المُتَحَرِّر الفصل 31 — المُتَحَرِّر 31

اقرأ المُتَحَرِّر الفصل 31 — المُتَحَرِّر 31 باللغة العربية على مانجا تايم.

ظل آزر يمشي. لم يعد يحاول حساب المسافة.. كانت قدمه تؤلمه مع كل خطوة، وكتفه يكاد لا يتحرك. أما يده… فلم تتوقف عن الارتجاف منذ ترك تشاو خلفه، ولم  يحاول إخفاءها، هذه المرة تركها ترتجف.

كان الدم قد جف على ملابسه، وبعضه لم يكن يعرف لمن يعود. وفي كل مرة تنقبض أصابعه، يعود إليه المشهد نفسه: تشاو على ركبته، النصل في يده، والبريق البارد في عينيه، ثم السؤال الذي لم يجب عليه.

لماذا…؟ ضغط على يده المرتجفة بأصابع اليد الأخرى، لكن لم تتوقف.

ثم تذكّر شيئًا أبعد. الرجل الغريب في لين، والطفل الذي كان سيُقتل، وكيف رفع يده آنذاك دون أن يفكر، وكيف كاد سيقتل من أجل حماية شخص لا يعرفه. والآن… قتل من أجل نفسه. لم يبكِ، ولم يغضب، فقط سار وجسده كله يحمل ثقلًا لم يكن موجودًا قبل ساعات.

ولكن.. كان هناك شيء واحد هو ما يدفعه إلى الأمام. والداه. تذكر ما قاله شين يوم الحريق:

« أُخرجا إلى الجناح الداخلي مع بقية السكان »

أعاد الجملة في رأسه مرة، ثم أخرى، وكأنه إذا حافظ عليها فلن يستطيع شيء أن يغيّرها. أحياء. كان عليهما أن يكونا أحياء!

كل ما حوله يمكن أن يتغير داخل ذهنه، القرية، الطريق، الطائفة، والأصدقاء لكن.. فقط هذه الجملة بقيت.

رفع عينيه، وظهرت الطائفة بين الجبال. لم يعد يراها كما رآها أخر مرة، الأسوار الخارجية سوداء من أثر الحريق، وأجزاء من البرج الجنوبي منهارة، والدخان يغطي السماء فوقها. لكن الأصوات كانت أسوأ. صرخات، اصطدام المعادن، انفجارات قصيرة. وامتزاج أصوات أشخاص كثيرين في مكان واحد. توقف للحظة، ثم ركض.

ما إن تجاوز البوابة المهدمة حتى اندفع تلميذ نحوه. توقف الرجل فجأة حين عرفه.

— آزر؟

لم يرد.

— أين كنت؟ ماذا حدث؟

تجاوزه.

— آزر!

استمر. لم يكن يهتم بما حدث للطائفة الآن، ولم يكن يهتم بمن هاجم، ولا بمن مات. كان عليه فقط أن يصل إلى الجناح الداخلي.

شق طريقه بين الأنقاض، ولكن أحد التلاميذ حاول إيقافه.

— الطريق مغلق!

دفعه آزر من كتفه.

— أين الجناح الداخلي؟

تردد الرجل، ثم أشار.

— خلف القاعة القديمة… لكن لا تذهب، هناك قتال

لم يسمع بقية الجملة، وركض.

اندفع بين مبنيين، تصاعدت النيران أمامه، ثم سمع صوت سيف خلفه، فاستدار نصف استدارة. رجل يرتدي الأسود مرّ أمامه، على يده كانت علامة:

دائرة ناقصة، وفي داخلها ذلك الخط الذي رآه من قبل.

لم يتوقف الرجل، ولا توقف آزر، لكن الصورة بقيت في عينيه.

طائفة النجم الساقط .

هكذا قال ريو. إذن.. الحرب بدأت فعلًا، ولكن لماذا الآن؟ لماذا انتظروا حتى فُتح الطريق؟ السؤال مرّ في رأسه، ثم اختفى. ولم يفكر كثيرا.

