المُتَحَرِّر الفصل 38 — المُتَحَرِّر 38

اقرأ المُتَحَرِّر الفصل 38 — المُتَحَرِّر 38 باللغة العربية على مانجا تايم.

بين جدران الغرفة الطبية، كان الهواء ثقيلًا برائحة الدم والدواء اللاذع.

— سأقتله!

مزق صوت تشو فينغ المبحوح صمت الغرفة. كان يجلس على السرير، وصدره يعلو ويهبط بعنف، بينما استقرت ساقه المبتورة فوق وسادة سميكة، وقد تشبعت ضماداتها البيضاء بلون قرمزي داكن لم يتوقف عن الاتساع. أما وجهه.. فلم يكن مشوهًا بالألم بقدر ما كان ملطخًا بالذل العاري.

دفع جسده محاولًا النهوض، متناسيًا في فورة غضبه نصفه المفقود. فخانته الساق التي لم تعد هناك.

سقط على الأرضية الخشبية بثقل، وراح يضرب حافة السرير بقبضته حتى أدمى مفاصله، وهو يلهث:

— سأقتله… حتى لو زحفت إليه زحفًا سأمزقه!

وبالقرب منه، وقف رجل في أواخر الخمسينيات، عريض المنكبين، يكسو الشيب شعره الأسود، وعيناه تحملان برودًا جليديًا لا يتأثر بالصراخ. كان الشيخ فينغ تشن، عمه.

تحدث بصوت خفيض، ولكنه قطع نوبة غضب الشاب كشفرة حادة:

— لن تقتله الآن.

اتسعت عينا تشو، وهو لا يزال ملقىً على الأرض، وصرخ غير مصدق:

— ماذا؟! لقد أخذ قدمي!

انحنى فينغ تشن قليلًا، والتقت عيناه بعيني ابن أخيه:

— القتل السريع رحمة لا يستحقها. لا نحتاج إلى طعنة سريعة في الظلام، يكفي أن نجعل كل نفس يتنفسه داخل هذه الطائفة جحيمًا خالصًا… حتى يعود والدك.

نقل الشيخ بصره إلى الساق المضمدة، وأضاف بنبرة أكثر قسوة:

— وفي الوقت نفسه، سنجعله يتمنى لو أنه قطع يده قبل أن يمسك بها النصل.

ضغط تشو أسنانه حتى كادت تتكسر، وبصق كلماته باحتقار:

—  ذلك الحثالة… تلك العاهرة يوري، هي من تحميه!

رفع فينغ تشن يده بحركة بطيئة لكنها آمرة.

— كفى!

ابتلع تشو بقية كلماته، ولم يكمل.

وفي الساحة الخلفية المعزولة، بعيدًا عن عيون الطائفة، كان الهواء يصفر مع كل حركة.

وقف لاو بثوب التدريب الرمادي، يراقب الفتى أمامه بنظرة فاحصة. لم يكن هذا مجرد تدريب، بل كان اختبارًا صامتًا لمدى استيعاب آزر بعد ما حدث مع تشو فينغ.

— مرة أخرى.

انطلق آزر كالسهم، انحرف بجسده محاولًا الإفلات من دفاع لاو والوصول إلى خاصرته. لكن المعلم العجوز لم يتحرك سوى نصف خطوة، وبحركة سلسة كتدفق الماء، صد الهجوم وأسقط آزر بقوة على ظهره.

— مرة أخرى.

لم ينطق آزر بحرف، نهض، ثم مسح الغبار عن ثوبه، وهاجم. سقط، نهض، وسقط مجددًا.

وفي المحاولة السابعة، تلقى ضربة دقيقة في كتفه جعلته يترنح لخطوتين إلى الوراء. استعاد توازنه بصعوبة، بينما سال خيط رفيع من الدم من زاوية فمه.

مسحه بظهر يده، وعيناه لا تزالان مثبتتين على معلمه، تشتعلان بتركيز مرعب.

