المُتَحَرِّر الفصل 30 — المُتَحَرِّر 30

اقرأ المُتَحَرِّر الفصل 30 — المُتَحَرِّر 30 باللغة العربية على مانجا تايم.

ظل آزر يمشي، ولم يعرف كم مضى منذ ترك القرية. الطريق أمامه طويل، والجبال من الجانبين تحجب معظم السماء. كان الدخان المتصاعد من الطائفة قد بدأ يخف كلما أقترب، لكنه لم يختفِ تمامًا.

كان هناك ألم في كتفه، وألم آخر في قدمه، وجرح صغير في كفه لم يتوقف عن النزف تمامًا.

خلفه، كان تشاو يمشي ببطء. ظل صامتًا لفترة طويلة، ثم قال:

— آزر.

لم يلتفت.

— ماذا؟

— إلى أين نحن ذاهبان؟

أجاب آزر بعد لحظة:

— الطائفة.

ضحك تشاو ضحكة قصيرة، بلا فرح.

— أعلم.

توقف قليلًا، وضغط على جنبه.

— أقصد بعد ذلك.

لم يجب آزر، وتابعا السير.

كان تشاو يتنفس بصعوبة بسبب جرح في جنبه، حاول أن يخفي ألمه، لكنه لم ينجح. في كل بضع خطوات كان يتوقف لحظة، ثم يواصل وكأن شيئًا لم يحدث.

قال آزر دون أن يلتفت:

— هل تستطيع الاستمرار؟

— أستطيع.

ثم أضاف بعد ثانية:

— لا تقلق.

التفت إليه آزر أخيرًا.

— لم أقل إنني قلق.

ابتسم تشاو رغم التعب، وابتسامته جاءت مائلة قليلًا بسبب الألم.

— هذه طريقتك في القلق.

لم يرد آزر، لكنه أبطأ خطوته نصف خطوة، حتى صار الاثنان يسيران جنبًا إلى جنب.

سارا قليلًا، ثم قال تشاو بصوت منخفض:

— هل تصدقه؟

— من؟

— ريو.

صمت آزر.

— قال إنك كنت مجرد بيدق.

— لا أعرف.

— وأنا لا أصدقه.

نظر إليه آزر.

— لماذا؟

هز تشاو كتفيه، ثم تأوه خفيفًا من الحركة.

— لأنه يتكلم وكأنه يعرف كل شيء.

ثم شتم تحت أنفاسه.

— وأنا لا أثق في رجل يعرف كل شيء.

خفض آزر عينيه إلى الطريق. فكر في ريو، في ضحكته، في الطريقة التي نظر بها إلى الدم، وفي صمته حين سأله عن شين وكايو وكل من أخذتهم اليد.

قال:

— لا أعتقد أنه يعرف كل شيء.

نظر إليه تشاو.

— لكنه يعرف أكثر منا.

— نعم.

— وأخذ نيرة ورين.

لم يجب آزر. ثم قال تشاو بعد لحظة، وكأن الكلام خرج رغمًا عنه:

— وتركنَا هنا.

صحح آزر بصوت هادئ:

— تركني.

توقف تشاو لحظة.

— ماذا؟

— كان يستطيع قتلك أيضًا.

لم يجد تشاو جوابًا، ومشى بضع خطوات صامتًا، ثم قال:

— وهذا لا يطمئنني.

— ولا أنا.

صمتا مرة أخرى.

بعد وقت طويل، وجدا مجرى ماء ضيقًا يعبر الطريق. توقف تشاو فورًا، جلس قربه، ووضع رأسه بين ركبتيه لحظة.

— اكاد اموت من شدة العطش.

جلس آزر على صخرة قريبة، ملأ يده بالماء، وغسل وجهه. كان الماء باردًا. وللحظة.. اختفت رائحة الدم، ثم نظر إلى انعكاسه. وجه شاب، بشعر أسود طويل، وعينان لا تتحركان كثيرًا. كان من الصعب أن يتخيل أن هذا الوجه نفسه كان يقف قبل وقت قصير وسط قرية مليئة بالجثث.

قال تشاو وهو يمسح فمه بظهر يده:

— ماذا تفكر؟

— في أشياء كثيرة.

— هذا لا يشبه إجابة.

نظر آزر إلى الماء.

— أفكر إن كنت أنا السبب.

توقف تشاو عن الشرب.

— في ماذا؟

— كل هذا.

رفع آزر رأسه.

