— أفلتيني أيتها اللعينة!
صرخ كايو، ولم يدرِ إن كان الصوت يمزق حنجرته أم ينبعث من قاع رعبه.
كانت اليد السوداء تعتصر صدره كجليد خانق. قاوم، ضرب، وشد جسده للخلف بكل قوته، لكنها لم تكن يدًا عادية، بل كابوسًا متجسدًا لا يتأثر ولا يتراجع.
— قلت اتركيني!
وفي رمشة عين… ابتلعه الظلام.
لا نور، لا أصوات من القرية، ولا حتى إحساس بوزنه. سقط في فراغ لا ينتهي، وكأنه ريشة في قلب هاوية.
ثم… ارتطم بقسوة.
سعل الهواء من رئتيه بصعوبة وفتح عينيه لاهثًا. لم يكن هناك سماء ولا أرض، بل ساحة حجرية سوداء تسبح في سديم أزرق قاتم. أعمدة محطمة تتناثر في الأرجاء، وفي الأعلى نجوم باهتة كأنها بقايا عالم مات منذ زمن بعيد.
وقف يرتجف، وابتلع ريقه.
— أين أنا…؟
لم يجبه سوى صوت احتكاك خشن زلزل الصخر تحت قدميه.
— اخفض صوتك، أيها الفتى الوغد.
تجمد كايو. ثم استدار ببطء لتتسع عيناه برعب نقي. من بين ظلال الأعمدة، تحرك جبل من اللحم والجلد المتقشر. لم يركز كايو في تفاصيله، فقد سلبته عين ذهبية وحيدة، عملاقة وساكنة، كل قدرة على التفكير. كانت قد أخترقت روحه بلا رحمة.
— لا تصرخ.
تراجع كايو غريزيا، رافعًا سيفه المرتجف حائلًا بينه وبين الموت.
— أنت… ما أنت؟
صدر من الكائن ضحكة خشنة اهتز لها الفراغ.
— سؤال جيد، ولكنه ليس الأهم. ضَع سيفك، لم أطلب قدومك لأقتلك… فالواقع لقد كنت أنتظرك.
توقفت أنفاس كايو.
— تنتظرني؟
— منذ زمن طويل، أخيرًا وصلت… أيها الوريث الأخير لعشيرة اللهب الخالد.
ساد صمت ثقيل.. قطعه كايو بضحكة جافة، مريرة وخالية من أي بهجة.
— أنا؟ وريث؟ أظنك تهذي، أنا لا أعرف حتى اسم هذه العشيرة.
— لكن دمك يعرف.. أنت هو آخر قطرة نقية بقيت منهم.
تلاشت ابتسامة كايو، مشهد الدماء في ساحة القرية، جثث من أحبهم، واليد السوداء… كل ذلك قد اجتاح عقله ليبتلع الغضبُ خوفه.
— وما نفع دمي؟! قريتي ذُبحت! كيف جئت إلى هنا؟ ولماذا قتلتموهم؟!
لم يتحرك الكائن، ولكن صوته أصبح أثقل.
— أنا لم أقتلهم. "الطريق" هو من فعل، أهل قريتك حملوا خطيئة أجدادهم الخونة، وحين فُتح الحاجز… كانوا ببساطة في المكان الخطأ.
صرخ كايو، وعيناه تحترقان بدموع العجز والقهر:
— لم يكونوا خونة! كانوا أطفالًا ونساءً ورجالًا لا يعرفون شيئًا عن هراء عشيرتك! ماتوا أمامي… كانوا عائلتي! فلا تخبرني أن ذنبًا عتيقًا يستحق دمائهم!
نظر إليه الكائن طويلًا.. ثم لانت نبرته قليلًا.
— إذن ما زلت تحبهم. على الرغم من أنك لا تنتمي إليهم، لكن سلفك كان يعلم أن العشائر تُباد، فترك إرثه منقسمًا… لمن يستحقه حقًا.
مسح كايو عينيه بظهر يده، وسأل بحدة:
— وأنا؟
— راقبتك، وسمعتني، لكن…
صمت الكائن، واستمر كأن الكلمات تخرج بصعوبة.
— الحجر… كان مخصصًا لك، لكنه استيقظ… واختار شخصًا آخر.
اتسعت عينا كايو، جائت صورة آزر… والحجر الرمادي في يده… التوهج الدامي والحرارة الغريبة. كل شيء ترابط في عقله فجأة! اليد السوداء، مراقبة الطائفة، اهتمام ريو… كل ذلك كان من أجل الحجر الذي استجاب لآزر، وليس له!
عض كايو شفته حتى أدميت، وغصة تُمزق حلقه.