قال لاو بهدوء، وهو يطوي ذراعيه:

— أنت تقاتل وكأنك حيوان محاصر، تنتظر الثغرة، ثم تلقي بكل ثقلك دفعة واحدة وهذه غريزة بقاء، وليست فنًا قتاليًا.

تقدم لاو خطوة ورفع ذراع آزر قليلًا:

— ذراعك تسبق قدميك، وزنك يميل دائمًا للأمام، وفي كل مرة تفعل ذلك، تترك نصف جسدك متاحًا للإصابة.

ظل آزر صامتًا. كان يخفي خلف ملامحه الجامدة عقلًا يحلل كل كلمة، يفككها، ويعيد بناءها.

كان بالفعل يدرك نواقصه، لكنه أراد أن يعرف إلى أي مدى سيكشف له لاو أسرار هذا العالم.

— لا أريدك أن تصبح أقوى فقط،

تابع لاو:

— أريدك أن تفهم لماذا تتحرك، فالقوة العمياء.. تكسر صاحبها.

رفع آزر عينيه المظلمتين:

— إذن، أرني كيف أتحرك.

ابتسم لاو ابتسامة خفيفة، وكأنه كان ينتظر هذا الرد:

— هذا بالضبط ما أفعله منذ ساعة.

أخرج لاو من كم ثوبه لفافة قديمة، جلدها متهالك، ووضعها على صخرة قريبة.

— اسمها « خطوات التيار المنحرف » تقنية روحية تعتمد على استغلال قوة الخصم وزخمه بدلًا من الاصطدام به، وهي تناسب أسلوبك الحالي.

اقترب آزر ببطء.. وبمجرد أن لمست أصابعه الورق الخشن، شعر بنبض خفي، وكأن.. اللفافة تتنفس. كان المدد المحيط بالكلمات كثيفًا، حيًا، ومختلفًا عن أي طاقة شعر بها من قبل.

اتسعت عيناه. لقد كانت هذه أول تقنية روحية حقيقية تقع بين يديه، ورغم العاصفة التي اجتاحت صدره، أبقى وجهه خاليًا من أي تعبير، يتظاهر بالجهل التام.

أكمل لاو:

— إن حفظت الحركات كالأبله، فلن تستفيد شيئًا، افهم النبض داخلها.

قال لاو، واستدار مغادرًا:

— الباقي عليك.

بقي آزر وحده. فتح اللفافة وتأمل الحركة الأولى. وحين حاول تطبيقها، اصطدم بجدار غير مرئي من التعقيد الروحي. فشل في المحاولة الأولى، ثم الثانية. ورغم ذلك، لم تتغير ملامحه الجامدة، ولم يتسرب الإحباط إلى عينيه. فقربه من الموت مرات عديدة علّمه.. أن الغضب كان ترف لا يملكه.

ساد وجهه سكون مخيف، وأغمض عينيه للحظة؛ يراقب مسار المدد داخل جسده، ويعيد ضبط حواسه كأداة قاتلة. ثم.. فتح عينيه وعاود التجربة ببرود مطلق.

وبعد وقت ليس بطويل، سمع وقع أقدام ثقيلة تقترب.

حارسان من الطائفة، يحملان شارات تابعة لجناح الشيخ فينغ.

ثم قال أحدهما بلهجة آمرة، وعيناه تفيضان بالاحتقار:

— آزر، لقد تخلفت عن الدرس، المعلم يطلب حضورك فورًا.

لم يرفع آزر عينيه عن اللفافة.

— أنا أتدرب.

— الدرس أهم، ستأتي معنا الآن، طوعًا أو كرهًا.

تقدم الحارس الأول ومد يده الخشنة ليقبض على كتف آزر.

وفي تلك اللحظة.. تجمد الهواء.

نظر آزر إلى اليد الخشنة التي تجرأت على ملامسة ثوبه، ثم رفع عينيه ببطء. لم يكن في نظراته غضب، ولا حتى احتقار… بل كان هناك سكون؛ سكون الموت المطلق .

