في الصباح التالي. جلس آزر قرب النافذة، مستندًا بظهره إلى الجدار البارد.. كانت الجروح في خاصرته وكتفه تنبض بألم خفي كلما تحرك، لكنه لم يطلب علاجًا، ولم يعر الألم انتباهًا.
كان عقله يعمل بهدوء، يقلب أحداث الأمس؛ المعلم الذي صرخ، ونظرات التلاميذ حين استقر حذاؤه على وجه الفتى.
ثم انتقل تفكيره إلى يوري. تذكر نبرتها الهادئة قبل أيام، وكيف نظرت إليه حين عرضت مساعدة والدها. ثم.. رفع عينيه نحو الباب الخشبي.
وحين سمع وقع خطوات سريعة مألوفة، ثم ذلك الطرق المرتعش، ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة. وقف ثم فتح الباب قائلًا بصوت خفيض:
— ادخلي.
اندفعت يوري إلى الداخل وأغلقت الباب خلفها بسرعة. كان صدرها يعلو ويهبط بعنف، وعيناها تشتعلان بمزيج من الذعر والغضب، وقبل أن تلتقط أنفاسها، صرخت بهمس حاد:
— ماذا فعلت أمس يا آزر؟! هل فقدت عقلك؟ أنت لم تضربه فقط… لقد بترت ساق تشو فينغ! لقد قطعت قدم ابن الشيخ فينغ أمام الجميع ووقفت فوقه كأنك…
— شش… لم يتركها تكمل، رفع يده بهدوء، ووضع إصبعه بلطف على شفتيها المرتجفتين.
تجمدت يوري مكانها، وابتلعت بقية كلماتها. خفض آزر يده ببطء، ونظر إلى عينيها نظرة طويلة وعميقة.
لم يكن اليوم هو ذلك المتسول المغطى بالوحل والدماء؛ كان ثوبه نظيفًا، وشعره الأسود ينسدل مرتبًا، تتخلله خصلات بيضاء قليلة كأثر لزمن يرفض النسيان.
ثم قال بصوت هادئ، يحمل نبرة استسلام متعب:
— قد لا أبقى هنا طويلًا يا يوري.
شحب وجهها فورًا، وتطاير الغضب ليحل محله خوف حقيقي:
— ماذا تقصد؟
— قالوا إنهم سيطردونني… أو ربما أسوأ، ففي النهاية بتر ساق ابن شيخ ليس أمرًا يمر بلا ثمن.
هزت رأسها بسرعة، واقتربت خطوة لا إرادية نحوه:
— لن أسمح بذلك!
ابتسم ابتسامة باهتة، حزينة.. بعض الشيء، وركز عينيه على عينيها فقط:
— يوم مات يوتو… كنتِ تنادينه وأنتِ لا تعرفين أنه لن يجيب.
صمت للحظة.. يراقب كيف التمعت الدموع في عينيها إثر الذكرى، ثم أكمل بنبرة أرق:
— لا أريد.. أن أترك شخصًا آخر خلفي يبكي بتلك الطريقة.
ارتجف صوتها، ولم تدرك أنها همست باسمه:
— آزر…
اقترب حتى صارت تسمع انفاسه، ثم أكمل وكأنه يبوح بسر يثقل صدره:
— لا أعرف متى بدأ الأمر… ولكن حين أفكر في الأيام الماضية، وسط كل هذا الجنون، أنتِ أول شخص أتذكره.
وأنتِ… الشخص الوحيد الذي لا أريد أن أفقده.
تورد وجهها حتى أطراف أذنيها. ثم التقطت أنفاسها بصعوبة وفتحت فمها لتقول شيئًا، لكن الكلمات.. قد هربت منها.
ضحك آزر بخفة، ضحكة صافية كسرت توتر الغرفة:
— هاها لم أركِ عاجزة عن الكلام من قبل.
ابتلعت ريقها، وقالت بارتباك لذيذ:
— أنت… لماذا تقول هذا الآن؟
— لأنني لا أملك ترف الوقت، قد يقتلونني فعلًا قبل غروب الشمس.
تبدد ارتباكها في ثانية، واشتعل العناد في عينيها مجددًا، ثم هزت رأسها بقوة:
— لا، قلت لك لن أسمح لهم!
— وماذا تستطيعين أن تفعلي أمام غضب الشيوخ؟
سكتت للحظة، وكأنها تتخذ قرارًا لا رجعة فيه، ثم قالت بصوت ثابت:
— سأجد طريقة، والدي سيتدخل.
أشاح آزر بوجهه قليلًا، ثم قال بنبرة هادئة:
— أنا لا أملك طائفة، ولا عائلة، ولا حتى.. اسمًا يحمي ظهري، لذا… لا أريد أن أدخلكِ في صراع لا تتحملينه بسببي.
رفعت عينيها إليه.. تلمع فيها مشاعر لم تعد قادرة على إخفائها، ثم قالت بصوت دافئ أربكه:
— لديك أنا.
