المُتَحَرِّر الفصل 40 — المُتَحَرِّر 40

اقرأ المُتَحَرِّر الفصل 40 — المُتَحَرِّر 40 باللغة العربية على مانجا تايم.

لم يطل غياب آزر.

حين عاد إلى الساحة الخلفية، كان الشيخ لاو لا يزال واقفًا مكانه، ينظر إلى أوراق الصنوبر التي تراقصت مع نسيم الليل البارد. وما إن سمع العجوز وقع الخطوات الهادئة تقترب، حتى التفت ببطء..

كان وجه لاو يحمل ملامح أبٍ أرهقه القلق، وحين التقت عيناه بعيني آزر الساكنتين، انفرجت أساريره عن ابتسامة متعبة لكنها مرتاحة… وكأن جبلاً انزاح عن كاهله.

— لقد عُدت. قال لاو بصوت خافت يحمل دفئًا حقيقيًا.

— إذن… هل فكرت في عرضي يا آزر؟ هل اتخذت قرارك؟

وقف آزر أمامه.. سكونه المعتاد يغلفه، ثم أجاب بنبرة هادئة ومستقرة:

— نعم، لقد اتخذت قراري.

اتسعت ابتسامة لاو، واقترب خطوة وهو يربت على كتف الفتى:

— هاهاها إذن أنت عاقل بالفعل، لقد اخترت الحياة يا بني. سأدربك شخصيًا، وسأعصر لك خبرة السنين.. لتصبح أفضل خيميائي يشهده هذا الجيل! ثم نعيش جميعًا كعائلة، ولن يجرؤ أحد على المساس بك طالما أتنفس.

ظل آزر ينظر إلى يد لاو على كتفه للحظة.. ثم رفع عينيه وقال بصوت ناعم، لكنه قاطع كالسيف:

— نعم يا شيخ لاو… سأتعلم الخيمياء.

— ولكنني… لن أترك درب الزراعة أبدًا.

تصلبت يد لاو.. وتلاشت ابتسامته ببطء شديد، وكأن ماءً مثلجًا سُكب على وجهه.

ثم أكمل آزر كلماته بوضوح:

— في الحقيقة، لقد جئت لأتعلم الخيمياء، والتشكيلات، وصناعة السموم… أود تعلم كل شيء متاح هنا. ولكن كل هذا سيكون مجرد أدوات تخدمني، فالزراعة هي الأساس الذي لن أحيد عنه.

تجمّدت حركة الشيخ العجوز بالكامل..

— وأما الآن، وقد حسمت أمري… جئت لأُعلمك أنني سأغادر الطائفة متوجهًا للصيد.

سحب لاو يده، ثم تراجع خطوة للخلف.. وعيناه تتسعان بذهول تحول سريعًا إلى غضب ممزوج بالخوف:

— الصيد؟! هل فقدت عقلك؟ لماذا تصر دائماً على إلقاء نفسك في التهلكة؟!

أجاب آزر بلا انفعال:

— لأنها أسرع طريقة لفهم حدود جسدي الحالي. أحتاج أن أصل إلى التكوين بأسرع وقت ممكن، وساحة القتال الحقيقية هي المكان الوحيد.. الذي سيعتصر قدراتي.

ضرب لاو الأرض بعصاه، بقوة أحدثت صدىً في الساحة المظلمة، وصاح بانفعال غير معتاد:

— آزر!، تدرب معي هنا فقط! إن خرجت الآن من حدود الطائفة، سيعلم أعداؤك بخروجك! وقد ينصبون لك كمينًا ويمزقونك إربًا!

—أوتظنني حقاً لم أفكر في أن الصيد هو الأسرع؟ أنا أعلم ذلك! لكن بالنسبة لفتى مثلك، بموهبتك هذه ودون خلفية تحميك، فهذا انتحار!

تنهد لاو بعمق.. ومسح وجهه بيده المجعدة محاولًا تهدئة روعه:

— اسمعني يا آزر… الشيوخ الكبار في مهمة خارجية الآن، وقبل أن يعودوا ويتم حل ضغينتك مع ذلك الفتى تشو وعائلته وديًا، لا يمكنك الخروج.

— هذا بالفعل خطر لا طاقة لك به!

لم يرمش آزر. بل نظر مباشرة في عيني لاو وقال بصرامة لا تقبل النقاش:

— لقد اتخذت قراري بالفعل.. فالجلوس هنا بانتظار عطف الشيوخ ليس من شيمي.

صمت لاو طويلًا.. نظر إلى عيني الفتى، فرأى فيهما عنادًا أصلب من الجبال، وعزيمة لا يمكن لجمها. ثم… أدرك العجوز في تلك اللحظة أن هذا الفتى إما أن يصعد للسماء، أو يُدفن في أقرب حفرة، ولا يوجد خيار وسط.

تنهد لاو أخيرًا.. واستسلم للأمر الواقع بمرارة:

— حسنًا… سأسمح لك بالخروج، ولكن بشرط واحد.