نظرة باردة، مجردة من أي ذرة إنسانية، كعين وحش مفترس لا يرى أمامه سوى جثث مؤجلة ما زالت تتنفس.

كان يعلم جيدًا أن هؤلاء لم يأتوا لاقتياده لدرس، لقد جاؤوا لاستفزازه، ولكسر إرادته أو ربما.. ذراعه بحجة المقاومة.

— اتركني.

قالها بصوت خافت كحفيف سكين.

— وإلا ماذا أيها الـ…

لم يُسمح للحرف الأخير بالخروج. بحركة أسرع من ارتداد الطرف، التفتت يد آزر حول معصم الحارس، ولم يدفعه، بل لوى العظم ببرود وحشي. دَوَى صوت طقطقة بشعة حين تحطم المفصل وانشقت العظام تحت الجلد.

وقبل أن تخرج صرخة الألم من حلق الرجل، كان خنجر آزر قد انزلق من كمه كأفعى سوداء، وغاص عميقًا في الجانب الأيسر من عنق الحارس، ممزقًا الوريد والشريان معًا!

التوى النصل في اللحم بمهارة جراح قاسٍ، ثم انسحب نظيفًا. انفجر الدم كشلال قرمزي ساخن، ضرب وجه آزر ولوّث ثوبه، لكنه لم يرمش ولم يتراجع.

اندفع الحارس الثاني وقد أعمى الرعب بصيرته، فلوّح بسيفه بتهور لقطع رأس آزر. وبخطوة شبحية، وتطبيق مرعب ومثالي لما قرأه للتو. انزلق آزر تحت النصل الثقيل وكأنه يتراقص مع الظل، ممررًا خنجره خلف ركبة الرجل. قُطعت الأوتار بتمزيق واحد دقيق، وانهار الحارس على ركبتيه بصرخة ممزقة. فاستدار آزر نحوه ببرود نبيل، وغرس نصله في قاعدة جمجمة الرجل، فاصلًا النخاع عن الدماغ!

انطفأ الحارس كشمعة سُحقت في الظلام، وسقط الجسدان، لتتسع بركة لزجة وداكنة من الدماء على الحجارة الباردة.

وقف آزر وسط المجزرة الصامتة.. قطرات الدم الساخن تنحدر على وجهه الشاحب، وعيناه لا تحملان سوى ذلك الفراغ الموحش. لم يشعر بالندم، ولم تعتريه نشوة الانتصار. كان يعلم أن التراجع الآن يعني الموت البطيء. وإذا أرادوا اللعب بالخوف… فعليه أن يكون هو الكابوس.

انحنى بهدوء متأنق، التقط سيف الحارس الميت، وأمسك برأس الرجل الأول من شعره. بضربة واحدة قاسية، وحشية، ودقيقة، فصل العنق عن الجسد، ثم كرر الأمر مع الثاني وسحق عظام العنق تحت ثقل النصل.

نهض ببطء، يحمل في كل يد رأسًا يقطر دمًا، وثوبه الأزرق قد تشبع باللون القرمزي.. ثم همس لنفسه بصوت خفيض وبارد، وهو ينظر إلى العيون الميتة ببرود وحشي:

— حسنًا… تريدون إرسال رسالة؟ دعونا نرى إذن.. من منا يجيد الكتابة أفضل بالدم.

وفي قاعة الدرس، كان المعلم يشرح بإسهاب، والتلاميذ يجلسون في سكون. يوري كانت في الصف الأمامي، تشعر بانقباض غريب في صدرها لغياب آزر.

وفجأة… انفتح الباب الخشبي الثقيل بصرير بطيء.

توقفت الكلمات في حلق المعلم وكأن نصلًا خفيًا قد قطع حباله الصوتية! وفي سكون مشلول، استدارت الأعناق جميعها نحو الباب.

هناك، في إطار الباب، وقف آزر.

