في صباح اليوم التالي، عبر آزر بوابات الطائفة بخطوات ثابتة وصامتة، وكأن الأرض تحته لا تخصه ولا تعنيه. ولم تكن برودة وادي الأنياب المظلمة قد فارقت بعد طبقات جلده العميقة، بل ظلت حية في عروقه وسائحة في مسامه كذكرى دموية لقسوة البقاء ومصارعة الموت.
توجه مباشرة إلى مسكنه الخارجي الضيق، حيث ألقى بنفسه تحت مياه باردة جاهدت لتغسل عنه الدماء المتجمدة والتراب ورائحة الوحوش المفترسة، قبل أن يشدّ حزامه الجلدي بقسوة بالغة حول ضلوعه ليثبتها في مكانها ويمنعها من الوخز مع كل شهيق وزفير.
ارتدى ردائه الأزرق المعتاد، وخرج عازماً على بلوغ مسكن الشيوخ دون أي التفات للخلف، متجاهلاً الأعين المرتجفة التي بدأت تراقبه من بعيد.
لكن ما إن تجاوز الممر الحجري الضيق المؤدي مباشرة إلى ساحة التدريب، حتى انشق هواء المكان فجأة بتيار ضاغط ومفترس جعل الأجواء تثقل بشكل مرعب، وكأن جبلاً من الحديد الصلب قد هوى فجأة فوق صدور الجميع!
توقف التلاميذ الواقفون في الأرجاء عن الحركة تماماً، وارتجفت عيونهم رعباً وهم يفسحون الطريق بذعر حقيقي، مطأطئي الرأس دون أي جرأة على رفع الأبصار أو حتى التنفس بصوت عالٍ.
ومن بين ظلال الممر، برز شاب يرتدي رداءً أحمر قانياً وأنيقاً، تحيط به هالة من الكبرياء المطلق والتعجرف الذي لا يرحم. بشرته بيضاء نقية تكاد تشف عن عروقه الزرقاء، وملامحه حادة كشفرة سيف مصقولة حديثاً، تنضح برائحة التفوق والازدراء لكل ما هو دونه.
همس آزر:
— تلميذ داخلي
وفي اللحظة التي التقت فيها نظراتهما، اندفعت هالة ساحقة، ثقيلة، ومخيفة كالأمواج العاتية من جسد التلميذ الداخلي، محاولة إجبار ركبتي آزر عنوة على الانحناء وسط الساحة أمام الجميع. ضغط التيار الهوائي الكثيف على كتفيه كأنه يحمله أطنانًا من الصخور المعلقة في جوف السماء!
صكّ آزر على أسنانه بقوة مرعبة حتى تفجرت الدموع المريرة من زوايا عينيه وتطاير الدم الحار من لثته الممزقة، لكن عموده الفقري ظل مشدوداً كوتر قوس حربي، رافضاً الخضوع أو الانكسار مهما كان الثمن! كانت عيناه الباردتان تثبتان في وجه الشاب بندية مظلمة ترفض الانقياد للتراب.
تأمل الشاب صموده لبرهة بابتسامة ساخرة تشوبها الدهشة الباردة، غير مصدق أن تلميذاً في مرحلة اليقظة يمتلك هذه الصلابة الفارغة أمام هالته كفرد في مرحلة التكوين.
تقدم بخطوات بطيئة ومتعجرفة، تصدر عن حذائه أصوات متعالية ومتعجرفة فوق الحجارة. وقبل أن يدرك آزر مسار الحركة أو يحاول تفاديها، هبطت ضربة غاشمة ومدمرة بقدم الشاب مباشرة في وجهه!
دوى صوت الاصطدام الجاف في أرجاء الساحة كصرخة رعد قريبة، وتطاير رذاذ الدم في الهواء الداكن بينما سقط آزر على جانبه فوق الحجارة الباردة.
ثم قال الشاب بصوت فخور يقطر احتقاراً مقموعاً:
— أنت مجرد حشرة دنيئة في اليقظة، وتجرؤ على مقاومة هالتي؟
لم يجب آزر، ولم يصدر عنه أي صوت، ظل وجهه خالياً تماماً من التعابير، وكأن الألم يخص جسداً غريباً لا يملكه.
لكن الشاب لم يكتفِ بذلك الاستعراض؛ فقد عاد ليهبط بضربة وحشية أخرى بقدمه على صدر آزر، مسمعاً صوتاً مرعباً لتحطم الضلوع المتصدعة. سعل آزر دماءً داكنة تلطخت بها الحجارة النقية، ومع ذلك رفع عيناه الباردتان.. لينظر مباشرة في عيني الشاب بلا خوف ولا استجداء، نظرة كانت أثقل وأقسى من كل أهوال العالم.
شعر الشاب ببرودة تسري في ظهره رغم غروره، فاستشاط غضباً وأمسكه من ردائه بعنف شديد، ثم رفعه عن الأرض كمن يرفع جثة هامدة، والتفت للخلف، ثم صرخ بصوت مسموع هز أركان المكان كله وأثار فزع الحاضرين:
— «تشو فينغ.. تقدم إلى هنا!»