ظل آزر واقفًا في المكان الذي ترك فيه والديه.
لم يعد يسمع صرخات القتال القادمة من الخارج، ولا أصوات الحجارة وهي تسقط. حتى النار بدت بعيدة، وكأنها تحدث في مكان آخر.
كان وجهه شاحبًا أكثر مما كان عليه قبل ساعات. عيناه السوداوان ثابتتان، لا بريق فيهما ولا اهتزاز. جلس مستندًا إلى الجدار المنهار، ووضع ظهره على الحجر البارد، ثم أغمض عينيه للحظة..
يداه استقرتا على ركبتيه، ولم ترتجفا. نظر إليهما كمن ينظر إلى شيء لا يخصه.
ثم فتح عينيه.
لم يكن في رأسه الآن سوى سؤال واحد:
ماذا أفعل؟
لو بقي هنا، ماذا سيحدث؟ الطائفة تنهار من حوله، ولو عاد إلى الممر، فسيجد ريو هناك. والميراث، والطريق، وكل الأسرار التي ظن أنه اقترب منها. لكنه لم يكن يملك شيئًا. لا مالًا، لا طائفة، لا معلمًا، ولا حتى مكانًا يعود إليه.
رفع رأسه ببطء. بدأ يفكر في التدريب، وكان بالفعل قد وصل إلى الأستقرار. يعرف ذلك الآن، فقد شعر به في جسده أثناء القتال. المدد لم يعد يتبعثر كلما دفعه، صار يعود إلى مساره، ويستجيب أسرع مما اعتاد. لكن… ماذا بعد؟ كيف يصل إلى الذروة؟ وكيف يعبر إلى التكوين؟ لم يعلموه ذلك، ولم يخبره أحد بالطريق. كل ما تعلمه في الطائفة كان يكفيه كي يستخدم المدد، ويكفيه كي يقاتل، ويكفيه فقط لكي ينجو.
تذكّر كل مرة جلس فيها تحت إشراف هان. الحركات نفسها، والتنفس نفسه. تكرار، ثم تكرار، ولا أحد قال له ماذا يأتي بعد ذلك.
خفض آزر عينيه. وللمرة الأولى لم يبدُ الأمر مجرد إهمال، ربما كان هناك شيء آخر.
خرج من الغرفة.
ثم توقف.
شعر بحركة في الساحة الخلفية. رفع رأسه. رجلان. نفس الملابس، نفس العلامة، كان أحدهما يمسك ذراعه، والآخر يعرج. كانا الرجلين اللذين قاتلهما آزر في السكن مع والديه. لم يموتا، وهربا، لكن يبدو أن الحرب أتعبتهما أكثر مما أتعبته.
اختبآ خلف مبنى نصف منهار، وجلسا يستجمعان قواهما. رآه أحدهما، وتجمد..
— أنت…
لم يرد آزر، ثم قال الآخر بصوت أجش:
— كيف لم تمت؟
اقترب آزر ببطء، ورفع الرجل سيفه بصعوبة.
— لا تقترب!
توقّف آزر، ونظر إلى السيف، ثم إلى الرجل. كان يستطيع الرحيل، ويمكنه أن يتركهما، لكن صورة أبيه مرت في رأسه، ثم الجناح المنهار. و… أمه
أمسك الحجر الرمادي.
قال الرجل:
— اسمعني، لم نكن نقصد قتلهما.
ظل آزر ساكنًا.
— أعرف.
— إذن دعنا نذهب.
لم يجب، وخطا خطوة أخرى. ارتفع السيف، ثم طعن. لكن كان آزر أسرع، ضرب معصمه، فأفلت السلاح، ثم أمسك عنقه ودفعه إلى الأرض. صرخ الرجل:
— انتظر!
ضربه آزر بالحجر في صدره، فانكسرت أنفاسه، ولم يمت. رفع رأسه بصعوبة.
— لماذا؟
نظر آزر إليه، لم يجد كلمة مناسبة، ثم رفع الحجر مرة أخرى، وهذه المرة لم يتردد. انتهى كل شيء في لحظة.
بقي واقفًا فوق الجثة، انتظر شيئًا. غضبًا، راحة، فرحًا، شيئًا، لكن لم يأتِ. كان الدم يسيل أمامه، ولم يشعر إلا بذلك الفراغ نفسه. نظر إلى يده.. كانت ثابتة. قبل ساعات كانت ترتجف،. والآن.. لا. لم يفكر كثيرا.
أما الثاني ففر، ركض بين الأنقاض، ولاحقه آزر رغم الألم. كان أبطأ منه في البداية، قدمُه تؤلمه، ولكن جسده حفظ الحركة. خطوة، ثم أخرى، وكان المدد قد عاد وحده هذه المرة. دون أن يستدعيه، شعر به يجري في ذراعه، يستقر، ثم يندفع.
وعندما تعثر الرجل عند جدار مكسور، ظهر آزر أمامه.
استدار الرجل بملامح يكسوها الذعر، وصاح بنبرة متوسلة:
— أنا لم أفعل شيئًا!
