المُتَحَرِّر الفصل 3 — المُتَحَرِّر 3

اقرأ المُتَحَرِّر الفصل 3 — المُتَحَرِّر 3 باللغة العربية على مانجا تايم.

« وجدني مرة أخرى .»

خرجت الكلمات من فم ريو خافتة، لكنها بددت ما بقي من هدوء الصباح، ولم يقترب أحد من الشجرة.

حتى كايو، الذي كان أسرع أهل القرية إلى لمس ما لا يعرفه، أبقى قدميه حيث هما.

وقف آزر أمام الجذع المشقوق، يتأمل الدائرة السوداء الصغيرة في قلب القطع. لم تكن محفورة، ولم يكن حولها أثر شفرة ولا احتراق ولا تشقق.

بدت كأنها جزء من الخشب منذ أن كانت الشجرة بذرة.

قال رين:

— قلت إنه وجدك، ما معنى ذلك؟

لم يجب ريو، اقترب خطوة واحدة، وفور أن وطئت قدمه التراب المحيط بالشجرة، شهق من الألم وانحنى واضعًا يده على جرحه.

أسرع رين نحوه:

— لا تتحرك.

لكن امرأة سبقت الجميع، كانت نيرة، معالجة القرية، في أوائل الأربعينيات، نحيلة الجسد، متوسطة الطول، شعرها الأسود مجموع خلف رأسها وقد شقته خصلة رمادية واضحة فوق صدغها الأيسر.

وجهها هادئ على نحو يوحي بالقسوة لمن لا يعرفها، وعيناها ضيقتان شديدتا الانتباه.

جلست إلى جوار ريو وأبعدت يده عن الجرح.

— افتح ثوبك.

قال ريو:

— أنا بخير.

رفعت عينيها إليه. الجفون لم ترتجف، والصوت جاء جافًا:

— هذه الجملة يقولها الرجال عادةً قبل أن يفقدوا وعيهم.

لم يتحرك، فأضافت:

— إن كنت تريد الموت، فانتظر حتى أفرغ منك، لا أحب أن يموت مرضاي قبل أن أعرف سبب فشلي.

نظر إليها ريو لحظة، ثم أرخى يده.

فحصت الضماد، وضغطت قرب الجرح، وتصلب فكه.

قالت بصوت منخفض:

— النزف عاد.

سأل رين:

— بسبب الحركة؟

لم تجب مباشرة، رفعت طرف الضماد قليلاً، ثم قطبت حاجبيها:

— ربما.

قال ريو:

— ماذا رأيت؟

أعادت الضماد إلى مكانه:

— شيئًا لا يعجبني.

— ماذا؟

— حين أعرف، أخبرك.

تدخل كايو:

— ألن تخبرينا الآن؟

نظرت ميرا إليه، الصوت لم يرتفع، لكنه جاء حادًا:

— المعرفة الناقصة أشد خطرًا من الجهل أحيانًا.

قال آزر:

— لكنها تظل أقرب إلى الحقيقة.

التفتت إليه:

— ليس دائمًا.

— كيف؟

قالت، وأشارت إلى الغابة خلفها:

— إذا رأيت أثر قدم أمام بيتك، فقد تعرف أن أحدًا مر من هنا، لكن إن قررت من الأثر وحده أنه لص، ثم خرجت بسكينك، فقد تقتل رجلاً جاء ليحذرك من اللص.

الحقيقة لا تكتمل بكثرة ما تعرف، بل بقدر ما تعرف أين ينتهي علمك.

تأملها آزر، كانت إجابة جيدة، ولهذا لم يحاول الاعتراض عليها.

بعد أن مرّ بالموقف، فهم أن الجواب الناقص قد يكون أخطر من الصمت نفسه، وأن من يسعى إلى الحقيقة يحتاج أن يعرف حدود ما يملكه قبل أن يبني عليه أي قرار.

انتشر الخبر في القرية أسرع من انتشار الدخان، ولم تمضِ ساعة حتى تجمع الناس على مسافة من الشجرة.

