المُتَحَرِّر الفصل 35 — المُتَحَرِّر 35

اقرأ المُتَحَرِّر الفصل 35 — المُتَحَرِّر 35 باللغة العربية على مانجا تايم.

بعد ثلاثة أيام، عاد آزر ليقف مجددًا أمام بوابة الطائفة.

كان الصباح في بدايته، والضباب الخفيف يغلف الجبال المحيطة. انحدرت مياه الشلال بقوة لتتكسر على الجدران الحجرية الداكنة، ثم تناثر رذاذها البارد في الهواء. ومن حوله، كان التلاميذ يدخلون من البوابة في مجموعات، يرتدون عباءات الطائفة الزرقاء، ويتبادلون الأحاديث والضحكات بثقة تامة.

بحث آزر بعينيه وسط الزحام قليلاً، حتى وجدها.

كانت يوري تقف على جانب الطريق. ملامحها الناعمة وبشرتها الفاتحة كانت تبدو غريبة وسط هذا المكان القاسي. لم يختفِ الخوف تمامًا من عينيها الواسعتين بعد ما حدث في الوادي.

ولكن بمجرد أن رأته، ظهرت ابتسامة خفيفة على شفتيها، وتوردت وجنتاها بحمرة خجولة. لم تستطع منع نفسها من التأمل في ملامحه الشاحبة والغامضة؛ كان هدوؤه يحمل جاذبية موحشة لا يمكن تجاهلها.

وبجوارها، وقف رجل في أواخر أربعينياته. كان عريض المنكبين، يتخلل الشيب شعره الأسود عند الصدغين. ولم تكن ملامحه قاسية، لكنه كان يملك ذلك الهدوء الثقيل للرجال الذين لا يكررون كلامهم مرتين.

وحين اقترب آزر، لم يتحرك الرجل. فقط مسحه بنظرة هادئة من رأسه حتى حذائه الممزق. وظل صامتًا.

قالت يوري بصوت ناعم يخفي ارتباكها:

— لقد جئت…

أومأ آزر ببرود:

— نعم.

اتسعت ابتسامتها قليلًا، وأخفضت عينيها بخجل:

— لم أكن متأكدة أنك ستعود.

— لقد قلتِ ثلاثة أيام، وأنا هنا.

ابتسمت بخفة. أما الرجل المجاور لها فلم يتغير تعبير وجهه.. ثم قال أخيرًا بنبرة عميقة:

— أنا لاو.

لم يقل أكثر من ذلك. فهم آزر أنه والدها وأحد شيوخ الطائفة. مد لاو يده وصافحه. كانت قبضته باردة، جامدة، وكأنه يؤدي واجبًا ثقيلًا.

— لو لم تنقذ ابنتي في الوادي، لما سمحت لك بالوقوف هنا الآن.

لم تتغير ملامح آزر.

— أعرف.

ضاقت عينا لاو قليلًا. كان يتوقع من فتى في مثل حالته أن يرتبك، أو يشكره على هذه الفرصة، لكن آزر لم يفعل.

تابع لاو بجمود:

— وجدنا بقايا يوتو في عمق الوادي.

اختفت الابتسامة من وجه يوري فورًا. وببطء… نظرت إلى الأرض، وقبضت بيديها المرتجفتين على طرف عباءتها.

— هل… وجدتم كل شيء؟

أجاب والدها بصرامة:

— ما يكفي لنعرف أنه لم يخرج من هناك.

سالت الدموع من عيني يوري. حاولت حبسها لكنها فشلت، فمسحت وجهها بسرعة وأدارت رأسها للجهة الأخرى حتى لا يرى آزر ضعفها.

تابع لاو موجهاً كلامه لابنته:

— خروجك مع يوتو دون إذن كان حماقة، وبسبب ذلك، تم تخفيض حصتك من موارد الأسبوع، وواجباتك لمدة سبعة أيام.

اتسعت عيناها بصدمة:

— سبعة أيام؟

نظر إليها والدها بحزم:

— هل كنتِ تفضلين سبعة أسابيع؟

سكتت الفتاة وتمتمت بصوت خافت:

— لا.

عاد لاو بنظره إلى آزر وقال:

— على كل حال… شكرًا لك.

كانت كلمة بسيطة، ولكنها خرجت صادقة.

ثم أضاف:

— لا أستطيع إدخالك إلى الطائفة مباشرة، فالقوانين لا تسمح بذلك، ولكنني سأسمح لك بخوض اختبارات القبول اليوم، رغم انتهائها.

رفع آزر عينيه إليه:

— وما هي هذه الاختبارات؟

أشار له لاو ليتبعه نحو الساحة الداخلية. ثم قال وهو يمشي:

— ثلاثة اختبارات. وكل واحد يقيس شيئًا مختلفًا. لكن أولًا، يجب أن تفهم ثلاثة أشياء.