توقفت للحظة… ثم اقتربت خطوة صغيرة، تنظر مباشرة في عمق عينيه. ثم أضافت بنبرة مرتعشة لكنها مليئة باليقين:
— أنا لم أطلب منك أن تحميني… أنا أحبك، وأريد أن أكون معك حتى النهاية.
خفض آزر عينيه صامتًا، عاجزًا عن ترتيب أفكاره أمام هذا الاعتراف. وحين مدت يدها ببطء لتتشابك أصابعها بأصابعه، كانت ترتجف قليلًا.
شعر بدفء حقيقي يسري تحت جلده، دفء.. لامس قلبه وأذاب حصونه للحظة.. فابتسم… وكانت ابتسامته أصدق مما توقع.
وبعد وقت قصير، كانت يوري تقف أمام والدها في غرفته الهادئة. قال لاو وهو يقلب فنجان الشاي بين يديه:
— ذلك الفتى… أعجبك إلى هذا الحد؟
خفضت رأسها قليلًا، لكن صوتها كان واضحًا:
— نعم.
— وتحبينه؟
— نعم.
تأملها والدها طويلًا، ثم وضع الفنجان وقال بنبرة تتفحص رد فعلها:
— ألا تجدين توقيت اعترافه غريبًا؟ بالأمس يبتر قدم ابن الشيخ فينغ، ويقف فوقه وكأنه ينظف حذاءه، واليوم يخبركِ بمشاعره؟
تجمدت يوري، ثم تابع لاو بصرامة:
— لو كان الشيخ فينغ هنا، ومعه حلفاؤه، لما كان لديك الوقت الكافي لتقفي أمامي الآن وتتحدثين عنه. وأنا لا أقول إنه شرير… لكنني متأكد أنه ليس رجلًا بسيطًا.
تجمعت الدموع في عينيها، لكنها رفعت رأسها بتحدٍ:
— أبي… أنا أحبه.
رفع لاو عينيه إليها. وللحظة.. رأى نفس النظرة، نفس الإصرار الهادئ الممزوج بالعناد لامرأة أخرى وقفت أمامه منذ سنوات.
أغمض عينيه متنهدًا، ثم فتحهما وقد لانت نبرته قليلا.
— حسنا، لا أستطيع أن أختار بدلًا منكِ… لكن سأقابله.
كان آزر ينتظر في ساحة خلفية معزولة خلف مسكن الشيوخ.
وصل لاو وحده، ثم وقف أمامه بوقار. تبادل الاثنان نظرات صامتة لثوانٍ، ثم قال لاو:
— قلت إنك تحب ابنتي.
— نعم.
— وقد تعرفت إليها منذ أيام فقط.
— هذا صحيح.
— إذن، لماذا هي؟
نظر إليه آزر بهدوء وقال ببساطة:
— لأنني أريدها.
رفع لاو حاجبه:
— هذا جواب شاب طائش.
— وما الجواب الذي يرضيك؟
— أن تدرك ثمن البقاء بجانبها.
ساد الصمت..
ثم تقدم لاو خطوة:
— أنت في عين العاصفة، وكلمتي وحدها لن تحميك من نصل الشيخ فينغ إن لم تملك القوة لتبرير وجودك. فستذبح مثل الكلب!
— لذا سأختبر قوتك الآن.
رفع لاو إصبعين. وفجأة، تجسدت ثلاث قطرات زرقاء مضيئة من المدد في الهواء، تضطرب وكأنها حية.
— الاختبار بسيط، حافظ على هذه القطرات في موضعها. سأقوم بزيادة الضغط الروحي عليها تدريجيًا، وإن حاولت مقاومة طاقتي بالقوة الغاشمة، ستنكسر وتفقد السيطرة.
— الآن ابدأ.
مد آزر وعيه نحو القطرات. وفي الثواني الأولى، كانت القطرات ثابتة، ثم بدأ لاو يضغط.
شعور خانق هبط على الساحة، ارتجفت القطرة الأولى بشدة وكادت تتلاشى. أدرك آزر في جزء من الثانية أن قوته لا تساوي شيئًا أمام طاقة لاو.
غيّر تكتيكه فورًا. بدلًا من بناء جدار لصد الضغط، جعل طاقته مرنة.
ترك المدد ينثني مع ضغط لاو، يلتف حوله بدلًا من الاصطدام به، ثم ازداد الضغط حتى تشققت إحدى القطرات، ولكنها لم تسقط.
توقف الضغط فجأة، وتبخرت القطرات.
سأل لاو بنبرة ذات مغزى:
— لماذا غيرت طريقتك؟
— لأنني لا أملك القوة لصدك.
— وماذا فعلت؟
— جعلت هجومك جزءًا من حركتي لأحافظ على التوازن.
