لم يعرف آزر كم مضى من الوقت.
ربما لحظات، وربما أكثر.
كان واقفًا في المكان نفسه، الدم يجف فوق وجهه وثيابه، ولم يبقَ من القرية إلا البيوت التي فقدت أصحابها، والشجرة التي احترق جذعها حتى صار أسود من الداخل.
رفع يده ببطء، ونظر إلى الدم فوق أصابعه. لم يكن دافئًا، لقد بدأ يجف، فرك أصابعه، ولم يزل. التصق شيء أحمر تحت ظفره، وتذكر قطعة قماش صغيرة كانت أمه تستخدمها لمسح يديه بعد العمل.
رفع عينيه نحو بيت قديم يعرفه، كان هذا هو المكان الذي كانت تعلق فيه الملابس في الصباح. وهناك كان والده يصلح فأسه حين ينكسر، وهنا كان يجلس حين كان صغيرًا. كان ينظر إلى الشجرة ويظن أن العالم ينتهي عند آخر التل، وللحظة، خُيّل إليه أن المكان كله لم يعد ينتظر أحدًا.
على بعد خطوات منه كانت نيرة جاثية على الأرض، تحاول أن تتنفس دون أن تصدر صوتًا. تشاو كان واقفًا إلى جانبها، ولم يقل شيئًا. أما رين فظل يحدق في المكان الذي اختفى فيه كايو، وكأن عينيه تنتظران أن يعود.
أخيرًا قال تشاو بصوت مكسور:
— كايو…
توقف، وابتلع ما تبقى من الكلمة.
ثم جاء صوت من خلفهم.
— هاهاهاها .
ضحكة بعيدة، ثم أقرب، ارتجفت مرة، واستمرت كأنها لا تريد أن تنتهي.
التفت آزر.
كان ريو واقفًا قرب الممر، ولم يكن يضحك الآن، بل كان ينظر إلى الدم المنتشر حوله بنظرة هادئة. هادئة أكثر مما ينبغي.
سأله آزر:
— أين كايو؟
لم يجب، واقترب آزر خطوة: — ريو.
رفع الرجل عينيه، ولم يتغير وجهه:
— ماذا تريد؟
— أين ذهب؟
صمت ريو.
— هل ما زال حيًا؟
لم يجب، ثم قال آزر مرة أخرى:
— وشين؟
توقفت عين ريو للحظة، وعبس قليلا. ثم قال آزر:
— والرجل الذي سحبته اليد من قبل؟ ورين… في المرة الأولى؟ كل من أخذتهم تلك اليد… أين هم؟
تغير وجه ريو للمرة الأولى، لم يكن خوفًا، بل كان عبوسًا أثقل، نظر إلى آزر لثوانٍ طويلة، ثم أشاح بوجهه، ولم يقل شيئًا. كان الصمت نفسه جوابًا أثقل من أي كلمة.
خفض آزر يده، وفهم شيئًا واحدًا فقط:
ريو إما لا يعرف، أو يعرف ولا يريد أن يقول. وفي الحالتين لم يعد مستعدًا للاعتماد عليه.
مد ريو يده، وخرج المدد من جسده دفعة واحدة، شهقت نيرة ثم انقطعت أنفاسها وسقطت إلى جانب تشاو. التفت رين، وحاول أن يتحرك. توقف جسده لحظة ثم انهار أيضًا، وبقى تشاو وحده واقفًا، رفع سلاحه، ويده كانت ترتجف.
نظر إلى ريو، وإلى نيرة على الأرض، ثم عاد إلى ريو، وخطا نصف خطوة إلى الخلف. لم يكن يستطيع أن يخفي الخوف في عينيه.
قال ريو دون أن ينظر إليه:
— لا أريد المزيد من الدم، أو على الأقل ليس الآن.