— لو لم أطلب الحقيقة، لو لم أذهب إلى لين، لو لم آخذ الحجر، لو لم أعد إلى القرية…

سكت.

— هل كانت ستبقى؟

لم يجب تشاو فورًا، شرب رشفة أخرى، ثم قال:

— لا أعرف.

— أنا أيضًا.

ثم ضم آزر كفيه فوق ركبتيه.

— وهذا أكثر ما أكرهه.

— ماذا؟

— أنني لا أعرف.

نظر تشاو إليه طويلًا، ثم قال بصوت أهدأ:

— وهل تظن أن معرفة الحقيقة ستجعل كل شيء يستحق؟

رفع آزر عينيه إليه، ولم يجب مباشرة، ثم قال:

— لا.

فوجئ تشاو، وانتظر بقية الجملة.

أكمل آزر:

— لكن الجهل لم ينقذهم.

سكت قليلًا.

— وأنا لم أستطع أن أنقذهم أيضًا.

ثم نظر إلى يديه.

— لذلك أحتاج إلى القوة.

قال تشاو:

— كي تنقذ الآخرين؟

هز آزر رأسه.

— لا.

— إذن؟

— كي أستطيع أن أعيش حياتي كما أريد.

ابتسم تشاو بحزن، وأمال رأسه إلى الجانب.

— هذا جواب أناني.

— ربما.

— لكنني لا أرى فائدة في امتلاك القوة إذا كان غيري هو من يقرر أين أستخدمها.

لم يجب تشاو. جلس الاثنان قليلًا، والصوت الوحيد كان صوت الماء يمر بين الحجارة. ثم نهض آزر.

— علينا أن نتحرك.

لم يبتعدوا كثيرًا عن مجرى الماء، لكن كان أول شيء لاحظه آزر أن الطيور اختفت. لم يعد هناك صوت واحد في الأغصان. ثم رأى آثارًا على الأرض. مخالب عميقة، بقع دم جافة، ثم جاءت الرائحة. رائحة لحم طازج ولحم فاسد في آن واحد.

قال تشاو بصوت منخفض:

— هل تشمها؟

أومأ آزر.

اقتربا ببطء، وكان هناك شيء على الأرض. جثة حيوان كبير، ممزقة من بطنها، واللحم لا يزال طازجًا. فوقها كان يقف أحد المخلوقات التي رأوها من قبل. الجسد منخفض، القوائم طويلة، الجلد الرمادي ملتصق بالعظام، وكان فمه مغطى بالدم.

تراجع تشاو خطوة.

— لا…

رفع آزر يده.

— لا تتحرك.

رفع المخلوق رأسه، وظل يحدق فيهما، ثم جاء صوت من بين الأشجار. شيء يتحرك، ثم آخر.

تغير وجه تشاو.

— اثنان… لا، ثلاثة.

قال آزر:

— لا تعد.

لكن عينيه كانتا تتحركان بالفعل، واحد أمامهما، اثنان بين الأشجار. وشيء يتحرك خلف تشاو.

التفت تشاو، وقفز المخلوق. دفعه آزر بكل ما لديه من مدد، اهتز جسد المخلوق في الهواء واصطدم بجذع شجرة.

صرخ تشاو:

— اهرب!

لم يجرِ آزر.

ضرب أول مخلوق بالحجر الرمادي، فانفجرت ضربة قصيرة في صدره. تراجع الوحش، ولكن الثاني انقض من الجانب. تفادى آزر مخالبه بفارق ضئيل، وشعر بمخلبه يمزق ثوبه ويشق جلده. تراجع، وسال الدم.

رفع المخلوق رأسه. شم، وفجأة تغيّرت عيون المخلوقات كلها، نظر تشاو إلى الدم على جسد آزر.

— إنهم يتبعون الرائحة.

لم يرد آزر. كان يعرف.. اندفع الثلاثة، وقاوم آزر. ضرب، وتراجع، استخدم المدد مرة، ثم ثانية. لكن جسده لم يعد يحتمل، بدأ المدد يرتجف داخل عروقه وكأنه يرفض أن يُستدعى.

تشاو حاول مساعدته، غرس نصلَه في أحد المخلوقات، صرخ الوحش، ولكنه التف حوله وضربه بمخالبه الطويلة. طار تشاو إلى الأرض.

— آزر!

وصل إليه آزر، أمسك ذراعه وسحبه.

— انهض!

