المُتَحَرِّر الفصل 2 — المُتَحَرِّر 2

اقرأ المُتَحَرِّر الفصل 2 — المُتَحَرِّر 2 باللغة العربية على مانجا تايم.

لم ينم آزر تلك الليلة.

استلقى على ظهره في الظلام الكثيف الذي ملأ الغرفة الصغيرة، جسده ساكن إلى الحد الذي يجعل أي عابر يظنه نائماً، غير أن عينيه ظلتا مفتوحتين تحدقان في السقف الخشبي الذي لا يُرى. كان الهواء ثقيلاً وباردًا بعض الشيء، يحمل رائحة التبن الجاف والخشب القديم المختلط برائحة الدخان البعيدة القادمة من المداخن.

لم يكن هناك صوت سوى تنفسه البطيء، وخفقة قلبه التي بدت له أعلى من المعتاد في الصمت المطبق.

لم يستطع إخراج الكلمات من رأسه، وكانت تدور فيه كأنها حلقة مغلقة لا مخرج منها: « وجدني… السماء ».

ما الذي يعنيه رجل أن تقول السماء إنها وجدته؟ لو كان الرجل يهذي من شدة الجراح والتعب، فلماذا اختار السماء تحديداً؟ ولو كان واعياً تماماً بما يقول، فما الذي يمكن أن يراه إنسان حتى يخشاه إلى ذلك الحد الذي يجعل صوته يرتجف وهو ينطق بتلك الجملة؟

تقلب آزر على فراشه، فصرير الحشائش الجافة تحته كسر الصمت لحظة ثم عاد كل شيء إلى سكونه.

كان أهل القرية يقولون إن الإنسان يخاف حين يجهل ما ينتظره، خلف الباب، أو وراء التل ، أو تحت السماء نفسها، أما هو فلم يكن يخاف الجهل، كان يكره أن يُطلب منه أن يقبله جواباً نهائياً ويغلق عليه فمه.

وفي تلك الليلة الطويلة أدرك شيئاً بسيطاً وقاسياً في آن: أن تقول «لا أعلم» أصدق من أن تخترع جواباً يُرضي الآخرين، ويُسكت أسئلتك، لكن أن تقول «لا جواب لهذا السؤال»… فذلك شيء آخر تماماً.

شيء يشبه الاعتراف بأن العالم أكبر من أن يُحاط به، وأن من يريد الحقيقة قد يضطر إلى السير في طرق لا يختارها أحد غيره.

ومع طلوع الفجر خرج من منزله.

كانت القرية لا تزال غارقة في سكونها العميق، والشوارع الترابية خالية إلا من بعض الكلاب النائمة عند عتبات البيوت.

الدخان الخفيف يتصاعد ببطء من بعض المداخن، فيلتوي مع نسيم الصباح البارد ثم يتلاشى في الهواء الرمادي، ضوء الصباح كان يتسلل ببطء بين البيوت الحجرية والطينية، يرسم ظلالاً طويلة على الأرض، ويجعل حواف الأسطح تلمع بلون فضي باهت. سمع آزر صوت ديك بعيد يصرخ مرة واحدة ثم يصمت، وكأنه يختبر إن كان العالم قد استيقظ حقاً.

توجه نحو البيت الذي نُقل إليه الغريب.

خطواته كانت هادئة على التراب الرطب من ندى الليل، وكل خطوة تترك أثراً خفيفاً يمحوه النسيم بعد قليل. لم يكن ينتظر أن يمنحه أحد جواباً جاهزاً، كان يعرف منذ زمن أن الإجابات الحقيقية لا تُعطى، بل تُنتزع.

وكل ما يعتمد عليه في هذا الطريق هو نفسه وحده.

كان رين واقفاً عند الباب. رجل في أواخر الأربعينيات، عريض الكتفين، قوي البنية، بوجه مستدير خشن لوحته الشمس والعمل الطويل تحت السماء المفتوحة، شعره الأسود تتخلل خيوط رمادية عند الصدغين، وعيناه متعبتان على الدوام، وكأن النوم لم يعد قادراً على محو ما تراكم فيهما من سنين.

