استيقظ آزر قبل أن يلمس ضوء الفجر حافة النافذة.
ظل مستلقيًا على ظهره بلا حراك، يده اليمنى مستقرة فوق صدره، واليسرى ممدودة على جانب السرير فارغة من أي سلاح. وللحظة، لم يستوعب جسده هذا السكون. كان هناك صمت ثقيل يقطعه من بعيد، خرير شلال ثابت. هواء نظيف، بلا رائحة دم، ولا دخان، ولا صرخات من الخلف. ولأول مرة منذ فترة طويلة لم يستيقظ على خطوات ثقيلة تقتحم الباب، ولم يوقظه الخطر.
ظل هكذا لثوانٍ طويلة، عاجزًا عن فهم هذا الهدوء؛ فجسده المعتاد على الفوضى كان لا يزال ينتظر أن يحدث شيء… أي شيء.
نهض ببطء.. دخل غرفة الاستحمام الصغيرة. فتح الماء الساخن ووقف تحته صامتًا. انحدر الماء فوق شعره الداكن الطويل، مبللًا الخصلات البيضاء القليلة، ومنسابًا فوق ندوب لم تلتئم تمامًا بعد. مد يده وفرك بقايا دم يابس كان لا يزال عالقًا في ثنايا كتفه، ولمس ندبة غائرة فوق ضلعه، ثم أخرى عند معصمه.
وللحظة خاطفة، مرت أمام عينيه صورة تشاو وهو يسقط… ثم يد يوتو وهي ترتخي… وابتسامة أمه الأخيرة. أغمض عينيه بقوة حتى تلاشت الصور، ثم أكمل غسل جسده بهدوء..
وعندما ارتدى ثوب الطائفة الأزرق، أخرج من تحت وسادته نصلًا قصيرًا حادًا، كان قد احتفظ به منذ دخوله. ثبته بمهارة في حزامه الخلفي ليتوارى تحت الرداء، ولم يكن ينوي استخدامه، لكنه فقط… كان يفضل أن يكون قريبًا منه.
وقف أمام المرآة. شعره الأسود انسدل على كتفيه تتخلله تلك الخصلات البيضاء، وبشرته الشاحبة غدت أوضح بعد زوال الغبار. أما عيناه.. فكان فيهما سكون عميق يخفي كل ما يدور خلفهما. ولم يعد يبدو كمتسول، بل.. كشخص ضل طريقه في عالم لا يرحم.
جلس أمام الطاولة وأخرج الحجر الرمادي. الدائرة الناقصة ما تزال هناك، والخط الرفيع يمتد من حافتها، وحروفها باهتة كأثر شيء لم يستيقظ بعد. أرسل خيطًا رقيقًا من طاقة المدد نحو فجوة الدائرة، تقدم الخيط قليلًا، ثم انطفأ. غيّر أسلوبه؛ جعله أبطأ، ثم أسرع، وحثه على الالتفاف حول الحافة بدلًا من الدفع المباشر.
لا شيء.
تأمل الحجر بجمود. الطريق موجود، لكنه أكبر من قدرته الحالية بكثير. تذكر ريو، الرجل الذي دخل الممر وكأنه يدخل بابًا أسطوريًا.
زفر بهدوء، وأعاد الحجر إلى جيبه، ثم فتح الباب.
— آزر!
كانت يوري تقف في الممر. عباءة الطائفة نظيفة ومرتبة، وشعرها البني مربوط للخلف. وما إن رأته حتى توقفت فجأة، ورمشت مرتين.
— أنت…
— ماذا؟
هزت رأسها بسرعة وقد تسللت حمرة خفيفة إلى وجهها:
— لا شيء، تبدو… مختلفًا.
نظر إلى ثوبه:
— لأنه نظيف.
ضحكت ضحكة قصيرة:
— قصدت وجهك. أقصد… لم أرك هكذا من قبل.
لم يجب، واكتفى بإغلاق الباب خلفه. ثم قالت وهي تسبقه بخطوات:
— تعال، وعدتك أن أريك الطائفة.
سارا معًا في الممرات الحجرية. لم تكن الطائفة مجرد مبانٍ وساحات، بل كانت خلية حية؛ تلاميذ يركضون بأوراق المهام، وآخر يحمل صندوق أعشاب طازجة تفوح منها رائحة مرّة، ومجموعة تتجادل بصوت خفيض حول توزيع النقاط، بينما مر بجوارهما رجل يخرج من قاعة التدريب، وفي كتفه جرح حديث ملفوف بقطعة قماش مبللة بالدم.
بدأت الصورة تتضح لآزر. هذا ليس مكانًا يُوزع القوة مجانًا. هنا موارد تُنتزع، وترتيب يُفرض، وعمل شاق، ومنافسة لا ترحم.
وصلا إلى المكتبة الضخمة ذات الطوابق الثلاثة. وتوقف آزر أمامها لمدة أطول مما ينبغي.
— خرائط المناطق؟
— نعم، وتقنيات أساسية، وسجلات الوحوش، والوصفات.
ابتسمت يوري حين رأت الاهتمام الخفي في عينيه:
— كنت أعرف أن هذا سيعجبك.
