المُتَحَرِّر الفصل 39 — المُتَحَرِّر 39

اقرأ المُتَحَرِّر الفصل 39 — المُتَحَرِّر 39 باللغة العربية على مانجا تايم.

وفي جوف الليل، حيث ابتلع الظلام بقايا اليوم وغطت السحب الباردة وجه القمر، كان هواء الساحة الخلفية ثقيلًا ومحمّلًا برائحة الصنوبر وندى الحجارة.

وقف لاو ويداه معقودتان خلف ظهره، يتأمل الفتى الذي يقف أمامه بملامح لا تُقرأ، وكأنها قد نُحتت من الجليد نفسه.

كسر لاو سكون الليل بصوت هادئ ولكنه حازم:

— كما ذكرت لك مسبقًا يا آزر، أهم ثلاث ركائز لأي مزارع كي يصعد في هذا العالم هي: الموهبة، السيطرة، والسعة.

—لقد اختبرت موهبتك، وأثبتَّ ايضا للجميع أن سيطرتك سيئة. لكني لم أخبرك شيئًا عن السعة. وذلك لأنك… لم تكن مستعدًا لإدراك حقيقتها.

ضيق آزر عينيه قليلًا. لم يتحرك منه سوى صدره الذي يعلو ويهبط بانتظام بطيء، منتظرًا بصمت..

أشار لاو بإصبعه نحو منتصف بطن آزر، أسفل السرة بقليل:

— هنا يكمن ما نسميه "بوعاء المدد". في مرحلة اليقظة، هذا الوعاء يكون ضيقًا بطبيعته، لذا لا يستطيع المزارعون استيعاب سوى القليل من المدد الروحي. وحتى أولئك الذين يمتلكون أساسًا ممتازًا، أقصى ما يمكن لوعائهم أن يتحمله في دورة الامتصاص الواحدة هو خمسة خيوط من المدد.

سكت لاو للحظة.. وبدت الكلمات التالية وكأنها تنسحب من حلقه بصعوبة، ثم التقت عيناه بعيني آزر المظلمتين:

— أما أنت… فحدك الأقصى هو خيط واحد فقط.

تجمد الهواء بينهما. لم تتغير ملامح آزر، ولم ترمش عيناه، لكن برودة خفية تسللت إلى صدره كإبرة جليدية.

تابع لاو بنبرة حملت أسفًا حقيقيًا، غير معتادة من شيخ مثله:

— خيط واحد في كل دورة، هذا يعني أن وعاءك شبه مشلول.

— فالفرق بينك وبينهم لا يبدو كارثيًا الآن لأنكم جميعًا في البداية، ولكن عندما تصلون إلى مرحلة التكوين، حيث يُبنى الأساس الحقيقي للطاقة ويحتاج الجسد لسيول من المدد… ستُسحق يا آزر!

— والفجوة بينك وبينهم ستصبح كالسماء والأرض. — لذا بصراحة يا فتى… مستقبلك في درب الزراعة قاتم، بل هو طريق مسدود.

صمت آزر. كانت الكلمات كحكم إعدام يُتلى على مسمعه ببطء. ولكن عقله كان يعمل بسرعة مذهلة، يحلل المعطيات، ويزن الخسائر بعيدًا عن أي عاطفة.

تنهد لاو.. واقترب خطوة، مخففًا من حدة صوته:

— لقد جلبتك الليلة لأقترح عليك دربًا آخر. طريق المزارعين معبّد بالدماء، وأنت تمتلك عقلًا حادًا كشفرة، وأنا لا أريد لهذه الحدة أن تنكسر هباءً.

— لذا أقترح عليك أن تترك فنون القتال، وتصبح خيميائيًا.

— خيميائي؟

خرجت الكلمة من شفتي آزر باهتة، كالصدى البعيد.

أومأ لاو: — نعم، صانع إكسير وحبوب. الخيميائيون في هذا العالم يصنعون أدوية تعالج الأمراض، أو سمومًا تقتل بصمت.