— ماذا عن أصدقائي… رين؟ شين؟ واليد السوداء التي أخذتهم؟ وهل شين حي؟
أجاب الكائن بصوت خافت بدأ يتلاشى في العتمة:
— ستعرف… عندما تصل. أما الآن… فقد انتهى الكلام.
— انتظر!
لكن الكائن ذاب في الظلام وكأنه لم يكن. وبدلًا منه… التمعت خمس نقاط ذهبية في العتمة الشاملة.
زمجرة مألوفة، أنفاس ثقيلة، ومخالب تخدش الصخر.
إنها وحوش الجبل الشرقي، ولكنها هذه المرة… خمسة.
تردد صدى صوت الكائن من العدم:
— بدأت المحاكمة .
لم يكن هناك وقت للتفكير، انقض الأول. رفع كايو ذراعه فتلقى صدمة أطاحت به أرضًا. تدحرج لينجو من الثاني، فمزق الثالث كتفه.
في اليوم الأول، لم يقاتل… كان يُطحن. نام في بركة من دمائه، وأنفاس الوحوش تلفح وجهه ككابوس حي.
في اليوم الثاني، توقف عن الخوف وبدأ يراقب. حفظ حركتهم، وتجنب الموت بشعرة، لكنه نال جرحًا جديدًا فوق جراحه النازفة.
في اليوم الثالث، تملكه اليأس والغضب، وبصرخة وحشية، غرس سيفه في عنق أحدهم. جلس بجوار الجثة يلهث، ولم يشعر بانتصار، بل بفراغ وإرهاق يسحق عظامه.
ثم في اليوم الرابع، تعلم الرقص مع الموت. استخدم ثقل جسد وحش ليعيق الآخر، قتل اثنين، لكن ذراعه اليسرى باتت شبه مشلولة واللحم يرفض أن يلتئم.
وفي اليوم الخامس… اختفى الفتى الخائف. صار كايو آلة غريزية، عرف متى يهاجمون، ومتى يصمتون قبل القفز.
ثم حصد أرواح الثلاثة المتبقين في تناغم وحشي وصمت بارد.
سقط الوحش الأخير، وترنح كايو. هوى على ركبتيه، ثم نظر إلى يديه الملطختين بالدماء وضحك. ضحكة مجنونة، مبحوحة ومكسورة.. لم يصبح بطلًا… لقد نجح فقط في ألا يموت.
وفجأة.. تغير المكان.
جفت الدماء واختفت الجثث. السديم الأزرق تحول إلى ظلام خانق وثقيل كالرصاص. رفع كايو رأسه بصعوبة. وأمامه.. ظهر كائن شيطاني أسود. قرنان غير متماثلين يشقان جبهته، وجسد كأنه منحوت من رماد مشتعل. عين وحيدة ترتكز عليه ببرود، وكأن وجوده وحده كان يسحب الهواء من الرئتين.
ثم قال الكائن بصوت يشبه احتراق العظام:
— لقد انتهيت من القمامة.
مد يده الضخمة نحوه، ثم أضاف بهدوء مرعب:
— الآن… اقتلني !
وعلى الجانب الآخر من العالم، وتحت سماء حقيقية.
صرير عجلات خشبية يقطع هدوء طريق ترابي. رفع آزر رأسه، والغبار يغطي ملامحه المتعبة، لكن عينيه كانتا صافيتين، ومظلمتين.
أمامه، ارتفعت لافتة صخرية مهيبة نُحتت بحروف تشع بالهيبة:
طائفة النهر العميق .
بوابات هائلة، شلال يزأر من قمة الجبل، وهيبة تبتلع من يقف أمامها. نزل آزر، وتأمل يده.. اليد التي قتلت تشاو، اليد التي أمسكت الحجر، وهي نفس اليد التي وقفت عاجزة تمامًا حين كان والداه يلفظان أنفاسهما الأخيرة.
ضم أصابعه بقوة حتى غاصت أظافره في لحمه. هذه المرة، لم ترتجف يده، ولم يكن هناك خوف، بل.. تصميم بارد كالنصل.
شخصت عيناه نحو البوابة المهيبة، وصدر عنه همس خافض يحمل ثقل كل المآسي التي صقلته:
— لن أُهدر ما بقى من عمري في محاولة الافتلات من الموت…
خطا إلى الأمام، وقد تشربت حدقتاه سوادًا لا ينتهي و جوعًا مطلقًا للسيادة:
— « بل.. سأصيغ من جراحي القوة التي يُطأطئ لها هذا العالم رأسه»
وبينما خطا آزر عبر البوابة… كان الطريق في الظلام البعيد قد شرع أول أبوابه.
مستعدًا لطحن كل من يجرؤ على السير فيه..