— ما هي؟

بدايةً، الموهبة ليست مقدار شعورك بالمدد في الهواء.

راقب آزر وجهه باهتمام:

— إذن ماذا؟

التقط لاو حصاة صغيرة من الأرض وقال:

— الموهبة هي قابلية الاستيعاب. تخيل أن عشرة أجزاء من المدد تحيط بك. وبعض الأشخاص يستطيع جسدهم امتصاص ثمانية أجزاء منها وتحويلها لقوة، وأشخاص آخرون لا يمتص جسدهم سوى جزء أو جزأين فقط. هذا الفرق هو ما يحدد سرعة المزارع في التطور ويصبح مفيدا في القتالات.

فهم آزر المعنى. الإحساس بالمدد شيء، وقدرة الجسد على امتصاصه شيء آخر تمامًا.

أضاف لاو:

— ثانيا السعة، وهي حجم الوعاء داخل جسدك، وتزداد مع تقدمك.

وأخيرًا السيطرة… وهي المهارة التي تحكم بها طاقتك، وبسببها.. أنت تبدو كشخص لم يتعلم شيئًا بعد.

أومأ آزر، وتابع لاو:

— وصلنا.

لم تكن الاختبارات في قاعة فخمة، بل في ساحة حجرية مفتوحة أسفل الجبل. كان هناك عشرات الشبان ينتظرون دورهم، ومعظمهم يرتدون ملابس جيدة ويتفاخرون بأسلحتهم.

وعندما دخل آزر الساحة برفقة الشيخ لاو، توقفت بعض الأحاديث. ملابسه الممزقة، الدماء الجافة عليها، ووجهه الشاحب، جعلته يبدو كمتشرد دخل بالخطأ إلى قصر.

اقترب أحد المشرفين من حجر الاختبار الأول. كان حجرًا شفافًا بداخله خيط أزرق رفيع يشبه الدخان. ثم قال بحزم:

— ضع يدك، ودع جسدك يمتص المدد بشكل طبيعي، ولا تجبره.

وضع آزر يده وأغمض عينيه. شعر بالمدد يحيط به كتيار خفي، فحاول سحبه إلى جسده، لكن الاستجابة كانت بطيئة جدًا.

مرت لحظات.. وبدأ الخيط الأزرق يضيء داخل الحجر، لكنه كان ضوءًا باهتًا وضعيفًا.

تعالت همسات السخرية من الشبان خلفه.

— هاهاها انظروا إلى هذا المتسول! موهبته شبه معدومة.

— بهذه النسبة؟ سيحتاج عشرين سنة ليتقدم خطوة واحدة!

فتح آزر عينيه ببرود، ولم يهتم لضحكاتهم. ثم قال المشرف بملل:

— كفى، نتيجة ضعيفة. انتقل للثاني.

الاختبار الثاني كان قرصًا حجريًا محفورًا عليه مسارات دقيقة. تابع المشرف:

— أولًا مرر المدد في المسار الأول، ثم الثاني، وأعده لنقطة البداية. ولو خرجت عن المسار، تفشل.

أرسل آزر طاقته. وفي البداية تحركت بسلاسة، لكن فجأة.. نغزه ألم حاد في جرح خاصرته. ارتجفت يده، فانحرف المدد عن المسار وتلاشى.

ضحك الشبان مجددًا.

أخذ آزر نفسًا عميقًا ثم أعاد المحاولة. وصل أبعد هذه المرة، ولكن سيطرته خانته في النهاية، فخرجت الطاقة مجددًا.

أعلن المشرف ببرود:

— بالكاد نجحت.. وسيطرتك سيئة.

كان آزر يدرك الحقيقة الآن: جسده بطيء في الاستيعاب، وسيطرته ضعيفة. لكنه لم يأتِ إلى هنا لأجل أن يعتمد على الموهبة الطبيعية. لقد كان يعرف بالفعل منذ ان كان في طائفة السحابة الشمالية أن موهبته سيئة، ولكنه لم يكن يعرف أنها سيئة الى هذا الحد.

وأخيرا، الاختبار الثالث.

جرف حجري عمودي تقريبًا، تصطدم به مياه الشلال بقوة من الأعلى، وفي وسطه طريق ضيق من الدرجات الصخرية الزلقة.

قال لاو:

— عليك الصعود حتى القمة وتلمس الجرس، وكلما صعدت، زاد ضغط المدد على جسدك ليسحقك. وإذا سقطت، تعيد من البداية، وإذا استسلمت… تفشل.

بدأ آزر الصعود.

كانت الدرجات الأولى محتملة، لكن مع تقدمه، بدأ الضغط يزداد. شعر بثقل رهيب يضغط على صدره وساقيه.

آلمته جروحه القديمة، ومع اقترابه من المنتصف، انزلقت قدمه المبللة.