بالقرب منه وقف كايو، شاب في أوائل العشرينيات، طويل نحيل الجسد، قصير الشعر، ضيق الوجه، حاد الفك، كثير الحركة بعينين لا تستقران طويلاً على شيء، كأنهما تبحثان دائماً عن خطر قادم من جهة لا يراها الآخرون.

نظر رين إلى آزر نظرة ثقيلة، ثم قال بصوت خشن منخفض:

— ما الذي جاء بك؟

أجاب آزر دون أن يرفع صوته:

— أريد أن أراه.

زفر رين زفرة طويلة، كأن الهواء الذي في صدره أصبح ثقيلاً فجأة، قال:

— أنت طفل يا آزر.

— صحيح.

— ولا تعرف شيئاً عن العالم.

— صحيح.

نظر إليه رين بضيق واضح هذه المرة، وتقدمت خطواته قليلاً نحو الباب كأنه يريد أن يغلقه في وجهه، ثم قال:

— إذن لا تتصرف كأنك تعرف أكثر منا.

أجابه آزر بهدوء لم يتغير:

— أنا لا أعرف أكثر منكم.

صمت لحظة، ثم أضاف والجملة خرجت بطيئة وواضحة:

— لكنني أعرف أنكم لا تعرفون.

تبادل رين وكايو نظرة قصيرة صامتة، وفي تلك النظرة شيء من الاندهاش المختلط بالانزعاج، كأن الصبي قال شيئاً لا ينبغي أن يقوله أحد في هذا المكان.

ثم فتح رين الباب ببطء، وصوت المفصلات الصدئة امتد في الهواء كأنه تنهيدة قديمة. وقال بصوت خفيض:

— ادخل.

دخل آزر، الغرفة كانت شبه مظلمة رغم أن الشمس بدأت تشرق خارجاً، والنوافذ الصغيرة المغطاة بستائر بالية لا تسمح إلا بخيوط رفيعة من الضوء.

كان الغريب مستلقياً على فراش بسيط من القش المغطى ببطانية خشنة، وقد بدا أضعف بكثير مما كان عليه في الليلة السابقة. رجل في منتصف الثلاثينيات، طويل القامة، عريض الكتفين، قوي البنية رغم الهزال الذي أثقل جسده وجعل عظامه بارزة تحت الجلد الشاحب، وشعره الأسود الطويل متشابك وساقط حول وجهه، وعلى عنقه وذراعيه ندوب قديمة متفرقة، بعضها عميق بما يكفي ليخبر عن حياة لم تكن هادئة قط.

لكن أكثر ما لفت انتباه آزر كان عينيه.

لم يكن فيهما خوف رجل يخشى الموت، كان فيهما خوف رجل رأى شيئاً لا يستطيع تفسيره، شيئاً بقي عالقاً خلف نظراته كظل لا يزول. فتح الغريب عينيه ببطء، وتلاقت عيناه بعيني آزر. لحظة صمت طويلة امتلأت بصوت تنفسه الخافت فقط، ثم قال بصوت خافت أجش:

— من أنت؟

— آزر.

ظل الرجل ينظر إليه لحظات، كأنما يزن الاسم في رأسه، ثم قال:

— ماذا تريد؟

— أن أسألك عن شيء.

— وما هو؟

— اسمك أولاً.

ساد الصمت. وخارج النافذة الصغيرة سمع آزر صوت طائر بعيد يغرد مرة واحدة ثم يصمت. أجاب الرجل بصوت منخفض:

— ريو.

حفظ آزر الاسم في ذهنه. ثم قال، والجملة خرجت ثقيلة قليلاً:

— بالأمس قلت شيئاً.

تغيرت ملامح ريو قليلاً، الجفون ارتفعت أكثر، والشفاه انقبضت للحظة، ثم قال:

— ماذا قلت؟

— قلت: « وجدني… السماء ».

اختفت بقية الكلمات من وجه ريو. لم يجب، واكتفى بأن نظر إلى السقف لحظة، ثم إلى النافذة، كأنما يبحث عن شيء في الضوء الباهت. قال آزر بهدوء:

— هل كنت تهذي؟

— لا.