توقف تشاو، ولم يعد يستطيع تحريك يده، السلاح سقط من أصابعه، وابتسم ريو ابتسامة صغيرة ثم نظر إلى آزر:
— أنت ما زلت واقفًا، جيد.
ظل آزر يحدق فيه، ثم سأل، وصوته جاء أجشًا أكثر مما أراد:
— لو كنت تستطيع إنقاذهم… لماذا لم تفعل؟
ضحك ريو، ضحكة قصيرة، ثم أطول، حتى عادت تلك الضحكة التي سمعها آزر قبل قليل. رفع ريو رأسه:
— هاهاها لأنك أخيرًا وصلت إلى المكان الذي كنت أحتاجك فيه.
تجمد آزر:
— ماذا فعلت؟
— لم أفعل شيئًا يُذكر، أنت من فعلت معظم الأشياء بنفسك، وهذا ما يجعل الأمر مضحكًا.
ثم أشار إلى القرية: — هل تظن أن كل ما حدث كان مصادفة؟ القرية… الشجرة… الحجر… الطريق… الطائفة… يان… وحتى وجودي معك.
ظل آزر صامتًا، وكانت الكلمات تتراكم في رأسه. مدينة لين، الاختبار، الرجل العجوز، الحجر الرمادي، البوابة، المهمات، الممر، الطريق، الطائفة. ثم العودة إلى القرية، لم يكن يعرف.. أيها كان مصادفة وأيها لم يكن.
قال ريو:
— عقلك جيد، ليس عبقريًا ،لكنه جيد بما يكفي، ولهذا كنت أراقبك.
قال آزر: — لماذا؟
— لأنك تحمل الشيء الذي كانوا يبحثون عنه.
نظر آزر إلى الحجر الرمادي: — الحجر؟
— لا، بل أنت .
ساد الصمت، ثم قال آزر بعد لحظة: — أنا؟
— نعم، الحجر هو مجرد مفتاح، أما الشرط الحقيقي… فهو في السلالة التي تحملها.
لم يشعر آزر بشيء في البداية، ثم بدأت الأشياء تتراكم وحدها. لماذا تحرك الحجر حين اقترب، لماذا استجاب الطريق، ولماذا كان الرجل الغريب يسأل عن الحامل لا عن مكان الحجر، لماذا ظل يان يضعه في مواجهة الطريق بدل أن يقوده إليه مباشرة. ثم قال بصوت منخفض:
— إذن لم أكن مميزًا.
ضحك ريو بجنون:
— هاهاها، لا بل أنت مجرد فتى من قرية صغيرة، ولكنك ولدت في المكان المناسب… أو المكان الملعون، إن كنت تفضل التسمية.
ظل آزر ينظر إليه، ثم أكمل ريو:
— أنت لم تُختَر لأنك قوي، ولم تُختَر لأنك ذكي، ولم تُختَر لأن السماء أرادتك. أنت فقط تملك الشرط الذي يحتاجه الميراث، الشرط لا يضمن الوصول، ولا يضمن النجاح. فقط يفتح الباب لمن يختار أن يدخله.
تسارعت أنفاس آزر قليلًا: — والطريق؟
— لا يفتح بالقوة، وهذه كانت المشكلة، كل من جاء وحاول أن يأخذه، بالقوة، بالخداع، بالقتل، كلهم فشلوا.
ساد صمت طويل، ثم قال ريو بصوت أخفض:
— الميراث يحتاج إلى شخص من السلالة… وأن يذهب إليه ذلك الشخص بإرادته. الحجر هو المفتاح، السلالة هي الشرط، والإرادة هي ما يسمح بالفتح.
نظر آزر إلى الممر، فهم الآن شيئًا واحدًا على الأقل، الطريق هو الميراث وكلما أُجبر شخص على الاقتراب حدثت المقاومة. وكلما اختار هو الطريق بنفسه استجابت الأشياء، لكن السؤال الذي بقى. لماذا؟
قال:
— ويان؟
ابتسم ريو: — هل ما زلت تفكر فيه؟
— نعم.