وصل إلى السكن الجنوبي، نصف المبنى لا يزال قائمًا. الأبواب مفتوحة، والناس يركضون، بعضهم يحمل أطفالًا، وامرأة تصرخ بحثًا عن أخيها، ورجل يجر آخر مصابًا من ساقه. مرّ بينهم، ثم… سمع صوتًا يعرفه.

— آزر!

توقف، والتفت.

كان.. والده واقفًا عند باب إحدى الغرف، ذراعه ملفوفة بقطعة قماش، وعلى جبينه جرح صغير. وخلفه… أمه. كانت واقفة، وبصحة جيدة.

لم يتحرك آزر، ولا هي، ثم خرجت من فمها الكلمة التي لم يكن يعرف كم مرة تخيل سماعها:

— آزر؟

تقدم… خطوة واحدة فقط، ثم أسرع. احتضنته أمه وشدت ذراعيها حوله رغم الدم والتراب.

— كنت أعلم أنك ستعود.

بقي ساكنًا لحظة، ثم رفع يديه ببطء ووضعهما على ظهرها. لم يقل شيئًا، فقط أغمض عينيه.. كان يسمع أنفاسها، وهذا وحده كان كافيًا.

أبعدته عنها قليلًا، ثم بدأت يداها تبحثان عن جسده.

— أين أُصبت؟

— لا شيء.

نظر إليه والده.

— لا تكذب يا فتى.

أبتسم، واقترب ووضع يده السليمة على كتف آزر.

— عدت.

أومأ آزر، ولأول مرة منذ ساعات، شعر أن صدره اتسع بما يكفي ليدخل إليه الهواء.

قالت أمه وهي تمسح الدم عن خده بأصابعها:

— هذه يدك… هل هذه إصابتك؟

نظر إلى يده المرتجفة.

— نعم.

ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة.

— ما زلت لا تعرف كيف تدخل مكانًا دون أن تتسخ.

قال والده بصوت خشن يحاول أن يكون ساخرًا:

— وما زلت لا تعرف كيف تدخل مكانًا دون أن تتسبب في فوضى.

لم يبتسم آزر، لكنه لم ينكر.

قالت أمه:

— أين الآخرون؟

لم يجب فورًا.

فهمت، ثم خفضت عينيها، ولم تسأل مجددا. ربما لأنها رأت الجواب في وجهه.

قال والده:

— هل الطائفة تحت الهجوم؟

— نعم.

— هل نستطيع الخروج؟

— سنحاول.

نظر الأب إلى الطريق خلفه، ثم قال فجأة:

— لا.

التفت آزر.

— ماذا؟

— انظر.

في الخارج مرت مجموعة من الرجال المسلحين. بعضهم يرتدي ملابس الطائفة، وبعضهم لا، وعلى يد اثنين منهم كانت العلامة نفسها: الدائرة، والخط. تغير وجه آزر.

— إذن لنختبئ في الداخل.

قالت أمه:

— لماذا هم هنا؟

— لا أعلم.

لم تسأل مرة أخرى، فقط أمسكت يده.

— تعال معنا.

نظر إلى يدها، ثم قال:

— نعم.

لم يقطعوا سوى بضعة أمتار، ثم جاء الصوت. ليس انفجارًا، بل صراخ معدني قريب جدًا، ثم اصطدام سيوف، وصوت جسد يسقط.

اندفع ثلاثة مقاتلين من طائفة النجم الساقط من الممر الجانبي. كانوا يبحثون عن التلاميذ، أو عن شيء ما. أحدهم رأى آزر ووالديه، فصاح:

— هناك!

اندفع.

دفع آزر أمه إلى الخلف، ورفع النصل، اصطدم السيفان، فاهتزت ذراعه المكسورة تقريبًا، وتراجع خطوة. هاجم الثاني، تفادى آزر الضربة بفارق ضئيل، وشعر بالمخلب الحديدي يمزق جانب ثوبه. استخدم القليل من المدد، دفعة قصيرة، وتزعزع الرجل، لكن الثالث جاء من الجانب.