كلمات متقطعة: لعنة. وحش. ساحر. عقاب. وكان كل واحد يملأ جهله بالكلمة التي يخشاها أكثر.

وقف آزر جانبًا يستمع، ووجد الأمر غريبًا، لم يعرف أحد ما الدائرة، ومع ذلك كان لكل واحد منهم تفسير.

ربما كان الإنسان يخشى الفراغ في عقله أكثر مما يخشى الخطأ، ولهذا يفضل جوابًا سيئًا على سؤال مفتوح.

جاء رجل مسن من بين البيوت، وتنحى الناس من طريقه.

كان سورا، أكبر رجال القرية سنًا. تجاوز السبعين، لكنه ظل مستقيم الظهر، نحيل الجسد، طويل الذراعين. شعره الأبيض قصير، ولحيته رقيقة مهذبة، ووجهه مليء بالتجاعيد الدقيقة، غير أن عينيه لم تحملا ضعف الشيخوخة؛ كانتا حادتين ثابتتين، لا تتحركان إلا بعد أن يفرغ صاحبهما من التفكير.

عرف آزر سورا منذ طفولته، وكان هناك شيء واحد يميزه عن بقية الشيوخ: لم يكن يحب الحديث عن الماضي.

اقترب سورا من الشجرة، ونظر إلى الانشقاق، ثم إلى الدائرة، ولم يتغير وجهه.

لكن آزر رأى يده اليمنى تنقبض مرة واحدة.

قال:

— غطوها.

رفع رين رأسه:

— ماذا؟

— قلت غطوها.

نظر ريو إلى الشيخ، ولمعت عيناه:

— أنت تعرفها.

ساد الصمت، لم يلتفت سورا إليه.

قال مجددًا:

— قلت غطوها.

هذه المرة تكلم آزر:

— لماذا؟

نظر إليه الشيخ:

— لأنني قلت ذلك.

— هذا ليس سببًا.

قال رين محذرًا:

— آزر.

لكن سورا رفع يده، ثم نظر إلى الصبي طويلاً:

— أنت تريد سببًا لكل شيء، أليس كذلك؟

— نعم.

— ستتعب.

— ربما.

اقترب سورا منه:

— وستتسبب في تعب غيرك.

لم يتراجع آزر، وقال بعد أن واجه الضغط:

— إذا كان السؤال يؤذي الحقيقة، فربما المشكلة ليست في السؤال.

للحظة، ظن بعض الواقفين أن الشيخ سيغضب، ولكنه لم يفعل، أشار بعصاه إلى الدائرة:

— بعض الأبواب أغلقت لأن الذين فتحوها أول مرة لم يبقَ منهم أحد ليخبرنا بما كان وراءها.

الفضول فضيلة حين يقودك إلى الفهم، ويصبح حماقة حين تقيس عمق البئر بجسدك.

قال آزر:

— لكن إن لم ينزل أحد، فلن نعرف عمقها.

رد سورا:

— صحيح.

ثم أضاف، بعد أن مرّ الحوار كله:

— ولهذا يموت بعض الناس كي يعرف الآخرون أين لا يقفون.

لم ينتصر أحد في الحوار، ولسبب ما، أعجب ذلك آزر.

بعد المواجهة، رأى أن الحكمة الحقيقية لا تُلقى جاهزة، بل تخرج تحت الضغط، وأن من يعتمد على نفسه وحده يستطيع أن يقف أمام شيخ القرية دون أن ينحني.

قال ريو:

— رأيت هذه العلامة من قبل.

التفتت الرؤوس إليه.

لكن سورا قال فورًا:

— لا تكمل.

ضحك ريو ضحكة خافتة:

— إذن أنت تعرفها فعلاً.

تحرك شيء في نظرة الشيخ:

— أعرف ما يكفي لأرغب في ألا أعرف المزيد.

قال ريو:

— تلك جملة رجل عرف أكثر مما ينبغي.

