ظل آزر واقفًا أمام بوابة الطائفة.
صوت الشلال المنحدر من الجبل يطغى على كل شيء، ورذاذه المستمر يغسل الجدران الحجرية الداكنة. كان المارة يفسحون الطريق بانحناءات خفيفة ومحترمة كلما مرّ تلميذ بعباءة الطائفة، وكأن الهواء الذي يتنفسونه هنا.. ملك خالص لأصحاب العباءات الزرقاء.
لكن آزر لم يزعجه هذا الاستعراض المتعالي، لكن ما أزعجه حقًا هو حقيقة وقوفه في الخارج، عاجزًا، ولا يملك وسيلة للدخول.
لاحظه أحد الحراس. اقترب بخطوات متمهلة، وتفحصه من شعره المغبر المتشابك إلى حذائه الممزق. تجعد أنف الحارس قليلًا، وكأنه كان يشم رائحة الفقر والوحل تنبعث منه. نظر إليه بتعالٍ مختلط بالضجر، كنظرة سيد إلى متسول يفسد عليه منظر البوابة.
— ماذا تريد يا هذا؟
أجاب آزر بهدوء، متجاهلًا النظرة:
— أريد التسجيل كتلميذ خارجي.
أفلتت من الحارس ضحكة ساخرة، ضحكة خشنة لرجل اعتاد تحطيم آمال الحالمين السذج.
— هاهاها التسجيل؟ الاختبارات انتهت منذ أسبوع. عُد بعد ثلاثة أشهر، هذا.. إن بقيت حيًا حتى ذلك الوقت.
لم يتحرك آزر. تطلع إليه الحارس بضيق، وقد بدأ يفقد صبره.
— هل أنت أصم أم غبي؟ قلت لك لا يوجد مكان لك هنا.
— ألا توجد طريقة أخرى؟
تنهد الحارس بقلة حيلة مستفزة، وأشار بطرف رمحه نحو ثياب آزر الملطخة بوحل الطريق والدماء قديمة.
— انظر لنفسك أولًا! ابحث عن ثوب لا يجعلك تبدو كجثة نُبشت للتو! وثانيًا… الطائفة لا تستثني أحدًا إلا لو كان يملك من القوة والمال ما يجبرها على النظر إليه. وأنت… أنت لا تملك شيئًا سوى القرف.
— لذا اغرب عن وجهي ايها الحثالة!
استدار الحارس وعاد إلى موقعه، نافضًا يده وكأنه يطرد ذبابة.
لم يغضب آزر، فالكرامة المجروحة رفاهية لا يملكها. رفض الحارس لم يكن إهانة شخصية، بل حقيقة عالمية باردة: هو لا يملك قيمة هنا.
ابتعد عن البوابة بخطوات صامتة، ثم جلس تحت ظل شجرة بعيدة، وأخرج الكتاب الذي أخذه من الطائفة السابقة.
تحدثت الصفحات عن المناطق التسع للعالم، وهو الآن في المنطقة التاسعة، الأفقر في كثافة المدد. توقف إصبعه عند سطر بعينه:
"ولا يستطيع المزارع العبور إلى المنطقة الثامنة إلا بعد بلوغ مرحلة التكوين على الأقل، وإلا… مزق ضغط المدد جسده."
أغلق الكتاب ببطء. حاجز جسدي إذن.. ولكن ما أثار حنقه حقا. هو أن الكتاب لم يذكر كيف يتم العبور أو أين تقع تلك المناطق.
كالعادة، إجابة واحدة تفتح بابًا لأسئلة أكبر وأكثر تعقيدًا.
أسند رأسه إلى جذع الشجرة الخشن، وعاد إليه السؤال الذي ينهش عقله منذ أيام:
لماذا تركه هان يرحل بتلك السهولة؟
رتب المعطيات في رأسه: ريو اختفى، الحجر لم يعد له فائدة، وسجلات الطريق السري سُرقت. أما موهبته… فهي لا تشفع له.
ابتسم آزر بمرارة جافة. لم يعتقه هان بدافع الشفقة، بل لأنه ببساطة فقد قيمته. لم يعد حتى بيدقًا يستحق عناء التحطيم، بل مجرد ورقة محترقة أُلقيت في الريح.