تطلّع آزر في عمق عينيه بجمودٍ تام، وأجابه بصوت خافت خالي من أي انفعال:
— وأنا كذلك… لم أفعل شيئًا.
لم يستوعب الرجل مغزى الكلمات، وقبل أن يُدرك ما يحدث، كان آزر قد غرس النصل بثبات في منتصف صدره.
سقط الرجل جثة هامدة، بينما ظل آزر شاخصًا فوقه. يراقب شحوب وجهه بانتظار شيء ما… لعلّ شعلة تنبعث في داخله، أو إحساسًا ينبض.
ولكن، لا شيء جاء. نفس الفراغ المطبق، ونفس الصمت السحيق.
استدار ببطء وقفل عائدًا بخطوات هادئة، ثم أطلق تنهيدة عميقة أذابت برودة الهواء حوله، وهمس لنفسه:
« الفراغ لا يُملأ بالدماء… أشدّ أشكال العدم قسوة ليس أن تسلب حياة أحدهم، بل أن تقتل وتنتظر، فلا تجد في داخلك حتى صدى للذنب .»
أما الثالث، كان قد مات بالفعل تحت الأنقاض
وعندما دخل آزر الساحة الرئيسية، كان القتال لا يزال مستمرًا. ثم.. رأى هان للمرة الأولى. كان يقاتل عند أحد الجدران، وسيفه ملطخ بالدم.
وحين وقع بصره على آزر، تسمّرت حدقتاه، وابتلعت الصدمة أنفاسه.
لم يكن هذا مجرد تغيّر في الملامح، بل كان تجسيدًا حيًا للخراب. الوجه بات منحوتًا بقسوة، غائر الوجنتين، يكسوه شحوبٌ مرعب كجثةٍ نُبشت للتو من قبرها، خاليًا من أي قطرة حياة. التفتت نظراته بذهول إلى شعره؛ فوضى من السواد الحالك، تمزقها خصلات بيضاء كرماد العظام المحترقة، وكأن قسوة الزمن قد التهمت شبابه وتركت بصمة الموت فوق رأسه.
لكن ما شلّ أوصاله حقًا، وأخرس كل فكرة في عقله… كانتا العينين.
لم تعودا مجرد عينين بشريتين، بل.. بؤرتين من السواد المطلق، هاوية سحيقة تبتلع النور ولا تعكس شيئًا سوى بريقٍ معدني جليدي… بريق الموت، الخالص، البارد، الذي لا يعرف الرحمة ولا الشفقة.
تجمّد جسده بالكامل في مكانه، ونسي كيف يرمش، بينما سرت قشعريرة صقيعية مزّقت أوردته حتى عمق عظامه، وكأن كيانًا من العالم السفلي قد مرّ عبر روحه في تلك اللحظة، ليسلبه ما تبقى من دفء.
— آزر…؟
لم يتوقف آزر، نظر إليه فقط، ثم تابع نحو مبنى السجلات. ناداه هان:
— بحثت عنك بعد أن انهار الجناح.
لم يجب آزر. لم يكن هناك شيء لقوله، وبعد ثوانٍ عاد هان إلى قتاله. أما آزر فدخل الأرشيف.
لم يتبقَّ فيه الكثير. الرفوف مكسورة، الأوراق على الأرض، والصناديق القديمة مفتوحة. لكن شيئًا واحدًا بقي واضحًا، كان رجال النجم الساقط يجمعون السجلات في صناديق محددة. لم يكونوا يجمعون سجلات الزراعة، ولا الأدوية، ولا خرائط المدن. كانت كلها تحمل عناوين مختلفة: الطرق القديمة، الممرات غير المسجلة، المواضع المغلقة، سجلات يوهان .
اقترب آزر، ورأه أحد الرجال
— ابتعد!
لم يرد، ونظر إلى الصندوق الأخير. كان فارغًا، وعلى غطائه كلمة واحدة: يوهان. مد آزر يده نحوه، واعترض الرجل، ثم تصادمت السيوف. ضربة، ثم أخرى. استخدم آزر المدد. وهذه المرة تحرك بسهولة أكبر من السابق، لم يحتج إلى التفكير في كل حركة، كان جسده اعتاد على المعارك ويفعلها بشكل غريزي. دفع الرجل بعيدًا، ثم اندفع، وهرب مع الباقين بالسجلات
اقترب آزر من الصندوق. فارغ، فتح الثاني، السجلات القديمة اختفت، الثالث، فارغ. والرابع، لم يبقَ فيه إلا ورقة ممزقة. قرأها، ولم يرَ اسم يوهان، لكن وجد كلمات: الطريق الغربي، الشجرة، الحجر، العودة ممنوعة. رفع آزر الورقة، وتحتها كانت كتابة أخرى، أصغر:
لا يُعتمد هذا السجل إلا بعد مقارنته بأصل الطريق .