ضحك ريو بجنون: — لم تخمن بعد؟
ظل آزر صامتًا، ثم تذكر، نبرة الرجل في لين، وطريقته في الكلام. الاختبار، ونظرات بعض رجال الطائفة عندما يسمعون اسمه، وأخيرا الأشياء التي حدثت بسهولة أكثر مما ينبغي. رفع عينيه ببطء:
— كان هو…
ابتسم ريو دون أن يقول شيئًا، قال آزر:
— كل ذلك هل كان تمثيلًا؟
هز ريو رأسه: — لا، بعض الأشياء دُبّرت، وبعضها استُغل، والباقي… حدث لأنك كنت تمشي في الاتجاه الصحيح.
صمت آزر لحظة، ثم قال: — الطائفة؟
— فتحت لك أبوابًا احتجنا أن تفتحها، المهمات أوصلتك إلى أماكن احتجنا أن تراها، ويان أعطاك الحجر دون أن يتركه يضيع، لأنك لو لم تملكه لما وصلنا إلى هنا.
قال آزر:
— والرجل الغامض الذي جاء يبحث عن الحجر؟
— من طائفة النجم الساقط، كان يعرف قيمة الحجر لكنه لم يعرف الشرط. وحين حاول أخذ ما لا يمكن أخذه بالقوة… رأيت النتيجة.
لم يسأل آزر عما تعنيه النتيجة، كان يعرف. اليد السوداء، الشق، والصمت. قال:
— إذن الجميع يعرف… الطائفة؟ يان؟ والرجل الغريب؟
ابتسم ريو:
— نعم، وأنا أعرف ما يكفي، وهذا يكفيني.
بقيت الجملة بينهما، لم يكن آزر يحبها، ولكنه لم يجد فيها كذبة.
— وأنت كنت تساعدني طوال هذا الوقت.
ضحك ريو: — لا ترفع قدر نفسك، كنت فقط أساعد نفسي.
نظر آزر إليه، ثم قال، وصوته جاء أهدأ مما توقع:
— لو كنت بيدقًا… لماذا سمحت لي أن أختار؟
توقف ريو للحظة، ثم ضحك مرة أخرى، لكن الضحكة كانت أقصر هذه المرة: — لأنني لم أكن أملك القوة لأجبرك، وليس كل شيء كان في يدي.
لم يجب آزر، وكانت هذه المرة الأولى التي يرى فيها ريو كما هو، ولو للحظة.
نظر آزر إلى نيرة ورين، وكانا فاقدي الوعي:
— هل ستقتلهما؟
نظر ريو إليه باستغراب:
— أقتلهما؟
— نعم.
هز ريو رأسه:
— لا، سأخذهما معي.
تقدم آزر: — اتركهما.
— لماذا؟
— لأنهما لا علاقة لهما بالميراث.
نظر إليه ريو طويلًا: — أنت ما زلت لا تفهم، لم يعد الأمر متعلقًا بالحجر فقط. بعد أن فتح، ستأتي الطائفة، ويان، ومن يبحث عن الميراث سيأتي، ومن يعرف تاريخ هذا المكان سيأتي. وستبدأ المعركة الحقيقية.
نظر آزر إلى السماء، الدخان القادم من الشمال صار أكثر كثافة. كانت الطائفة خلف الجبال، والدخان يرتفع منها. أكمل ريو:
— لا يوجد وقت.
مد آزر يده: — اتركهما!
هذه المرة لم يضحك ريو:
— لا
ثم تحرك. لم يرَ آزر الضربة، فقط شعر بشيء يصطدم بصدره. انفجر الألم في جسده، وطار إلى الخلف، ارتطم بالحجر عند مدخل الممر، وشعر بأن الهواء غادر رئتيه. حاول أن ينهض فورًا، ومد يده نحو نيرة ورين غريزيًا، كأن جسده لم يفهم بعد أن المسافة بينهما قد أصبحت مستحيلة.