— والخبراء منهم، ممن يتعمقون في أسرار الداو العظيم، قادرون على صنع حبوب أسطورية يمكنها رفع مستوى المزارع طبقة كاملة، أو حتى.. إطالة العمر!

— إنها مهنة نبيلة، محترمة، تحني لها الطوائف رؤوسها، والأهم… أنها آمنة.

صمت لاو قليلًا.. ثم أضاف بنبرة أبوية دافئة، تحمل عرضًا مغريًا لأي إنسان عانى قسوة العالم:

— ابتعد عن الزراعة يا فتى. كن خيميائيًا صغيرًا. سأرعاك وأعلمك أسرار الأعشاب، وتتزوج ابنتي يوري، وتعيشان حياة هادئة تحت حمايتي… حتى ترث مكاني يومًا ما..

كان العرض مثاليًا. حياة آمنة، خالية من الموت المتربص في كل زاوية، زوجة تحبه، وسقف يحميه. ولكن… سأل آزر سؤاله الوحيد، ببرود لم يتزعزع:

— هل يوجد إكسير يمكنه توسيع وعاء المدد وتغيير موهبتي؟

أغمض لاو عينيه ونفى برأسه ببطء:

— لا أعلم، لكن لم يسمع أحد بشيء كهذا قط في عصرنا. وحتى إكسير إطالة العمر وزيادة الطبقات يُعد من الأساطير المنسية التي لا نملك لها وصفات.

ساد الصمت مجددًا.. الهواء البارد يلفح وجه آزر الشاحب.

استدار ببطء نحو مخرج الساحة، جسده يتحرك بانتظام، ثم قال بصوت خافت:

— سأفكر في الأمر.

عقد لاو حاجبيه باستغراب، وناداه بحدة طفيفة:

— آزر! لماذا تصر على سلك هذا الطريق المظلم؟ لماذا تريد أن تصبح أقوى وتقود نفسك إلى الموت المحتوم، بينما باب الحياة الآمنة مفتوح أمامك؟

توقف آزر لثانية.. لكنه لم يلتفت.

واصل السير حتى ابتلعه ظلام الممر، تاركًا لاو يتنهد بضيق متمتمًا:

— أمامك يومان فقط… فكر، وأخبرني.

كان الليل موحشًا، والسكون يغلف ممرات الطائفة الحجرية. مشى آزر ببطء.. خطواته الخفيفة لا تُصدر صوتًا، وكأنه شبح يتجول بين الأحياء.

لم يعد إلى غرفته، بل قادته قدماه إلى ساحة مهجورة تطل على حافة الجبل.

هناك، وجد صخرة كبيرة مكسوة بطبقة رقيقة من الطحالب الباردة. جلس عليها بهدوء… وأسند ذراعيه على ركبتيه، رافعًا وجهه نحو السماء.

تأمل النجوم المتناثرة في القبة السوداء اللانهائية. كانت بعيدة، باردة، ولا تبالي بصراخ الأرض.. وفي تلك العتمة. بدأ شريط ذكرياته يعرض نفسه ببطء قاتل. تذكر الطريق، تذكر تشاو… تذكر مذبحة القرية، الدماء التي لونت الجدران، عيون القرويين المليئة برعب لا يوصف. ثم… تذكر أمه.

تذكر عينيها الخاليتين من الحياة.. والموت القاسي الذي خطفها دون سبب، سوى أنهم… كانوا ضعفاء في عالم يعبد القوة.

لو قبل عرض لاو، سيعيش. سيبتسم، سيتزوج، سيشيخ ويموت بسلام. لكن… ماذا عن الحقيقة؟ ماذا عن سبب كل هذا الألم؟ هل سيتخلى عن طموحه ليصبح مجرد ظل آمن تحت جناح عجوز؟ وهل سيعيش كذبة سعيدة، ويموت دون أن يعرف لماذا؟

— أوه.. انظروا من يختبئ هنا. مزق الصوت اللزج والمليء بالحقد حبل أفكاره.