لم يرد، وتابع السير
وفي القاعة الواسعة، جلس بين عشرات التلاميذ الجدد. ثم صعد المعلم على المنصة ووضع كتابًا أمامه.
— قبل أن تتعلموا أي تقنية، عليكم أن تفهموا شيئًا، المزارع لا يعتمد على المدد وحده، بل على الطريقة التي يجعله يسير بها داخل جسده.
— وتلك الطريقة هي ما يسمى بالتقنية.
رفع أحد التلاميذ يده:
— وهل التقنيات كلها بنفس القوة؟
— لا، تنقسم إلى اربع درجات: الأرضية، والروحية، والسماوية، والجوهر
ارتفعت همهمة خفيفة عند ذكر الأخيرة.
سأل تلميذ آخر:
— وهل يستطيع تلميذ خارجي أن يتعلم تقنية روحية؟
نظر إليه المعلم بهدوء:
— يستطيع… لكن إن أثبت أنه يستحقها. فالأرضية هي الأساس، الروحية تحتاج فهمًا أعمق، والسماوية نادرة بما يكفي لتغيير نتيجة قتال.
أما الجوهر… فلا تُحفظ كحركات، إنها تجسيد لفهم المزارع نفسه.
ثم أضاف:
— سنبدأ اليوم بتقنية أرضية بسيطة تُسمى « بصر المدد »
رسم خطًا صغيرًا تحت عينه:
— تدفعون جزءًا من المدد إلى العين، لكن ليس لزيادة حدة النظر، بل لجعل المدد المحيط بالآخرين مرئيًا.
بدأ آزر المحاولة. فشل… فشل مرة ثانية… وحتى عشرات المرات.
ثم… نجح!
تغير العالم. لم تعد الوجوه والملابس هي ما يراه، بل أصبحت الأجساد محاطة بخيوط من الضوء تختلف في كثافتها. بعضها رقيق ومهتز، بعضها متماسك، وبعضها… أثقل وأعمق، يتحرك بثبات غريب. شعر بهالته هو… هادئة، مستقرة. الاستقرار.
رفع عينيه فرأى ثلاث هالات أثقل من الباقين. أصحابها يجلسون في الطرف الأيمن من القاعة. همس:
الذروة . ثم تذكر كلام هان: في البدأ يستدعي المزارع المدد بوعي كامل، وفي الاستقرار يصبح المسار أكثر سلاسة ويقل الجهد. أما في الذروة.. فيصبح الاستخدام شبه غريزي، الجسد يحفظ الطريق من كثرة الممارسة دون توجيه.
قال المعلم:
— حسنًا، منافسة تدريبية الآن. من يتقدم؟
تبادل التلاميذ النظرات. واحد أراد النهوض وتراجع، آخر ابتسم ولم يتحرك.
تردد الجميع.
وفجأة… نهض شاب طويل ذو بنيان قوي، صاحب إحدى الهالات الثقيلة الثكلى بالغرور. استعرض خطاه بثقة واختيال أمام يوري، ثم التفت ونظر إلى آزر بنظرة استهزاء متعمّدة وهو يقف أمامه مستعرضًا قوته:
— اسمي تشو فينغ.
— أنت الجديد، أليس كذلك؟
— نعم.
— سمعت أن الشيخ لاو أدخلك استثناءً رغم انتهاء الاختبار… لذا أردت أن أرى ما الذي استحق كل هذا الاهتمام في حشرة مثلك.
رفع آزر عينيه ببرود شديد، وبدون أدنى تردد أو اهتمام، قال بصوت هادئ:
— لا.
انفجر تلاميذ القاعة بالضحك على الرفض القاطع والسريع.
تغير وجه المعلم، ونظر إلى آزر بنظرة ثقيلة ملؤها الزجر، ثم قال بنبرة حادة وصارمة:
— نحن لا نقبل الجبناء! إن رفضت التقدم بعد التحدي الصريح… تُخصم منك موارد يومين كاملين.
وفي تلك اللحظة.. التفت آزر ببطء شديد نحو الفتى المستعرض. لم يتكلم، لكن عينيه الشاحبتين تحولتا إلى هاوية مظلمة؛ انبعثت منه هالة قتل عميقة وباردة، نية كاسرة يقشعر لها أعتى العتاة!
في كسر من الثانية، شعر الفتى الشجاع ببرودة تسري في نخاعه، وقشعريرة رعب جمّدت الدماء في عروقه، وكأن ملك الموت شخصيًا وضع يده على كتفه!
قال آزر بنبرة باردة، قاطعًا الصمت السائد:
— حسناً… قَبِلت.
انطلقت الصافرة.
اندفع الشاب بمرارة محاولًا محو الرعب الذي تملكه قبل لحظات. كان أسرع وأقوى؛ سدد ضربة ثقيلة دفعت آزر ثلاثة أمتار للخلف، ثم شق جلده عند الضلع، وأتبعها بلكمة قاسية على كتفه المصاب.