وفي تلك اللحظة، التقطت عيناه حركة مريبة على الطريق. شاب وفتاة يرتديان عباءات طائفة النهر العميق، يتلفتان بحذر قبل أن يتجها سرًا نحو الممرات الشرقية الجبلية الوعرة.
أعاد آزر الكتاب إلى حقيبته ونهض.
لم يتبعهما بدافع الفضول، لكن لأنهما يملكان ما يفتقر إليه:
الانتماء والموارد… وحيث يذهب تلاميذ الطائفة خلسة، توجد دائمًا فرصة.
قاده التتبع إلى وادي الأنياب. غابة سوداء موحشة يغطيها ضباب أخضر شاحب، وتفوح من بين أشجارها رائحة الدم المتعفن والرطوبة.
توارى آزر خلف صخرة بمهارة، ثم ركعت الفتاة تتفحص الأرض بتركيز، بينما وقف الشاب مستندًا على سيفه، يحاول ادعاء الثقة.
— إذا كان هذا أثرًا لحيوان عادي، فأنتِ من سيدفع ثمن طعام الليلة يا يوري.
أشارت بضيق إلى خدوش عميقة مزقت لحاء شجرة قريبة.
— مخالب بهذا الحجم؟ مستحيل يوتو، هما اثنان على الأقل.
— حسنًا إذن، فالنجد هذين الوغدين وننتزع أنيابهما!
تراجع آزر بهدوء، وعيناه تمسحان المكان. لاحظ اتجاه الريح المندفع نحو عمق الوادي.. وعلى بُعد خطوات، وجد جثة غزال صغير مزقتها الوحوش حديثًا.
لم يتردد. سحب سكينه وشق بطن الغزال متجاهلًا لزوجة الدماء، ثم سحب الجثة في قوس واسع عكس اتجاه الريح، ليصنع مسارًا خفيًا يطوق التلميذين ويدفع أي وحش جائع نحوهما مباشرة.
ترك الجثة، ثم تسلق صخرة عالية بحذر. وهناك، في الأعلى، أخرج من جيبه حجرًا رماديًا صغيرًا، أملس وحاد الحواف، وزنه في يده للحظة، ثم انتظر..
لم يمر وقت طويل.. حتى شق زئير خشن يحمل جوعًا بدائيًا سكون الغابة.
توقف يوتو ويوري فجأة، ثم تلاه زئير ثانٍ، وثالث، ورابع.
خرجت الظلال من بين الضباب الكثيف. خمسة ذئاب جبلية ضخمة، عيونها الصفراء تلمع بشراسة.
— خمسة؟!
صرخ يوتو وتراجع خطوة لا إرادية.
رفعت يوري قوسها، ويدها ترتجف بوضوح.
— هذا… هذا مستحيل…
فوق الصخرة، راقب آزر بصمت.. كان قد راهن على استدراج قطيع كامل، وقد نجح!
بدأ القتال بيأس. أطلقت يوري سهمًا اخترق كتف ذئب، فاندفع يوتو يشق طريقه بسيفه محاولًا حمايتها بجسده. تلقى ضربة عنيفة أسقطته أرضًا، فصرخت يوري وأطلقت سهمًا آخر أسقط أحد الوحوش.
نهض يوتو بصعوبة، يلهث والدم يغطي وجهه.
نظر إلى الوحوش الأربعة، ثم إلى يوري… وأتخذ قراره.
— يوري!
صرخ بصوت مبحوح:
— عندما أفتح الثغرة… اركضي!
— ماذا؟ لن أتركك! صرخت والدموع تملأ عينيها.
— لا تجادلي بحق الجحيم! اركضي!
اندفع يوتو نحو الذئاب بصرخة انتحارية! تلقى مخلبًا غاص في ذراعه، لكنه دفع سيفه في صدر أقرب وحش، صانعًا فجوة.
— الآن!!
مرت يوري من الثغرة، وركضت نحو أطراف الغابة، تبكي دون أن تجرؤ على الالتفات.
تراجع يوتو خطوتين وهو يلهث بعنف.
لكنه نجا.. لقد اجتاز الالتحام الأول المميت.