لم يتحرك آزر من مكانه، ولم ينزل عينيه عن السماء، بينما اقترب مصدر الصوت. طق… جرّ… طق… جرّ… كان صوت عكاز خشبي يضرب الأرض، يتبعه سحب قدم ثقيلة.

وفي نهاية الساحة، وقف.. تشو فينغ. كان يلهث قليلًا من المجهود، يتكئ على عكازين، وساقه اليمنى تنتهي بضمادات سميكة ملطخة بالدماء.

بدا كطائر جارح كُسر جناحه ولكنه يرفض الاعتراف بهزيمته.

— لا تظن أنك آمن أيها الوغد الجبان!

بصق تشو فينغ كلماته حين رأى تجاهل آزر التام له.

— هل تعتقد أن حماية الشيخ لاو لك ستدوم؟ سأقتلك.. سأمزقك أنت وتلك العاهرة الصغيرة التي تحتمي بها!

استمر آزر في تأمل النجوم، وهدوؤه يغذي نار تشو فينغ التي تحولت إلى صراخ هستيري:

— هل تظن أن قتلك للحارسين سيمر هكذا؟ ستجُمد كل مواردك ومهامك في الطائفة! وقريبًا، قريبًا جدًا، سينزل التلاميذ الداخليون التابعون لنا ليقضوا عليك! لن تجد حتى شبرًا تختبئ فيه.. هاهاها!

أخيرًا… أنزل آزر نظره عن السماء. ثم.. تحدث ببرود، وصوته أجوف كبئر مهجور لا يرد الصدى:

— مواردي ومهامي مجمدة بالفعل، ولولا تدخل الشيخ لاو لكنت ميتًا على أي حال. أما بالنسبة لتلاميذكم… فدعهم يأتوا. بابي مُرحب به دائمًا لأي زائر يشتهي الموت.

اغتاظ تشو فينغ من هذا الهدوء المرعب، فقبض على عكازيه بقوة.. حتى ابيضت مفاصله، وصرخ باحتقار:

— أنت… من تظن نفسك؟! أنت مجرد حشرة عالقة في مرحلة الاستقرار! موهبتك كالقمامة! أنت ضعيف، مثير للشفقة، وتعتمد على النساء لتحتمي مني! أنت حثالة البشر!

ولأول مرة… نهض آزر عن الصخرة، واستدار بالكامل.

التقطت عينا تشو فينغ نظرة آزر.. وتجمد الدم في عروقه.

لم يكن هناك غضب، ولم تكن هناك كراهية. بل ظلام… ظلام سحيق قابع في عمق هاوية لا نهاية لها، يبتلع كل ضوء، ويجرد من ينظر إليه من روحه.

ارتجف تشو فينغ لا إراديًا وتراجع خطوة بعكازه.

وفجأة… كُسر الصمت. ابتسم آزر.. ثم ضحك. كانت ضحكة خفيضة، بطيئة، لا تحمل ذرة من المرح، ضحكة شخص أدرك لتوه نكتة كونية سخيفة.

— هاهاها… أجل، أنت محق تمامًا، أنا ضعيف… أنا مثير للشفقة… أنا حثالة لا قيمة لها في هذا العالم المترامي!

بدأ آزر يتقدم بخطوات بطيئة، منتظمة، كدقات ساعة.. تحسب الوقت المتبقي لحياة خصمه:

— لكن أخبرني يا تشو فينغ… إن كنت أنا تلك الحثالة الضعيفة… فكيف تشعر وأنت تقف أمامي بعكازين خشبيين؟ كيف تشعر وأنت تتكئ على نصف جسد، مكسورًا، مهانًا، ومنزوع الكرامة بضربة واحدة من هذه الحثالة المثير للشفقة؟ إذن… من منا الذي يثير الشفقة حقًا؟

اتسعت عينا تشو فينغ رعبًا. حاول الرد، لكن الكلمات اختنقت في صدره… حين التمعت عينا آزر بنية قتل خالصة، ثقيلة كثقل الجبال!