لم يكن المشهد ينتمي إلى عالم الأحياء. كان ثوبه الأزرق قد تشبع تمامًا، متحولًا إلى لوحة سريالية مروعة من الدم الطازج الذي أخذ يقطر بانتظام لزج على الأرضية الخشبية. انسدلت خصلات شعره الأسود الطويل فوضوية ومبللة باللون القرمزي فوق وجهه الشاحب، بينما برزت خصلاته البيضاء المهيبة وسط السواد كرماد مقدّس لوثته خطيئة لا تُغتفر.

وفي كل يد، كانت تتدلى جثة مؤجلة… رأسان مقطوعان يقطران دمًا حارًا، وأعينهما جاحظة ومفتوحة على اتساعها، محتفظة بآخر لحظات الرعب المطلق قبل الموت.

وفي تلك اللحظة، لم يره أحد كفتى بشري. بدا كشيطانٍ متمردٍ يفيض بكبرياء الهاوية؛ يقف وسط المذبحة بلامبالاة مطلقة، حاملاً الرأسين بغطرسة كيانٍ متعالٍ يحتقر حتى نظرات الرعب في عيون من حوله!

عمت شهقات الرعب القاعة، واختنقت الأنفاس. تراجعت يوري للخلف بخطوات متعثرة، واضعة يديها المرتجفتين على فمها. ثم..

ابتسم آزر ابتسامة هادئة، مهذبة، وقال بصوت متزن وناعم:

—  مساء الخير يا معلم، أعتذر بشدة عن التأخير.

ارتجف المعلم، وتراجع خطوة لا إرادية إلى الوراء، ووجهه ينزف لونه:

— ما… ما هذا الذي تحمله؟!

رفع آزر الرأسين قليلًا، بلامبالاة تقشعر لها الأبدان:

— اوه هذين؟

— هذا سوء فهم مؤسف، هذان الرجلان قاطعاني أثناء خلوتي للتدريب. حاولا قتلي دون مبرر… ثم دافعت عن نفسي. وبعد التفكير في الأمر.. يبدو أنني بالغت قليلًا في ردة فعلي.

— فقتلهما كان تقريبًا… عن غير قصد.

نقل آزر عينيه المظلمتين بين وجوه التلاميذ المذعورة، وأضاف بنبرة بريئة ومستفزة:

— وفي النهاية، هما مجرد حارسين وقحين يا معلم، ليسا حتى مزارعين يستحقان اهتمامنا، أليس كذلك؟

كانت الكلمات تقطر بالسخرية المبطنة، تهشم هيبة القاعة وتحتقر كل من فيها! انفجر المعلم غضبًا، وشعر بإهانة لا تُحتمل تحرق صدره.

اندفع نحو آزر متجاهلًا كل شيء، جمع طاقة روحه المتأججة في راحة يده، وضربه بقوة هائلة استقرت في منتصف صدره.

دوى صوت تكسر مكتوم، وطار جسد آزر في الهواء كدمية محطمة. ارتطم بالجدار الحجري بعنف أسقط الغبار من السقف. انهار على الأرض، وسعل دفعة من الدم الداكن لوثت ذقنه.

ومع ذلك… وسط ألمه، وبينما جسده يرتجف من قوة الضربة… ابتسم. كانت ابتسامة خفية، مظلمة، وراضية تمامًا. لقد أراد هذا الهجوم، أراد أن يشهد الجميع هذا المشهد؛ هو الضحية المعتدى عليها، والمعلم هو الجلاد، لقد حوّل جريمته البشعة إلى دفاع عن النفس بضربة واحدة!

وقبل أن يتقدم المعلم لضربه مجددًا كي يمحو تلك الابتسامة القذرة، انفتح الباب بقوة كادت تخلعه من مفصلاته.

كان لاو.

وبمجرد دخوله، ملأ ضغط روحي ثقيل ومرعب القاعة، جاعلًا الهواء كثيفًا خانقًا لا يُطاق. مسح العجوز المكان بنظرة واحدة باردة: الرأسان المقطوعان، بركة الدم تتسع، آزر الملقى على الأرض يبتسم، والمعلم الذي يتصبب عرقًا من الغضب والخوف.