وقف تشاو بصعوبة، وكان الدم يسيل من جنبه بكثرة الآن. نظر إلى المخلوقات التي بدأت تطوقهما من ثلاث جهات، ثم قال بصوت مرتجف:

— لن نستطيع…

لم يجب آزر، وكان يبحث عن طريق للخروج. الأشجار كثيفة، المنحدر خلفهم حاد، والمخلوقات أسرع منهما. حاول أن يجر تشاو نحو جهة أفتح، لكن اندفع مخلوق من الجانب. صده آزر بجسده، وسقط الاثنان.

نهض آزر أولًا، وسحب تشاو مرة أخرى، صرخ تشاو من الألم، لكنه ركض خطوتين.

ثم انقض أحد المخلوقات خلفه، التفت تشاو. صرخ، وتوقف آزر.

لكن في تلك اللحظة.. لم يسمع شيئًا سوى أنفاسهما.

تشاو حاول أن يبتعد، قدمه انزلقت، وسقط على ركبته.

— آزر…

اقترب آزر.

تحركت يده ورفع النصل.

نظر تشاو الى يده، كانت ترتجف، ثم رأى عينيه.

ظهر فيهما شيء لم يكن موجودًا قبل ثوانٍ. بريق بارد، خافت، كأنه انعكاس لشيء بعيد في قاع الهاوية. لم يكن غضبًا، ولم يكن خوفًا. كان قرارًا قد اكتمل..

اتسعت عينا تشاو، ويده ارتجفت وهو يحاول النهوض.

— لا تقترب!

توقف آزر أمامه، وظل ينظر إليه، ثم إلى المخلوقات التي كانت تقترب ببطء، وكأنها تعرف أن الفريسة ضعفت.. ثم عاد إليه.

لم يتكلم أحد.

ثم… غرس النصل في صدره

اتسعت عينا تشاو أكثر، وبقى واقفًا للحظة.. ممسكًا بذراع آزر، ثم نظر إلى النصل. ورفع عينيه إليه.

— لماذا…؟

لم يجب آزر.

سحب النصل.

واندفع الدم بين أصابعه.

ترنح تشاو.

ثم سقط.

جلس آزر بجانبه، ولم يتحرك. كان النصل لا يزال في يده، وكانت يده ترتجف، حاول أن يفتح أصابعه، لكن لم تستجب. نظر إلى تشاو، ثم إلى النصل، وأخيرا إلى يده. ظل هكذا لثوانٍ طويلة…

وراءه جاء الزئير. رفع رأسه، وكانت المخلوقات تقترب، نظر إلى جسد تشاو، ثم إلى الدم على الأرض. مد يده، ثم أمسك بثوبه، وسحبه بعيدًا عن الطريق المفتوح.

كان جسده أثقل مما توقع. توقفت أنفاس آزر. سحب مرة، وتوقف. نظر إلى وجه تشاو، وكان لا يزال مفتوح العينين. سمع الزئير أقرب، شد أسنانه، وسحب بكل قوته مرة أخرى، ثم تركه في مكان مفتوح نسبيًا بين الأشجار.

اندفعت المخلوقات نحوه، وابتعد آزر بسرعة. ظل يراقبها لثانية، ثم استدار وركض، ولم يسمع وراءه سوى صوت العظام وهي تتحطم تحت أسنانها.

استمر في الركض، حتى لم يعد يسمع شيئًا. توقف، وانحنى واضعًا يديه على ركبتيه، تنفس. مرة، مرتين، ثلاثًا، رفع رأسه.

كانت الغابة ساكنة، ولم يكن هناك أحد.

رفع يده، وكانت لا تزال ترتجف.. أمسكها بيده الأخرى. ضغط عليها، ولم تتوقف. جلس على الأرض، ثم نظر إلى النصل، وكان عليه دم تشاو. مسحه بثوبه،ثم توقف، ونظر إلى البقعة. ثم أعاد المحاولة، ولم تختفِ، رمى قطعة القماش بعيدًا.

وقف… خطا خطوة، ثم ثانية، توقف، وتطلع نحو الشمال. كانت الطائفة خلف الجبال.

نظر إلى الطريق، ثم مشى، ولم يقل شيئًا. كل ما بقي معه من الطريق كان ألمًا في كتفه، وجسدًا متعبًا، ويدًا لم تتوقف عن الارتجاف. واصل السير نحو الطائفة. ولم يلتفت خلفه…