في الذروة.. أتخاف من ضعيف مصاب مثلي؟

فكر آرون سريعاً، ورمق الدب الضخم الجريح الذي اقترب بخطوات ثقيلة تنذر بالموت..

وقبل أن ينطق بحرف واحد، انقض الدب عليه بغضب جارف!

بدأت معركة شرسة وطاحنة! الدب المصاب يقاتل بيأس وبراعة، بمخالبه القاتلة وفمه الملطخ بالدماء، وآرون يستخدم تقنياته القوية للتهرب والضرب بسيفه الحاد.

كانت الأجواء تضج بأصوات الزئير وهدير الصرخات العاتية، والدماء تتطاير في كل اتجاه.

وفي النهاية.. وبعد صراع مرير ومضنٍ نزف فيه آرون كثيراً، نجح أخيراً في غرس سيفه بعمق في قلب الدب، ليسقط الوحش الهائل صريعاً على الأرض، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة.

تنفس آرون الصعداء، واهتز جسده من شدة التعب والإصابات البالغة. ثم التفت نحو آزر وعيناه تقدحان حقداً أعمى.

لكن آزر بادره بابتسامة هادئة ومسالمة، ثم قال:

— أحسنت صنعاً. الآن.. اقترب، خذ فتاتك ودعني اهرب بعيداً.

تردد آرون للحظة.. شكوكة تملأ صدره، لكنه عندما نظر إلى الفتاة؛ إلى وجهها الرقيق الناعم ومنحنيات جسدها المكشوفة المرتجفة من البرد والرهبة، غلبته غريزته.

اقترب منها بلهفة، وما إن وصل إليها… حتى اندفعت الفتاة باكية ودفنت رأسها بقوة في صدره الباحث عن الأمان.

وفي تلك اللحظة بالضبط.. اخترق نصل آزر ظهر الفتاة، واستمر بحدة وقوة ليمزق صدر آرون من الخلف إلى الأمام!

اتسعت عينا آرون في صدمة مطلقة، والدم الحار يتصاعد من فمه… ثم حاول بوهج غضب أعمى أن يوجه ضربة أخيرة لآزر..

لكن آزر كان أسرع. بصوت هامس وميت قال:

— الخطوة الأولى..

انزلق آزر كقطرة ماء على نصله، واختفى من أمامه تماماً ليظهر خلفه في جزء من الثانية… حتى غرس خنجراً سطحياً مخبأً خلف ظهره بعمق في جمجمة الشاب!

ترنح آرون، وسقطت الجثتان معاً على التراب البارد، تتشابك دماؤهما.. في بركة حمراء واحدة.

ترك آزر الجثتين وتقدم بثبات نحو جثة الدب الهامد، ثم بدأ يشق جلده بهدوء.. ليقتطع ما يمكن حمله من لحم لطاقته المنهكة.

حتى استدار أخيراً ومضى في طريقه تاركاً وراءه أثراً وحشياً من الدم والدخان..

وفي مكان آخر.. حيث يمتد السواد المطلق ويمتلئ المكان برائحة الموت الخالص والفراغ السحيق.

كان رجل يسير ببطء وثبات، وبجانبه رجل عجوز يرتدي رداءً أبيض ناصعاً يتناقض بشكل مرعب مع ظلمة المكان…

قطع العجوز صمت الفراغ بصوت أجش وخافت:

— لماذا تتعب نفسك بجلب هؤلاء الاثنين معنا؟ إنهم يعيقوننا حقاً في القتال والمسير..

صمت الرجل لفترة طويلة.. ممعناً النظر في الظلام أمامه، قبل أن يرد بصوت هادئ وثقيل:

— هؤلاء مهمون جداً.. فذلك الشاب الذي سيموت قريباً.. هو مفتاح للميراث.

توقف العجوز للحظة.. وبدت على وجهه علامات الدهشة المختلطة بالشك، ليقاطعه:

— كيف عرفت؟!

أجاب الرجل بثقة جليدية:

— لقد كان يسمع الأصوات.. بل.. لقد رأى الباب بنفسه.

صمت الرجل العجوز قليلاً، وابتسم بابتسامة خبيثة ومبهمة، ثم سأل:

— إذن.. ماذا عن الفتاة؟

نظر إليه الرجل نظرة عميقة، وقال:

— لم يقتلها الطريق.. لذلك فقط أود معرفة السبب.

سكت العجوز للحظة.. وكأن الكلمات تتقاطع في صدره، ثم عاد ليسأل:

— كم بقى من الوقت إذن؟

التفت إليه الرجل، ورمقه بنظرة نافذة، ثم قال بصوت حاسم:

— هل أحضرتها؟

ابتسم العجوز بثقة مطلقة، وقال:

— بالطبع!

أخرج العجوز يده من تحت ردائه الأبيض، وأرخى أصابعه.. ليري الرجل قطعة خشبية عتيقة، بداخلها دائرة غير مكتملة تتوهج ببريق خافت وسط العتمة..

ابتسم الرجل ابتسامة واسعة وغامضة، ثم قال في هدوء تام:

— ما علينا الآن سوى الانتظار..