أجابه سورا:

— وأنت تبدو كرجل لم يتعلم منها.

ساد بين الرجلين صمت لم يفهمه أحد.

كان ريو أول من قطعه:

— العلامة التي رأيتها لم تكن هكذا تمامًا.

اقترب كايو:

— ما الفرق؟

نظر ريو إلى الدائرة، ثم أشار إلى انحناءة صغيرة عند أسفلها.

لم يلاحظها آزر من قبل، كانت الدائرة غير مكتملة، فجوة دقيقة قطعت محيطها.

قال ريو:

— التي رأيتها كانت الفجوة في الأعلى.

قال رين:

— وماذا يعني ذلك؟

— لا أعرف.

عبس كايو:

— منذ جئت وأنت تقول «لا أعرف» كثيرًا.

نظر إليه ريو:

— لأنني أعرف ما يكفي لأخاف من الكذب على نفسي.

الرجل الذي يقول «لا أعلم» يقف أمام باب، والذي يختلق الإجابة يبني جدارًا، ثم يقنع نفسه أن خلفه لا يوجد شيء.

ابتسم كايو:

— أفضل الأبواب.

رفع ريو حاجبه:

— ماذا؟

قال كايو:

— يمكن فتحها.

راقبه ريو لحظة، ثم سأله:

— تحب القوة؟

أجاب كايو:

— أحب ألا أكون عاجزًا.

— بالنسبة إليّ هو الشيء نفسه.

ظل ريو صامتًا، ثم قال:

— هل فقدت أحدًا؟

اختفت ابتسامة كايو، لم يجب، ولم يضغط ريو عليه.

غطوا الحجر، وكان قرارًا مؤقتًا ولم يرضِ أحدًا.

سورا أراد دفنه نهائيًا، ريو أراد فتحه، كايو أراد ان ينتهوا.

ميرا أرادت أن تفهم جرح ريو أولاً.

ورين أراد شيئًا أبسط من ذلك كله: أن تمر الليلة دون أن يموت أحد.

أما آزر فلم يكن يعرف بعد ماذا يريد، وكان ذلك يزعجه أكثر مما توقع.

المثير للدهشة أن كايو ظل يسمع صوت مثل الطرق من تلك الشجرة وبالأخص ذلك الحجر.

بعد الغروب خلت الساحة، وأغلقت البيوت أبكر من المعتاد.

لم يعد أحد يقترب من الشجرة، لكن آزر بقي مستيقظًا، لم يكن يفكر في الحجر وحده.

كان يفكر في كايو، لأول مرة رأى أمامه إنسانًا يملك قدرة لا يملكها هو.

لم يشعر بالغيرة، ولم يرَ في الأمر نقصًا، ربما كانت الحقيقة واسعة إلى درجة أن شخصًا واحدًا لا يستطيع رؤيتها كلها.

ربما لهذا يختلف الناس؛ كل واحد يطل عليها من شق مختلف، لكن المشكلة أن الإنسان كثيرًا ما يظن أن الشق الذي ينظر منه هو العالم كله.

في بيت ريو كانت ميرا تغير الضماد.

جلس كايو قرب الباب، ولم يكن قد عاد إلى منزله.

قالت ميرا:

— لماذا ما زلت هنا؟

— لا أعرف.

— كاذب.

ابتسم:

— الصوت.

رفعت رأسها:

— ما زلت تسمعه؟

— لا.

أنهت ربط الضماد.

قال ريو:

— اجلس.

نظر إليه كايو:

— أنا جالس.

— أقرب.

تحرك الشاب، وحدق ريو في عينيه، ثم قال:

— إن أخبرتك أن ما سمعته قد يعني أنك موهوب، ماذا ستفعل؟

فكر كايو لحظة، ثم قال:

— سأصبح أقوى.

— بسرعة؟

— بقدر ما أستطيع.

— لماذا؟

ظل صامتًا، وسأله ريو:

— ألأنك تريد المجد؟

— لا.

— المال؟

— لا.