توقف.. كان يعرف الآن أن بعض ما قرأوه في الطائفة لم يكن كذبًا بالكامل، وبعضه لم يكن حقيقة بالكامل. كانت هناك سجلات صحيحة اختلطت بأخرى ناقصة. ربما عمدًا، وربما.. لأن أجيالًا من الناس كتبت ما ظنته حقيقة، وهان كان واحدًا ممن عاشوا فوق هذا الخليط. لم يكن آزر يعرف بعد أي جزء منه ينتمي إلى أي جهة.
أغلق الورقة، ثم التقط مجلدًا بقى في زاوية بعيدة، لم يكن عن الطريق. وعلى غلافه: دليل الطوائف والأقاليم .
جلس على الأرض. وفتح الكتاب، كانت الصفحات مرتبة بحسب المناطق. المناطق التسع الكبرى، ومدد أكثر كثافة كلما اتجه المرء إلى الداخل. مدن كبيرة، طوائف، طرق تجارية، أراضٍ برية لا تصلها العربة، وحروب قديمة بين الطوائف.
قرأ عن لين: مدينة حدودية، لا تنتمي إلى قلب أي قوة كبيرة، لكنها تقع عند تقاطع عدة طرق. ثم قرأ عن طائفة السحابة الشمالية: طائفة إقليمية، قوتها محدودة، لكنها تملك نفوذًا على الطرق التجارية القريبة.
قرأ عن خصومها: طائفة النجم الساقط، طائفة جبل السيف، طائفة المرآة الرمادية، وطائفة النهر العميق .
توقف عند الاسم الأخير، وفتح الصفحات. لم تكن الطائفة الأقوى، ولا الأكبر، لكنها كانت مختلفة. كان تلاميذها يتعاملون مع مدن كثيرة خارج حدودها، مكتبتها مفتوحة لعدة مستويات من التلاميذ. وكان بإمكان الخارجي أن يحصل على موارد إضافية عبر المهمات والنقاط، بدلا من أن يبقى معتمدًا بالكامل على مشرف واحد.
قرأ أكثر، ثم عاد إلى الخريطة. تقع في الجنوب الغربي، على طريق يصل إلى مدن أكبر.
لم يرفع آزر عينيه عن الصفحة، ثم قال هان من خلفه:
— ستذهب؟
التفت آزر، وكان هان يقف عند الباب، وجهه متعب، والدم على ملابسه.
— لم يبقَ الكثير هنا.
أغلق آزر الكتاب.
— أعرف.
— هل وجدت ما تبحث عنه؟
نظر إلى الصندوق الفارغ.
— لا.
سكت هان، ثم قال:
— سجلات الطريق أهم مما تظن.
رفع آزر عينيه.
— لماذا؟
تردد هان.
— لأن من يملكها يعرف أين ظهرت الأشياء قبل أن تظهر الآن.
نظر آزر إليه.
— ولهذا جاءوا.
أومأ هان.
— نعم.
بقي الصمت بينهما، ثم قال آزر:
— هل كنت تعرف؟
نظر هان إليه.
— أعرف ماذا؟
— عن يان.
تردد هان هذه المرة لفترة أطول، ولم يجب فورًا. ثم قال:
— كنت أعرف أنه يدبر أشياء، لكن ليس كل شيء.
لم يزد، وآزر لم يسأله المزيد، فهم أن الإجابة ناقصة، وأنها كل ما سيحصل عليه.
قال هان بعد لحظة:
— ماذا ستفعل؟
وقف آزر، وأمسك الكتاب.
— سأغادر.
— إلى أين؟
أغلق الكتاب.
— طائفة النهر العميق.
نظر هان إلى الإسم المكتوب على الغلاف، ثم إلى آزر.
— لماذا؟
أجاب آزر بهدوء:
— لأنني لا أملك شيئًا، وأحتاج إلى أن أتعلم.
نظر هان إلى شعره الأبيض، ثم إلى عينيه، ولم يسأله عمّا حدث، ربما لم يكن حتى بحاجة إلى السؤال. قال فقط:
— هل تعتقد أنهم سيقبلونك؟
— لا أعرف.
ابتسم هان ابتسامة صغيرة متعبة.
— أخيرًا عدت إلى إجابتك القديمة.
لم يبتسم آزر، وقال:
— هذه المرة أنا من سيجد الإجابة.
استدار نحو الباب، ثم توقف. رفع يده، والمدد تحرك فيها بهدوء، دورة واحدة، ثم عاد إلى داخله. الاستقرار .
وصل إليه دون أن يعرف كيف، ولم يكن يعرف كيف يعبر بعده.
رفع آزر الكتاب تحت ذراعه، ونظر مرة أخيرة إلى الأرشيف. إلى السجلات المفقودة، وإلى المكان الذي كان يعتقد أنه سيتلقى منه الحقيقة.. ثم غادر.
خلفه كانت السحابة الشمالية تحتضر، وأمامه كان طريق آخر.. لم يعد يملك قرية، ولا أهلًا، ولا أصدقاء. لكن بقي له شيء واحد. السؤال .
وكان يعرف الآن أن السؤال وحده لا يكفي. لذلك، هذه المرة… كان ذاهبًا يبحث عن القوة.