ارتجفت أصابعه في الهواء، لم يصل، وسقط مرة أخرى. رفع رأسه، وكان ريو يحمل نيرة بإحدى ذراعيه، ورين بالمدد من جانبه.
نظر آزر إليه:
— لماذا؟
توقف ريو، ثم قال:
— لأنني قلت لك إنك بيدق، ولكنك بيدق ذكي، ولهذا سأعطيك نصيحة قد تنقذ حياتك. لا تدخل، ابقَ بعيدًا، ومن سيأتي إلى هنا لن يهتم بك، وإذا بقيت… ستموت حتى قبل أن تفهم لماذا بدأ كل شيء.
ظل آزر صامتًا، ثم سأل:
— وستتركني؟
نظر ريو إليه ببرود:
— لن أحتاج إلى قتلك، العالم سيفعل ذلك عني.
رفع آزر عينيه إلى السماء للحظة، ثم أعادها إلى ريو.
— ستندم.
لم يرتفع صوته، ولم يكن تهديدًا، كانت جملة بسيطة، وكأنه يُخبره بحقيقة لا تحتاج إلى إثبات.
ظهر في عينيه السوداوين بريق خافت، لم يكن ضوءًا، بل كان شيئًا أبرد، شيء.. لم يكن موجودًا قبل قليل.
نظر ريو إلى تلك العينين، ولسبب لم يعرفه… ارتجف جسده قليلًا.
فتى صغير، بدم على وجهه، وكتفه مكسور تقريبًا، ومع ذلك… ارتجف.
ضحك واستدار، ثم بدأ يتحرك نحو الممر، وحمل نيرة ورين معه. بقي آزر مكانه.. كان يستطيع أن ينادي، أن يركض، أن يحاول اللحاق به، وأن يدخل الممر. كان الحجر الرمادي في يده، وكان الخط الأبيض يلمع أقوى من أي وقت مضى. عض آزر لسانه، ثم وقف
تحرك خطوة، ثم توقف. تذكر شين، تذكر كايو، ثم والده، أمه، والبيت. آخر مرة نظر فيها إليهما قبل أن يرحل، ولم يكن يعرف ما إذا كانا ما يزالان ينتظرانه، ولكنه كان يعرف شيئًا واحدًا الآن. لو دخل… فربما لن يعرف أبدًا.
رفع الحجر، وكان الحرفان يلمعان، وحين اقترب من الممر ازداد الضوء. تراجع خطوة، خفت، كررها مرة أخرى. اقترب، ازداد، ابتعد، خفت.
حدق آزر في الحجر طويلًا… ثم أغلق قبضته عليه، ولم تكن هذه دعوة، بل كانت… استجابة. كان الطريق مفتوحًا، ولكنه لم يكن مستعدًا للدخول. على الأقل.. ليس الآن.
استدار نحو الشمال، حيث كان الدخان يعلو فوق الجبال، وقال بصوت خافت:
— سأعود إلى أمي وأبي أولًا.
ثم نظر إلى الممر مرة أخيرة: — وبعدها…
توقف، ولم يكمل.. لم يعد يحتاج إلى إكمال الجملة، كان يعرف ما الذي سيفعله. سيعود… ولكن في المرة القادمة.. لن يكون بيدقًا مرة أخرى.
بدأ يمشي.. كانت قدمه تؤلمه، وكتفه يكاد لا يتحرك، والدم لا يزال على وجهه. ومع ذلك لم يتوقف، خلفه بقي الطريق مفتوحًا، وأمامه كانت الطائفة.
وفي مكان ما داخل الظلام، كان الميراث ينتظر… أما آزر… فقد اتخذ اختياره الأول، ليس اختيار الميراث. بل ألا يترك أحدًا يقرر طريقه مرة أخرى..