لمعت الثغرة أمامه كنسيمِ حياة، ثم استدار بخفة وانطلق راكضًا بكل ما أوتي من قوة. تضرب قدمه الأرض بنسقٍ متسارع، ومع كل متر يقطعه كانت برودة الخوف تتلاشى، ليتسلل بدلاً منها دفء غريب يسري في عروقه.. دفء الحرية.
اقترب من المخرج، واتسعت عيناه بشرارة أمل أضاءت ظلمات صدره. شقت شفتيه ابتسامة صادقة رغماً عنه، واجتاحته موجة طغى فيها الفرح على التعب، وكأن قدميه لم تعودا تلمسان الأرض. بل… كان يركض نحو النور، يشهق الهواء بعمق، ويعانق الحياة من جديد.
لكن في تلك اللحظة… شق الهواء صوت حاد كصفير الموت.
لم يرَ يوتو سوى ومضة رمادية خاطفة انطلقت من الأعلى. تجمد في مكانه، متصلبًا.
خفض عينيه ببطء… ليرى ثقبًا ينزف بغزارة في صدره، وشيئًا صلبًا استقر بين ضلوعه.
سقط على ركبتيه، وقبل أن يستوعب من أين جاءته الضربة، انقضت عليه الوحوش الثلاثة.
وفوق الصخرة.. كانت يد آزر لا تزال ممدودة في الهواء، خفضها ببطء، وعيناه لا تحملان ذرة ندم.
وحشان من القطيع تجاهلا جثة يوتو وانطلقا بجنون خلف يوري.
كان هذا هو الوقت المناسب.
سمعت يوري الزمجرة تقترب خلفها، ثم تعثرت وسقطت بقوة على وجهها. استدارت برعب.. لترى فك الوحش ينقض عليها… وقبل أن تنغرز الأنياب، اندفع ظل أسود من الجانب وارتطم بالوحش بقوة أطاحت به!
نهض آزر فورًا. انقض الوحش مجددًا، فتفادى آزر الفك، ولكن المخالب مزقت كتفه.
ألم حارق اجتاحه. لكنه كبح صرخته، واندفع للأمام غارسًا سكينه بكل قوته في حلق الوحش.
لكن الوحش الثاني هجم من الخلف وغرز أنيابه في خاصرة آزر. سقط آزر على ركبة واحدة متأوهًا، وبيده الملطخة بالدم، ضرب عين الوحش ليعميه، وبيده الأخرى طعن عنقه مرارًا وتكرارًا. حتى انكسر نصل السكين داخل اللحم… وسكن الوحش.
ظل آزر راكعًا يلهث بعنف، والدم الحار يقطر من جراحه. ولم يكن الألم مصطنعًا، لقد جازف حقًا لتبدو مسرحيته حقيقية.
رفعت يوري رأسها من الأرض، تنظر إليه بذهول. كان الدم يقطر من شعره الأسود ويبدو خطيرا.. لكن رغم الفوضى والوحل، تسمرت عيناها على ملامحه.
كان وجهه شاحبًا ومنحوتًا بقسوة، لكنه امتلك جمالًا موحشًا، غامضًا، وكأنه لا ينتمي لهذا العالم. خصلاته البيضاء المتناثرة زادته هيبة، وعيناه الداكنتان كانتا تحملان سكونًا عميقًا.
شعرت يوري بحرارة مفاجئة تسري في وجهها، واحمرت وجنتاها رغم الرعب الذي عاشته للتو؛ كان مزيجًا من الانبهار بصبي وسيم ظهر من العدم لينقذها، والامتنان الأعمى.
ثم سألت بصوت مهزوز وناعم، وعيناها لا تفارقان وجهه:
— هل أنت… من الطائفة؟
استدعى آزر قناعه، وببراعة شيطانية، أخفى برودته خلف نظرة متعبة، ثم هز رأسه نفيًا ببطء شديد، وكأنه بطل أثقلته جراحه.
— شكرًا لك…
قالتها يوري وهي تبتلع ريقها، وتنظر بخوف نحو طريق الغابة المظلم، متمسكة بأمل زائف.
— يوتو سيكون هنا في أي لحظة، لقد كان خلفي تمامًا…
نظر إليها آزر بعينين حملتا الشفقة، ولم يقل شيئًا لكسر أملها.