توقف آزر على بُعد خطوات منه. ثم رفع وجهه قليلًا، وكأن الكلمات التي سيقولها ليست لتشو، بل للعالم أجمع:

— في الواقع… يجب أن أشكرك. لقد كنت أجلس هناك، أبحث عن ذريعة للراحة، وعن كذبة تبقيني إنسانًا… لكنك جئت لتذكرني بحقيقة هذا العالم البشع. لقد منحتني العذر لأحسم أمري.

تغيرت نبرة آزر. اختفى الهدوء المميت، وانفجر مكانه كبرياء شيطاني خالص، تمرد أسود لا يركع لملوك الأرض ولا يعترف بقوانين السماء:

— «ابتداءً من هذا النفسِ وصاعدًا… كلُّ مَن يقف بيني وبين غايتي، سأجعلُ من جثَّتِهِ مجرَّدَ درجةٍ في سلَّم مجدي! وإذا اعترض الوجودُ نفسه طريقي، فسأُحيلُه إلى رماد! سأَسحقُ جماجم البشر تحت قدمي، وسأُحرِقُ لوحَ القدر.. إن سوّلت له نفسه أن يكتب نهايتي! سأنتزعُ الحقيقةَ من أحشاءِ هذا العالم العَفِن… ولن أهتمَّ أدنى اهتمام… سواءٌ هلَّلتم لي كملاكٍ منتقم، أو لعنتموني كشيطانٍ رجيم!»

تراجع تشو فينغ برعب حتى اصطدم ظهره بالجدار الحجري البارد. فلم يعد يرى أمامه فتى بشريًا.. بل كيانًا يتجسد من العتمة!

تابع آزر، وعيناه تخترقان روح تشو كمسامير ملتهبة:

— تتحدث عن الأخلاق؟ عن السمعة؟ وتعايرني بالاختباء؟

استهزأ آزر بابتسامة بالغة القسوة: — الأخلاق يا وغد، ليست سوى أثواب من حرير يخيطها الجبناء لستر عورات عجزهم! إنما السمعة فهي درع واهٍ يختبئ خلفه الضعفاء أمثالك خوفًا من أنياب الحقيقة!

— وأما أنا..؟ فأنا مستعد لسلخ إنسانيتي بيدي هاتين، مستعد لارتداء الخطيئة كاملة، واعتناق اللعنة إن كان ذلك ثمنًا للوصول!

ضحك آزر بجنون: — سأنتزع تلك القمة من فك المستحيل، وسأتمرد على كل قانون.. حتى وإن كان طريقي إليها يقطر دمًا، وممشاي فيها مرصوفًا بالجثث!

لم يتحمل تشو فينغ الضغط الروحي والرعب الخالص المنبعث من الفتى أمامه. فقد توازنه وسقط على الأرض بقوة، متأوهًا من الألم، ينظر إليه… كمن ينظر إلى ملك الموت نفسه!

— أنت… أنت مجنون..!! تمتم تشو بصوت يرتجف ودموع الرعب تتجمع في عينيه.

ابتسم آزر. ابتسامة هادئة، مهذبة، ومرعبة إلى حد يفوق الوصف.

— شكرًا لك، والآن… راقبني جيدًا. فطائفتكم البائسة هذه… ليست سوى درجات سلمي الأول.

استدار آزر ببرود متأنق، تاركًا تشو فينغ يرتجف على الأرض الباردة.

لم يعد إلى مسكنه كما كان ينوي، بل غير مساره بوضوح، عائدًا نحو الساحة الخلفية… نحو لاو. فقد اتخذ قراره النهائي، ولن ينتظر يومين ليعلنه.

وبينما آزر يبتعد، تبتلعه الظلال خطوة بعد خطوة، حدق تشو فينغ في ظهره، وعيناه تفيضان برعب نقي لم يشعر به قط في حياته.

همس لنفسه، وأسنانه تصطك ببعضها في الظلام:

— هذا ليس بشرًا… هذا شيطان.. يجدر بنا قتله… قبل أن… يبتلعنا جميعًا!