تدخل والده وحاول أن يصد بيده السليمة، لكن سقطت ضربة قوية على كتفه، فصرخ، وبكت أمه. اندفع آزر، وضرب، ثم تلقى ضربة على جنبه وسقط على ركبته. حاول النهوض، ورأى والده يحاول الوصول إليه، ثم رأى السقف فوقهما يهتز. ضربة قوية من أحد المقاتلين ارتطمت بالجدار الحامل، فتشقق الحجر. صاح أحدهم:

— ابتعدوا!

لكن فات الأوان.. انهار جزء من السقف، وسقطت كتلة حجرية كبيرة.

اندفع آزر، ودفع أمه، ثم حاول دفع والده. سقط الثلاثة. ثم ضرب شيء كتفه، وسمع صوتًا مكتومًا. ارتفع الغبار، ولم يعد يرى شيئًا.

— أمي!

— أبي!

جاء صوت من بعيد:

— آزر…

كانت أمه، تتنفس.

— أين أنت؟

— هنا.

حاول التحرك، لكن حجر كبير كان فوق ساقه. أمسكه بكلتا يديه ودفع، فلم يتحرك. صرخ، واستخدم آخر ما تبقى في جسده من مدد. اهتز الحجر، ثم ارتفع قليلًا، فزحف إلى الجانب.

كان والده ملقى على الأرض، تنفسه متقطع، والدم يتسرب بين أصابعه فوق صدره.

— أبي!

حرك الرجل رأسه.

— أنا… بخير.

لكن صوته لم يكن مقنعًا. أبعد آزر الحجارة عنه، ثم التفت إلى أمه. كانت تحت جزء من السقف المنهار، وجهها شاحب، وعيناها مفتوحتان.

— أمي!

اقترب، وحاول رفع الحجارة. مرة، مرتين، ثلاثًا، لكن كانت أثقل مما يستطيع.

— آزر…

توقف.

— سأخرجك!

ابتسمت ابتسامة صغيرة مرهقة.

— لا تتعب نفسك.

— اصمتي!

شد الحجارة حتى نزفت أصابعه.

— قلت سأخرجك!

قال والده بصوت أضعف:

— آزر…

نظر إليه.. كان الرجل قد وضع يده على صدره، والنزيف يزداد.

— لا نستطيع… البقاء هنا.

رفع آزر رأسه. كان المكان كله يهتز. ومن بعيد تعالت صرخات جديدة، معادن تتصادم، وشخص يقاتل فوق المبنى. ثم سقط شيء ضخم.. وتوقفت أذن آزر للحظة عن سماع كل شيء.

نظر إلى أمه، ثم قالت:

— انظر إليّ.

نظر إليها.

— لا تنظر إلى الحجر.

ابتسمت.

— انظر إليّ.

اقترب وجهه منها.

— أنت عدت.

توقفت لتلتقط أنفاسها.

— هذا يكفيني.

هز آزر رأسه.

— لا…

— آزر…

— لا!

خرجت الكلمة منه أكثر حدة.

— سأخرجك!

رفعت يدها بصعوبة، وصلت أصابعها إلى وجهه، ومسحت الدم عن خده. ثم قالت بصوت هادئ جدًا، أقرب إلى الهمس:

— لا تبكِ… يا ابني.

تجمد، ولم يكن قد أدرك بعد أن الدموع بدأت تسيل. سقطت على وجهه دون أن تتغير ملامحه.

ظل ينظر إليها، ثم ابتسمت أمه بضعف مرة أخرى.

— كنت أكره حين كنت تسقط ولا تبكي.

توقفت.

— والآن… تفعل.

مسحت دمعة أخرى بأصابعها المرتجفة.

— إذن هذه المرة… لا تخفها.

ارتجف نفسه.

— لا تتكلمي.. هكذا.