انفجر الدم الحار، واشتعل الألم في جسد آزر. لم يتوقف الشاب، بل واصل تسديد ضرباته المتتالية بضراوة؛ ضربة شقت القماش عند ضلعه، وأخرى أصابت جرح كتفه القديم، لتنزف الدماء بغزارة وتتساقط قطراتها على حجارة الساحة.
اتسعت عينا يوري برعب، وصرخت بلهفة:
— آزر! جرحك!
استمر الفتى في ضربه دون رحمة، والدم يزداد انسيابًا من جسد آزر.
لم تتحمل يوري المشهد؛ فانهمرت الدموع من عينيها وصرخت وهي تبكي بصوت خنقته الكلمات:
— أوقفه يا معلم! أرجوك أوقفه!
لكن المعلم وقف يراقب بجمود.
رأى الشاب الدم يغطي آزر، فاستعاد غروره ورغبته في إهانة هذا الغريب وتدشيم عظامه. جمع المدد في سيفه وهوى به بنية شق رأسه. لمح آزر ثغرة انسياب الطاقة التلقائي في الذروة… وفي لحظة انقضاض السيف… تراجع آزر نصف خطوة، دار بجسده كالأفعى، وسحب بيده اليسرى السلاح الخفي من خلف حزامه.
ومضة فضية قاطعة في الهواء!
— آاااااااااغغغغغ!
انبثقت نافورة من الدم الأحمر القاني تلطخ حجارة الساحة! سقط الفتى على الأرض يخور كالثور المذبوح… ممسكًا بساقه التي قُطعت أوتارها عند الكاحل بضربة جراحية دموية.
اقترب آزر بخطوات ثقيلة..
ولم تكن في ملامحه الذعر… بل قسوة نابعة من الجحيم. وضع قدمه فوق وجه الفتى الصارخ، وبضغط كاسر وبشع، أخذ يدفع برأسه لأسفل… ضغط وقدمه تعصر ملحمة الوجه. حتى اخترق وجه الفتى التراب واستقر في الأرضية الحجرية يبتلع الغبار والدم المراق!
ثم… قال آزر وهو يقف بنبل بارد فوقه:
— اهدأ…
حاول الفتى الصراخ تحت حذائه وهو يختنق بالتراب والدم.
زاد آزر الضغط بلمسة صلبة كادت تكسر فكّه، ثم قال بصوت بارد يخترق القلوب:
— أنت صاخب جداً.
— أيها الملعون القذر!
اندفع المعلم كالمجنون وضرب آزر في صدره بدفعة طاقة عاتية أطارت بجسده بعيدًا، ليصطدم بالجدار الحجري ويشق القماش. سعل آزر دمًا أسود، لكنه لم يئن.
ركض المعلم نحو التلميذ المصاب يضمخ الجرح ويحاول إيقاف النزيف، ثم التفت نحو آزر وعيناه تقدحان شرارًا وغلًا:
— لم يكن مسموحًا بإحداث إصابة دائمة أو بتر! لقد تجاوزت كل الحدود!
جلس آزر ببطء مسندًا ظهره للجدار الملطخ بالدماء، ومسح الدم الصاعد من فمه بكفه، ثم أطلق ضحكة ساخرة، ببرود مستفز جعلت شعر جسد المعلم يقف:
— هاهاها، ألم تقل قبل قليل أنكم لا تقبلون الجبناء؟ إذن لماذا تدافع بإستماتة عن هذا الجبان الضعيف؟
ارتجف المعلم غيظًا:
— أنت…!
أكمل آزر بوقاحة صلبة ونبرة جافة كالسم:
— سيفه كان يندفع نحو رقبتي بنية القتل، وعندما أذقته طعم دمه أصبح فجأة ضحية تستحق حمايتك؟ طائفتكم الموقرة تضع القوانين فقط ليختبئ خلفها الضعفاء. فامثال هذا الوغد، الشديد في القول ضعيف في الفعل!
— فإن كانت هذه قوانينكم… فلتشربوا منها حتى الثمالة!
اشتد غيظ المعلم وكاد ينفجر، ثم صرخ بصوت زلزل القاعة:
— أنت… سيُرفع أمرك فورًا للشيوخ! وتُجمّد مواردك وتُمنع من المهام حتى يُقرر قطع رأسك أو طردك!
لم ينتظر آزر سماع بقية التهديدات. نهض بثبات وغطرسة، مسح نصله الملطخ بثوب الفتى الملقى على الأرض، وأعاده إلى حزامه.
نفض الغبار عن ثوبه الأزرق الممزق، واستدار ببرود تام موليًا ظهره للمعلم والمجلس بأكمله. سار بخطوات ثابتة عائدًا نحو مسكنه، غير مبالٍ بكل القرارات والتهديدات.
خلف ظهره، ساد القاعة صمت كالمقابر… كان التلاميذ يراقبون ظله المبتعد برعب دافق تجمدت معه أنفاسهم، وقد استقرت في عقولهم حقيقة واحدة مرعبة…
« أن من غادر القاعة بوقارٍ متمرد لم يكن بشرًا يرجو الأمان، بل.. شيطانًا بارد النظرات، اقتُلع الخوف من صدره وصار يرى في دمائهم المنسكبة ثمنًا بخسًا يُدفَع لضمان أنفاس غده …»