ثم قال لاو بصوت منخفض، عميق، وثقيل كجبل يسقط:

— ماذا تظن نفسك فاعلًا؟

تلعثم المعلم وابتلع ريقه بصعوبة وهو يحاول صياغة مبرر، لكن لاو أسكته بإشارة صارمة قطعت الهواء كالسيف. تقدم العجوز بهدوء نحو آزر.. مد يده الخشنة، ورفعه عن الأرض.

رفع آزر عينيه نحو معلمه بنظرة بريئة، خالية تمامًا من وحشية اللحظات الماضية.

لم ينطق لاو بحرف آخر. سحب تلميذه من ذراعه، الملطخ بالدماء، وخرجا معًا في هدوء تام، تاركين خلفهما قاعة تغرق في صمت يشبه صمت المقابر، ورائحة دم لن تُنسى بسهولة.

وفي الممر المظلم، بعيدًا عن العيون، أفلت لاو ذراع آزر والتفت إليه بحدة:

—  لماذا قتلتهما وجلبت رأسيهما؟ لم تكن مضطرًا لذلك ابدًا.

مسح آزر الدم عن ذقنه، واختفت ابتسامته تمامًا، ليحل محلها برود مخيف:

— لو اكتفيت بضربهما، لعادا غدًا ومعهما عشرة، وإن تركتهم يعتقدون أنني فريسة سهلة، سأقضي وقتي هنا في صد الهجمات التافهة بدلًا من التعلم. كان يجب أن أرسم خطًا بالدم لا يجرؤون على تخطيه.

تأمله لاو طويلًا.. الفتى لم يكن مجنونًا، بل.. كان عقلانيًا لدرجة مرعبة.

— القتل ليس استعراضًا لترسل به رسائلك، لا تستهن بحياة البشر، وإلا.. ستفقد إنسانيتك قبل أن تبلغ هدفك.

نظر آزر إلى السماء. وللحظة ظهر في عينيه بريق بارد، ثم أخفض عينيه، وخفتت حدته قليلًا.

— فهمت يا معلمي، سأحترم تعاليمك.

وعندما وصل إلى مسكنه، وجد يوري تنتظره. كانت ترتجف، وعيناها محمرتان من البكاء والغضب، وبمجرد أن رأته يقترب بملابسه الملطخة، صرخت بوجهه:

— ماذا دهاك؟! بالأمس قطعت قدم تشو فينغ دون رحمة، واليوم تأتي برأسين مقطوعين إلى قاعة الدرس؟! من أنت؟ ماذا تفعل بنفسك؟

اقتربت منه، تضرب صدره بقبضتيها الصغيرتين:

— أنا لا أفهمك! هل تستمتع بالدم؟ هل تريد أن يقتلوك؟ أنا…

لم يتركها تكمل، أمسك بمعصميها بلطف شديد، وأوقف ضرباتها المرتجفة، ثم رفع يده الأخرى، الملطخة قليلًا، ومسح دمعة هاربة من على خدها بإبهامه بحذر بالغ كي لا يلوثها.

تغيرت عيناه، الفراغ الموحش قد اختفى، وحل مكانه دفء حقيقي، مرهق، وصادق.

— شش… اهدئي.

توقفت عن الكلام، والتقت عيناها بعينيه. سحبها إليه ببطء، وعانقها. لم يكن عناقًا شغوفًا، بل كان احتضانًا بسيطًا، كغريق وجد أخيرًا قطعة خشب تطفو به.

أسند ذقنه على رأسها وهمس بصوت خافت جدًا:

— أنا لا أحب الدم يا يوري، لكنني في غابة، وإن لم أكشر عن أنيابي، سيفترسونني… وسيفترسون كل من يقف بجانبي.

شعرت بنبض قلبه الهادئ تحت ثوبه.

— لا أريد أن أراك هكذا مجددًا…

همست بصوت مخنوق في صدره.

ربت على شعرها برفق.