نظر إليه لاو طويلًا… ثم أطلق ضحكة قصيرة تلمع في عينيه نبرة إعجاب خفية:
— موهبتك الفطرية تحدد مقدار ما يمكنك سحبه من المدد… لكنها لا تحدد ما تستطيع صُنعه بما سحبته.
صمت للحظة، ثم هز رأسه بتقدير وأردف:
— طريقتك في الانسياب مع الضغط وتوجيهه بدلاً من صدّه كانت مذهلة… لينة كالماء، وحاسمة مثل النصل، أن تطوع القوة العاتية الموجهة ضدك لتصبح جزءًا من حركتك، فهذا ذكاء نادر ونهج لا يتقنه إلا المقاتلون العظام.
سكت قليلًا، وقال بجدية:
— أساسك الروحي يا آزر، لا يصل حتى إلى الحد الأدنى من التصنيف الضعيف، جسدك شبه مغلق.
لم يتغير وجه آزر، وابتسم لاو بسخرية:
— والأطرف، أنك بهذا الجسد هزمت تشو فينغ ذو الأساس الممتاز… كم أتمنى حقًا أن أرى وجه والده حين يراك حيًا.
استقام لاو في وقفته:
— سأدربك، لكن طريقك سيكون أبطأ وأكثر ألمًا، لذا لا تتوقع الرحمة.
— لم أتوقعها يومًا.
ابتسم لاو.
— اذن، اجلس سنبدأ الآن.
جلس آزر. طلب منه لاو أن يشعر بالمدد فقط. فشل مرارًا، وكان يتعرق ويرتجف، محاولًا التعويض عن ضعفه بالسيطرة المفرطة فكانت الطاقة ترتد وتؤلمه.
أرشده لاو ليترك الطاقة تتدفق كجدول بطيء دون الإمساك بها، وبعد ساعة من العذاب الصامت.. مر خيط رفيع جدًا من الطاقة في ذراع آزر… أطول مما سبق بمليمترات.
نظر آزر إلى كفه المرتعشة. ثم رفع رأسه ونظرة حادة تلمع في عينيه.
وفي مكان آخر، حيث لا تشرق شمس ولا يُسمع صوت للحياة…
كان كايو مستلقيًا على أرض صخرية مدببة. رائحة الدم الصدئة تزكم أنفه، الدم الذي تحته جف، ثم عاد لينزف من جرح غائر جديد في صدره، ثم جف مرة أخرى في دورة مرعبة من الألم.
كانت ذراعه اليسرى محطمة. مرتخية إلى جانبه بزاوية بشعة، وساقه اليمنى لا تستجيب لأي أمر من دماغه.
وعلى بعد خطوتين فقط، كان سيفه ملقى على الأرض. خطوتان… لكنهما بدتا أبعد من السماء.
حاول أن يسحب الهواء إلى رئتيه، فدخل بصعوبة مع صوت حشرجة. خرج بضعف، مصحوبًا بقطرات دم من فمه.
وأمامه، وقف الكائن الأسود. جسد ضخم يبتلع النور، بقرنين غير متماثلين يمزقان العتمة، وعين حمراء وحيدة تشتعل ببرود مرعب، تنظر إليه كأنها تنظر إلى حشرة مثيرة للشفقة.
— أهذا كل ما لديك؟
حفر كايو أصابع يده السليمة في الصخر حتى تمزقت أظافره. غلى الدم في عروقه الممزقة، حاول رفع جسده المنهك، تحرك مرفقه، وارتفع صدره شبرًا عن الأرض… ثم انهار الجسد بضعف قاتل، مرتطمًا ببركة دمائه.
انطلقت من الكائن ضحكة خشنة زلزلت الأرض:
— أنت لا تستطيع حتى الوقوف.
عض كايو أسنانه حتى شعر بطعم الدم يتدفق من لثته، وعيناه تشتعلان بغضب يحرق الروح.
انخفض الرأس المرعب نحوه، واقتربت العين الحمراء.. حتى شعر كايو بأنفاس الكائن اللافحة:
— أنت؟ وريث اللهب الخالد؟
قالها الكائن بهدوء أشد قسوة من الصراخ، ثم أضاف باحتقار:
— لقد رأيتُ ديدانًا تحت الأرض تصارع الموت بكبرياء وعناد أكبر منك.
شعر كايو بعجز يمزق الكبرياء، وذل لم يذقه في حياته قط. أراد أن يصرخ، وأن يمزق هذا الكائن بأسنانه، لكن جسده المكسور خذله بالكامل.
بقي السيف بعيدًا، ووقف الكائن أمامه مكانه، ينظر إليه بصمت..
لم يرفع سلاحًا لينهي حياته، ولم يقترب ليفترسه. فقط وقف ينتظر… ويراقب.
وفي تلك اللحظة المظلمة، أدرك كايو الحقيقة المرعبة؛
أن الاختبار الحقيقي لم يبدأ بعد، وكأن هذا العجز المطلق… لم يكن سوى البداية.