نظر له آزر بصمت، منتظرًا..

أكمل لاو بجدية بالغة:

— يجب أن تتقن على الأقل الخطوة الأولى من تقنية خطوات التيار المنحرف… الكتيب الذي أعطيتك إياه منذ فترة.

ضيق آزر عينيه، فأوضح لاو بنبرة معلم صارم:

— في عالمنا، التقنيات تُقسم إلى مراتب: الأرضية، الروحية، السماوية، والجوهر.

— وهذه تقنية حركة روحية.. وما سلمتها لك إلا لسبب يا آزر. — فمعظم تقنيات الحركة تتطلب بحرًا من الطاقة للركض بسرعات جنونية، وهو ما لا تملكه بسبب وعائك الضيق. لكن التيار المنحرف مختلفة… إنها لا تعتمد على السرعة المطلقة، بل على.. الانسيابية والمزامنة.

— إنها تجعلك تقرأ تدفق حركات خصمك، لتتحرك معه كظله، تتدفق حول ضرباته كما يتدفق الماء حول الصخر، وتلتصق به في زواياه العمياء.

اقترب لاو خطوة:

— التقنية تتكون من سبع خطوات متصاعدة. وذروة قوتها لن تتجلى إلا عندما تصل إلى مرحلة البحر.

— أما الآن.. وفي اليقظة، لن تفهم منها شيئًا، ولكن بمجرد وصولك إلى التكوين قد تتقن الخطوة الثانية والثالثة.

— وبموهبتك الحالية، أنت بالكاد ستستخرج جزءًا ضئيلاً جدًا من قوتها.. ولكنه كافٍ لجعلك تنجو من كمين متوقع على الأقل.

— لذا مادمت لم تفهم الخطوة الأولى، فلن تخرج من هنا!

أنهى لاو حديثه وفجأة… دون أي سابق إنذار، اندفعت يده اليمنى كالأفعى نحو كتف آزر! لم تكن ضربة قاتلة، لكنها كانت سريعة ومحملة بطاقة قوية كافية لطرح الفتى أرضًا.

لكن ما حدث تاليًا جعل حدقتي لاو تتسعان بصدمة خالصة. لم يتراجع آزر للوراء، ولم يحاول صد اليد. بدلًا من ذلك، ارتخى جسده بالكامل بطريقة غير طبيعية.. ومع اندفاع يد لاو للأمام، مال جسد آزر بخفة شديدة متزامنًا مع تيار الهواء الذي أحدثته الضربة.

وكأنه ورقة شجر سقطت في مجرى نهر، انزلق آزر بسلاسة متناهية تحت ذراع لاو الممتدة، وبحركة ناعمة واحدة، التف حوله ليظهر واقفًا في الزاوية العمياء، تمامًا خلف ظهر العجوز.. بلا صوت، وكأنه كان… ظله طوال الوقت.

ساد صمت مميت في الساحة. أنزل لاو يده ببطء شديد.. واستدار لينظر إلى الفتى الذي يقف خلفه بهدوء تام.

— هل… هل أتقنت الخطوة الأولى بالفعل؟

سأل لاو، وصوته يحمل هزة من عدم التصديق.

أومأ آزر ببطء.. كان لاو عاجزًا عن الكلام. خطوات التيار المنحرف تقنية روحية معقدة للغاية، فمعظم تلاميذ الطائفة الداخليين يفشلون في فهم الخطوة الأولى بعد أشهر من التدريب المتواصل.. وهذا الفتى…

وفي تلك اللحظة أدرك لاو حقيقة مرعبة.. السماء أغلقت وعاء هذا الفتى ودمّرت موهبته… لكنها فتحت له أبواب الفهم والإدراك على مصراعيها! إنه يمتلك فهمًا عميقًا ومرعبًا للداو يتجاوز حدود جسده الضعيف!

تنهد لاو تنهيدة طويلة.. ثم أشار بيده بضعف:

— فجرًا.. يمكنك المغادرة فجرًا.

انحنى آزر باحترام خفيف:

— سأذهب للاستعداد.

مضى آزر مبتعدًا في الظلام، بينما بقي لاو يتأمل ظهره، يتساءل في قرارة نفسه: هل كان يحاول حماية هذا الفتى من العالم… أم أنه يجب عليه حماية العالم من هذا الفتى؟

وفي مكان آخر.. بعيدًا جدًا عن هواء الطائفة البارد.

في ذلك البُعد الغامض، حيث الدرب المكسو بالضباب الأحمر القاني، والصخور السوداء التي تنبض بحرارة خانقة وكأنها قلب بركان يحتضر.

كان كايو يجلس متربعًا على الأرض الصلبة، العرق يغسل جسده المنهك، وصدره يعلو ويهبط بعنف. هالة من الطاقة الحمراء كانت تلتف حوله.. قبل أن تُمتص بالكامل داخل مساراته.