— أن يخافك الناس؟

ضحك كايو:

— لا أهتم.

— إذن لماذا؟

اختفت الضحكة، وقال بعد أن خرج الضغط:

— حين كنت في الثانية عشرة، أخذ النهر أخي، وكنت أقف على الضفة.

كان قريبًا مني… قريبًا إلى درجة أنني كنت أسمع صوته، وبعيدًا إلى درجة أنني لم أستطع فعل شيء.

سأله ريو:

— ولهذا تريد القوة؟

— نعم.

— كي لا يموت أحد أمامك؟

رفع كايو رأسه:

— لا، لن أقول شيئًا غبيًا كهذا.

الناس سيموتون سواء أعجبني ذلك أم لا، أنا فقط لا أريد أن يكون عجزي هو السبب.

ظل ريو يحدق فيه، ثم قال:

— هذه إجابة أفضل مما توقعت.

قال كايو:

— وأنت؟ لماذا أصبحت قويًا؟

لم يجب ريو مباشرة.

مر وقت طويل.

ثم قال، ناظرًا إلى السماء السوداء وراء النافذة:

— كنت أريد ألا أخاف.

أصبحت أقوى… واكتشفت أشياء أكثر تستحق الخوف.

في الخارج، كان سورا واقفًا وحده أمام المكان الذي دفنوا فيه الحجر.

لم يره أحد، وأخرج من داخل ثوبه شيئًا صغيرًا: قطعة خشبية قديمة، على سطحها دائرة، وفي أعلاها فجوة صغيرة.

العلامة التي قال ريو إنه رآها من قبل.

قلبها الشيخ بين أصابعه.

كان يحملها منذ أكثر من خمسين عامًا، ومنذ خمسين عامًا لم يُرها لأحد.

همس:

— قلت إنك لن تعود.

لم يجبه أحد، ثم جاء الصوت: طَق .

تجمد الشيخ، ولم يأتِ الصوت من الحفرة.

طَق .

رفع رأسه ببطء.

طَق .

هذه المرة عرف مصدره.

لم يكن تحت الأرض، بل من داخل القطعة الخشبية في يده.

شحبت ملامحه، ولأول مرة منذ كان طفلاً، لم يعرف سورا ماذا يفعل.

انفتحت الدائرة المحفورة على الخشب، لا كشق، ولا ككسر، بل كعين سوداء صغيرة، وفي أعماقها ظهر ضوء أبيض بعيد، كأنه نجم يُرى من قاع بئر.

ترك سورا القطعة تسقط، لكنه لم يهرب، وظل واقفًا أمامها.

ولأول مرة منذ خمسين عامًا، قال اسمًا لم يسمعه أحد في القرية قط:

— يوهان .

ارتعش الضوء، ثم انطفأ، وعادت القطعة مجرد خشب.

وقف سورا وحده في الظلام، وحدق فيها طويلاً، ثم همس:

— إن كنت حيًا… فلماذا أرسلته إلى هنا؟

وفي بيت بعيد، فتح ريو عينيه فجأة، كان كايو قد غادر قبل لحظات.

جلس ريو على فراشه، وكان هناك شيء مختلف، لم يكن في الجرح، ولا في جسده.

كان في القرية.

أصغى، ثم قال بصوت خافت:

— لا…

في الخارج توقف كايو، كان قد سمعها. رفع رأسه، ولم يكن الصوت هذه المرة من الحجر، ولا من الأرض، بل من جهة بيت سورا. ثم سمع الطرق: مرة، اثنتان، ثلاث، توقف طويل، ثم الرابعة . فتح كايو عينيه.

وفي الجهة الأخرى من القرية،

استيقظ آزر في اللحظة نفسها.

لم يسمع الطرق، لكنه رأى شيئًا من نافذته.

في الظلام، تحت الشجرة القديمة، كانت الدائرة السوداء قد تغيرت.

لم تعد الفجوة في الأسفل، ولم تعد في الأعلى. كانت الآن في الجانب.

وظلت مفتوحة..