— لا داعي للشكر، قالها بنبرة خفيضة، زادت من تأثرها به.
أخرجت كيسًا صغيرًا من النقود الفضية ومدته إليه.
— لقد أنقذت حياتي… خذ هذا أرجوك.
أبعد آزر يدها بلطف.
— قلت لكِ، لا أحتاجه.
ترددت، وازدادت حمرتها وهي تتأمل ثيابه الرثة. ثم… أشرق في عينيها بريق فكرة.
— إذن… أبي هو الشيخ لاو في طائفة النهر العميق. يمكنني أن أطلب منه التوصية بك لدخول الطائفة، لقد رأيت كيف تقاتل… بل كيف أنقذتني.
ستُقبل بالتأكيد.
باغتت تلك المفاجأة السارة أزر لتربك حساباته
كانت حساباته أبسط من ذلك بكثير؛ غايةٌ لا تتجاوز نهب مواردهم، واعتصار كل ما يمكن جنيه من غنائم، بل إن نصل الغدر كان متأهباً بالفعل لشق طريق الدم وإنهاء حياتها ببرود تام!
ولكن وسط هذه العتمة، اصطدمت خطته بمفاجأة سارة.. جاءه الحظ بغتة، كهديةٍ سوداوية أربكت يد الجزار وألغت حاجته للدم.
ثم أجاب بتواضع متقن حد الكمال:
— سأفكر في الأمر.
ابتسمت يوري براحة وإعجاب.
— بعد ثلاثة أيام… سأنتظرك أمام بوابة الطائفة.
مضت نحو الطريق الآمن.. تلتفت كل بضع خطوات لتختلس النظر إليه. وبينما تنادي على يوتو بصوت خافت، راقبها آزر حتى اختفت تمامًا.
وما إن غابت عن ناظريه، حتى سقط القناع.
تلاشت نظرة البطل المنهك، وحل مكانها صقيع خانق. استدار وعاد بخطوات هادئة، غير عابئ بجراحه، نحو عمق الوادي.
كانت الذئاب قد رحلت. انحنى آزر بجوار جثة يوتو الممزقة التي فقدت ملامحها البشرية.
ثم.. مد يده بثبات، وسحب الشيء الذي اخترق صدر الفتى.
كان الحجر الرمادي الأملس. السلاح الذي أطلقه لينهي حياة الفتى قبل أن ينجو.
ولم تكن خطته أبدًا أن يتركه يعيش، لم يكن هناك متسع لمنقذَين في هذه المسرحية.
لو نجا يوتو، لكانت يوري مدينة لهما، وربما كان الفتى سيكشف تلاعب آزر بالبيئة. وايضا لأن الموتى وحدهم لا يشاركونك الجائزة.
أخرج آزر قطعة قماش، مسح دماء يوتو عن الحجر ببرود تام، ودسه في حقيبته. ثم نقل نظره إلى كيس النقود الغارق في بركة الدم. التقطه دون ذرة تردد، ودسه في جيبه.
تجرّد آزر من ثقل المعركة، وانتصب واقفًا وسط الخراب.
رفع وجهه الملطخ بالدماء نحو سماءٍ تختنق بسحبٍ بلون الجثث، سماءٍ باردة.. لا تكترث أبدًا لمن يُذبح على أرضها.
ثم خفض بصره ببطء، ملقيًا نظرةً أخيرة على بقايا الفتى المهروسة في الوحل عند قدميه.
وفي وسط رائحة الموت الصارخة، تمتم بصوتٍ أجش يمزق صمت الوادي:
«في ساحات الهلاك هذه، بقاؤك حيًا ليس وسام شرفٍ لقوتك أو بأسك… أنت تتنفس الآن، فقط لأن منجل الموت وجد حنجرةً أخرى يمزقها ليُشبع نهمه بدلاً منك»
أدار ظهره للمذبحة، ومضى بخطىً ثقيلة تبتلعها أحشاء الضباب الكثيف.
ساحبًا سيفه خلفه، وظل دمه الحار يعانق دماء الوحوش، تقاطر من نصله المسلول ببطءٍ مرعب، ليعمّد تراب الوادي الملعون بقداسٍ من الموت، تاركًا خلفه دماءً تدق طبول نهايةٍ لم يشهد عليها سوى الغربان..