— أعدك، سأكون أكثر حذرًا.

نبض قلبها بجنون. ذاب غضبها في حرارة قربه، واحمر وجهها بشدة، وفي تلك اللحظة بالذات، سعل شخص خلفهما بصوت مفتعل:

— أحم.

انتفضت يوري وابتعدت عن آزر وكأن صاعقة ضربتها. كان لاو يقف في نهاية الممر، ينظر إلى السقف متظاهرًا بعدم الاهتمام.

تلعثمت يوري بكلمات غير مفهومة، وركضت هاربة نحو مسكنها، ووجهها يغلي من الخجل.

ابتسم آزر بخفة، والتفت إلى لاو الذي تنهد وقال:

— اغتسل، وبدل ثيابك، فالتدريب لم ينتهِ.

وفي الطريق…

كان كايو ملقىً على الأرض الباردة. جسده لم يعد جسدًا، بل خريطة من الجروح المفتوحة والدم المتخثر.

كانت ذراعه اليسرى محطمة، وساقه لا تستجيب لأي أمر. حاول أن يتنفس، فكان الهواء يدخل إلى صدره كشظايا زجاج، ويخرج مصحوبًا بأنات خافتة.

العجز… كان مهينًا ومذلًا.

أمامه، وقف الكائن الأسود ذو القرنين غير المتماثلين. عينه الحمراء الوحيدة تنظر إلى الجسد المحطم ببرود خالٍ من أي تعاطف. ثم سأل وبدت عليه الدهشة:

— هل أنت لا تريد القوة حقًا؟

أجاب كايو بصوت بالكاد يُسمع، مغمضًا عينيه:

— لا.

فكر الكائن قليلا.. ثم رفع يده المخالبية. انشق الظلام، وظهرت صورة مجسمة، واضحة كالحقيقة.

رأى كايو ريو، مغطى بالدماء، يحمل رين ونيرة وسط فوضى عارمة من المزارعين الذين يتساقطون واحدًا تلو الآخر. وإلى جواره، وقف رجل عجوز يرتدي ثوبًا أبيض ناصعًا.

ملامح العجوز جعلت قلب كايو يتوقف للحظة.. لقد رآه من قبل… في ذكريات قديمة.

— يان…

همس كايو، واتسعت عيناه.

أغلق الكائن يده، فتهشمت الصورة وتلاشت. ثم قال بنبرة باردة:

— ريو لا يزال في البحر، أما ذلك العجوز… فهو أخطر بكثير، إنه في.. المجال.

انحنى الكائن، واقترب وجهه المرعب من كايو:

— إن بقيت متمسكًا بضعفك هذا… سيموتون جميعًا قبل أن تخطو خطوة واحدة لإنقاذهم.

تجمد الدم في عروق كايو.. صورة نيرة ورين يموتان قد مزقت.. ما تبقى من كبريائه.

تشنج جسده المحطم، وبذل جهدًا خرافيًا ليرفع رأسه عن الأرض المنقوعة بدمه.

ثم صرخ بصوت ممزق، يائس، وحاقد على ضعفه:

— أرني كيف!

سقط رأسه مجددًا، وأخذ يلهث بصعوبة بالغة. الدم يسيل من فمه، لكن عينيه كانتا تشتعلان بنار جديدة. نار مظلمة ومخيفة. ثم قال بصوت منخفض، ثابت، ويائس:

— أرجوك علمني!

ابتسم الكائن ابتسامة كشفت عن أسنان مسننة، ومرعبة.

— الآن… رأيتها، هذه هي النظرة المطلوبة.

مد الكائن يده الضخمة ذات المخالب نحو الفتى المحطم.

— فلنبدأ إذن… أيها الوريث الأخير للهب الخالد.

«وبين طيات ذلك الظلام الأبدي، اتقدت عين الكائن بجحيم قرمزي، مؤذنةً بصحوة اللهب الخالد، ولتبدأ رحلة صعودٍ لن تُبقي ولن تَذر..»