فتح كايو عينيه المليئتين بالإرهاق، وابتسم بانتصار واهن:

— لقد فعلتها… لقد وصلت إلى الذروة أخيراً!

ومن بين العتمة الكثيفة، انبثق ذلك الكيان المرعب. قرون غير متماثلة تمزق الفراغ، وعين حمراء وحيدة تتوهج في الظلام.

وبسخرية تردد صدى ضحكة الكيان الخشنة:

— ذروة اليقظة؟ الآن فقط؟ بعد كل هذا التدريب؟

تقلصت ابتسامة كايو، بينما أكمل الكيان بنبرة لاذعة:

— موهبتك بائسة بحق! لو كان أي شخص آخر يمتلك موارد هذا الدرب ويتلقى إرشادي، لكان قد تجاوز مرحلة اليقظة ووصل إلى التكوين منذ وقت طويل… مساراتك بطيئة كسلحفاة عجوز!

نزلت الكلمات كالصواعق على رأس كايو. اكتأب وجه الفتى، وانحنى كتفاه بهزيمة مريرة. كيف لا يشعر بالعجز؟ لقد كان هذا الكيان هو أمله الوحيد.

عادت به الذاكرة منذ وقت ليس ببعيد… تذكر كيف جثا على ركبتيه، وكيف بكى وتوسل بكل ذرة كرامة يملكها لهذا الكيان لينقذ رين ونيرة، ولينقذ آزر وتشاو!

لكن الرد الذي تلقاه يومها حفر في روحه ندبة لا تندمل:

— أنا مقيد هنا يا فتى… هذا المكان هو سجني وعالمي، وحتى ترث أنت الميراث وتكسر الختم لا يمكنني الخروج. وفالحقيقة لا رغبة لي بالتدخل في حروب النمل بالخارج، فليس لك سواي هنا… وليس لهم سواك هناك!

ومنذ ذلك اليوم، أدرك كايو أنه وحيد. لا أحد لينقذه، ولا أحد ليعتمد عليه.. سوى قبضتيه.

ابتلع كايو غصته، ورفع وجهه وعيناه تلمعان بحزن ممزوج بغضب مكبوت:

— أعلم أن موهبتي سيئة! لكنني أتدرب حتى أتقيأ دمًا، أنا أفعل كل ما بوسعي!

صمت الكيان.. وللحظة.. توقفت ضحكته الساخرة، وضاقت عينه الحمراء المتوهجة. ثم قال بنبرة جادة وعميقة، جعلت حرارة الدرب ترتفع بشكل مهول:

— يا فتى… هل تظن حقًا أن ميراث سلفك العظيم عبارة عن مجرد قاعة للتدريب؟

رفع كايو نظره ببطء، مستمعًا بانتباه.. تابع الكيان، وصوته يمتلئ بفخر قديم يهز الأركان:

— أنت لا تعلم شيئًا! لا تعلم كم عدد العباقرة الذين توسلوا وركعوا خارج أبواب سلفك العظيم ليقبلهم كتلاميذ… ولم يقبل أحدًا! سلفك أخذ طائفته إلى الأعالي والمجد، وسيطر على آلاف البشر! أوتظن حقاً أن ميراثه بهذه البساطة؟

اقترب الكيان خطوة، والحرارة في الدرب ارتفعت بشكل ملحوظ:

— السلف لم يترك لك مجرد طاقة! لقد ترك لك تقنيات زراعة من المرتبة السماوية! بل وترك لك الطريقة والأساس الذي سيمكنك يومًا ما.. من ابتكار تقنية الجوهر الخاصة بك!

اتسعت عينا كايو بذهول. تقنيات سماوية؟ تقنية جوهر؟ هذه مجرد خرافات وأساطير في العالم الخارجي!

ابتسم الكيان ابتسامة وحشية، وأكمل ضربته القاضية:

— ولأنه سلفك العظيم، هل تظن أنه لم يضع في الحسبان احتمال أن يكون وريثه ذا موهبة بائسة مثلك؟

انحنى الكيان بوجهه المرعب حتى أصبح قريبًا من وجه كايو، وهمس:

ستعاني الآن بعض الشيء… هذا صحيح. لكن ما إن تصل إلى التكوين، ستجد ما تركه لك السلف!

حبة سماوية مختومة… حبة ستمحو أساسك الضعيف تمامًا وتذيب عظامك، لتبني جسدك من جديد وتمنحك البنية الأعظم في تاريخ العشيرة!

صمت الكيان لثانية… ثم لفظ الكلمات وكأنها سر مقدس:

— بنية اللَّهب الخالد السماوية !

تسارعت نبضات كايو حتى كادت تمزق صدره. تبخر تعبه في لحظة، وحل محله جوع كاسح للقوة! أطبق على قبضتيه بشدة، بينما التمعت في عينيه نار جديدة… نار حارقة.. تليق أخيرًا.. بوريث اللهب الخالد!