— آزر…

كان صوتها يضعف.

— أنت كنت دائمًا تسأل أكثر مما ينبغي.

أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحتها.

— الآن… عش جيدًا يا أجمل ما خطّه القدر في لوحي

ابتسمت، وكأن الكلمات الأخيرة تكلفها ما تبقى من قوتها.

— لا تبكِ… فتاي اللطيف.

اختفى الارتجاف في يدها، وسقطت أصابعها عن وجهه.

ظل آزر ممسكًا بيدها.

— أمي؟

صمت.

— أمي!!

نظر إلى عينيها، ثم إلى والده. كان ساكنًا، لم يتحرك، ولم يعد هناك صوت.

بقي آزر جاثيًا بينهما. الدخان حوله، الغبار في الهواء، والنيران خارج الجدران. لكنه لم يرَ شيئًا، كل ما رآه كان البيت القديم.

أمه وهي تعلق الملابس، والده يصلح فأسه، وصوت خطواته عندما كان صغيرًا. الشجرة، آخر التل، والقرية التي كانت يومًا كل العالم.

خفض رأسه، ثم رفعها ببطء. كانت عيناه خاليتين تمامًا. لا غضب، لا صراخ، لا بكاء متقطع، فقط ذلك الهدوء الغريب، ودموع تسيل بصمت على وجه ساكن. مرر يده على وجهه.. ونظر إلى الدموع على كفه، ثم إلى الدم الذي كان عليها. وبقى ساكنًا لفترة طويلة…

رفع عينيه إلى السماء. ظل ينظر إليها. لثوانٍ، ثم دقائق، وكأن الوقت نفسه توقف. لم يتحرك، ولم يتنفس بصوت مسموع، فقط نظر. ثم قال بصوت خافت، وكأنه يسأل السماء نفسها:

— « أكان هذا الخرابُ ليمرّ بسلام لو أنني رضيتُ بالجهل؟ وهل كان قلبي ليعبرَ بوزنٍ أخفّ.. لو لم أرتكب جُرم المحاولة؟»

لم يأته جواب.. نظر إلى والديه مرة أخيرة، ثم إلى يده المرتجفة، وشد أصابعه ببطء.

وفي تلك اللحظة، دون أن يشعر أحد، بدأ شيء يتغير فيه. خيط واحد من شعره الأسود الطويل تحول إلى أبيض، ثم آخر، ثم ثالث، وكأن الحزن… كان ينحت جسده من الداخل.

رفع رأسه مرة أخرى إلى السماء، وكانت عيناه لا تزال خاليتين، ولكن شيئًا جديدًا ظهر فيهما. برودة، هدوء مرعب . ثم قال بصوت بارد وهادئ جدًا، صوت لم يكن صوته قبل ساعات:

« العجز.. ليس أن تتساقطَ أرواح من تحبَّ بين يديك وأنت تصارعُ أجلَهم؛ فتلكَ حدودُ طينِك ولا عارُ في حدود البشر»

توقف…

— « العجزُ الحقيقيُّ أن تنحنيَ بسكون، وتتركَ عبثَ هذا العالم يرسُم جغرافيةَ البقاء ويوزّع صكوكَ الموت »

تطّلعَ بجمودٍ قاطع إلى الدخانِ المتصاعدِ بين الركام.

— وإذا كانت السماء هي من تخطُّ هذا العدمَ البارد وتملي مشيئتها…

تطايرَ من مآقيهِ شرار حقد، يحملُ نيةَ فتكٍ تقشعرُ لها الأبدان.

— « فسأجُرُّها من علوّها إلى هذا الركام… وأذبحُ القدرَ بيدَيّ .»

وقف، وكانت ركبتاه ترتجفان. رفع جسده بصعوبة، ثم أخذ خطوة. وخلفه بقي والداه، أما أمامه… فكانت الطائفة تنهار، والعالم الذي عرفه آزر حتى ذلك اليوم… لم يبقَ منه شيء تقريبًا..