هوى آزر للأسفل، وارتطم بالصخور ثم تدحرج حتى سقط على الأرض بقوة. نزف جرح كتفه، وشعر بطعم الدم في فمه.

سمع ضحكة عالية من الخلف:

— هل سيبكي الآن ويعود إلى الشارع؟

لم ينظر آزر إليهم، مسح الدم عن فمه، ونهض بصمت، ثم صعد للمرة الثانية.

وهذه المرة تحمل ضغطًا أكبر. شعر وكأن عظامه تعتصر، ورؤيته بدأت تتشوش.

انزلقت يده، وسقط مجددًا. ارتطم ارتطاما عنيفا جعله يستلقي على الأرض. وللحظات… ظل يسمع فقط صوت أنفاسه المتقطعة وضربات قلبه السريعة.

ظن الجميع أنه سيستسلم.

لكنه وضع يده الملطخة بالدم على الصخر، ونهض ببطء.

بدأ الصعود للمرة الثالثة. ولم يكن أسرع، لكنه كان يملك إصرارًا مرعبًا.

توقفت الضحكات في الساحة، وكانوا ينظرون إلى فتى يتقيأ الدم، وتكاد ساقه تنهار، لكنه يرفض التوقف.

وعند الدرجات الأخيرة، كاد يسقط. مد يده وغرس أصابعه الدامية في حافة الصخر، ثم تمسك بها بعناد، ورفع جسده المنهك. درجة… ثم أخرى.

حتى وصل أخيرا إلى القمة. مد يده المرتجفة وضرب الجرس.

رنّ صوته بوضوح فوق صوت الشلال.

نزل آزر بصعوبة، ويترنح مع كل خطوة..

نظر إليه المشرف وقال بصوت خالٍ من السخرية هذه المرة:

— نجح.

لم يصفق أحد. ولكن الهدوء التام في الساحة كان كافيًا.

وفي نهاية اليوم، عُلقت قائمة بأسماء المقبولين وترتيبهم.

بدأ الشبان يبحثون عن أسمائهم بحماس، حتى وصلت القائمة إلى نهايتها. حيث كُتب:

آزر — المركز الأخير.

نظر آزر إلى اسمه، ولم يشعر بالضيق. فقط فكرة واحدة كانت تدور في رأسه: المركز الأخير… لكنني في الداخل.

اقترب منه الشيخ لاو وقال بهدوء:

— لا تفرح كثيرًا بنجاحك، المركز الأخير يعني أنك ستحصل على أقل الموارد، وأصعب المهمات، ولن يلتفت إليك المعلمون.

توقف لاو للحظة، ثم نظر إلى آزر بعمق أكبر:

— لكنك وصلت بالفعل إلى مرحلة استقرار اليقظة.

رفع آزر عينيه باستغراب:

— كيف عرفت؟

— هالتك واضحة لمن يعرف أين ينظر.

سأل آزر:

— كيف وصلت لها وأنا لا أملك أي تقنية للزراعة؟

أجابه لاو باهتمام:

— لأنك قاتلت حتى حافة الموت. فكل معركة خضتها حتى الآن جعلت جسدك يفهم كيف يستخدم المدد لكي ينجو.

والزراعة ليست مجرد حفظ للنصوص، بل هي مزيج بين الممارسة الشاقة والفهم، وأنت… أجبرت جسدك على الفهم من خلال الألم.

أزاح لاو عينيه عن لوحة النتائج، وقال بنبرة جافة:

— موهبتك بالفعل مثيرة للشفقة… ولكنها ليست أسوأ ما رأيت.

سأل آزر ببرود:

— وما هو الأسوأ؟

— أحمق وُلد بموهبة، فظنّ أن العالم كله سيركع له.

خفض أزر بصره نحو كفه المكسوة بالدماء الميتة، وتذكر يده القديمة التي كانت ترتجف عجزًا أمام الخطر.

أما الآن؟ فنبضه مستقر كيقين الموت.

— ألم أخبرك أنك ستُقبل؟

جاءه صوت يوري من خلفه، التفت إليها ليرى ابتسامتها الدافئة المناقضة للحزن المكتوم في عينيها.

طالعها للحظة بعينين خاليتين من المشاعر.. ثم أدار ظهره. شاخصًا بنظره نحو بوابات الطائفة الشاهقة كفم وحشٍ يستعد لابتلاعه.

وخطا نحو الداخل بثبات… لم يعد ذلك المنبوذ القابع خارج الأسوار.

نعم، هو في المركز الأخير، منهكٌ ولا يملك شيئًا… لكن القيد كُسر، والبوابة شُرعت.

وفي الدرك الأسفل من العالم، تتلاشى الهشاشة ليحل محلها ثباتٌ موحش؛

لم يكن صعوده صراخًا ولا انتقامًا، بل حقيقةً باردة كالصلب… مسارٌ نبيل لا يرثى لضعف الآخرين، ولا يرى في العلياء سوى مستقره المحتوم..