كانت الإجابة سريعة، حاسمة، بلا تردد. قال آزر:

— إذن ماذا قصدت؟

نظر ريو إلى النافذة طويلاً، الضوء الذي يدخل منها كان يرسم خطاً رفيعاً على الجدار المقابل.

قال بصوت أخفض:

— لا تسأل عن شيء لم تكن مستعداً لمعرفة جوابه.

— وكيف أعرف أنني مستعد؟

التفت إليه ريو، وعيناه هذه المرة كانتا أكثر حدة، رغم التعب الواضح فيهما. قال:

— حين تعرف أنك قد تندم على معرفته… ثم تسأل رغم ذلك.

فكر آزر قليلاً، الكلمات دارت في رأسه مثل حجر يُرمى في بئر عميق.

لم يكن الندم ما يخشاه، الندم شعور يمكن احتماله إذا كانت الغاية تستحقه.

ثم قال، والجملة خرجت بثقة هادئة لم تكن طفولية:

— أنا لا أخشى الندم.

ابتسم ريو ابتسامة واهنة، كأنها كلفته جهداً. قال:

— ستتعلم أن الندم ليس دائماً شعوراً.

— ماذا يكون إذن؟

— أحياناً يكون معرفةً جاءت متأخرة.

سكت آزر.. الغرفة كانت باردة أكثر مما تبدو، ورائحة الأدوية العشبية المختلطة برائحة الدم الجاف ملات أنفه. ثم سأل، والجملة جاءت مباشرة:

— من كان يطاردك؟

حدّق ريو فيه، للحظة طويلة امتلأت بصوت تنفسه الخافت فقط.

— كيف عرفت أن أحداً كان يطاردني؟

— لأنك لم تأتِ إلى هنا بإرادتك.

— وكيف عرفت ذلك؟

— لأن من يأتي بإرادته لا يبدو كمن نجا من الموت.

ظل ريو صامتاً، وعيناه تحركتا نحو النافذة مرة أخرى، ثم عادت إليه. وقال أخيراً:

— لا أعرف من كان يطاردني.

— لكنك تعرف أنه كان يطاردك.

— نعم.

— كيف؟

خفض ريو عينيه، صوته أصبح أخفض، وكأن الكلمات نفسها تؤلمه:

— حين يطاردك شيء لا تستطيع رؤيته، يصبح السؤال عن ماهيته أقل أهمية من السؤال عن سبب مطاردته لك.

قال آزر، والجملة خرجت بثبات:

— وأنا أريد أن أعرف السبب.

— سبب ماذا؟

— الموت.

رفع ريو عينيه إليه.

للحظة بدا وكأنه نسي جراحه كلها، ونسي الألم في صدره، ونسي الغرفة المظلمة. قال:

— الموت؟

— الجميع يقول إنه طبيعة الحياة.

— وهذا صحيح.

— كيف عرفت؟

سكت ريو، ولم يجب هذه المرة. قال آزر، وبدأ يتكلم ببطء، كأنما يرتب الأفكار وهو يقولها:

— يولد الإنسان، يكبر، ثم يموت. ولأن هذا يحدث أمامنا كل يوم، سميناه طبيعة. لا مشكلة في ذلك، لكن تكرار الشيء لا يثبت أنه حق.

قد يكون الشيء متكرراً لأنه قانون، وقد يكون متكرراً لأننا لم نرَ يوما ما يخالفه..

ثبتت عينا ريو عليه، ثم قال:

— ومن أخبرك بهذا؟

— لا أحد.

— إذن لماذا تصر على الشك؟

أجاب آزر، والجملة خرجت كاملة هذه المرة:

— لأنني لا أريد أن أعيش عمراً كاملاً داخل جوابٍ لم أختره .

للمرة الأولى تغيرت نظرة ريو إليه، ولم تعد نظرة رجل جريح ينظر إلى صبي فضولي، بل أصبحت نظرة رجل يرى أمامه شيئاً لم يتوقعه. قال بهدوء:

— هذه ليست طريقة طفل في التفكير.

— أنا لم أقل إنني أفكر كطفل.

ابتسم ريو رغم تعبه، ثم سعل سعالاً جافاً طويلاً، ووضع يده على صدره. انتظر آزر حتى هدأ التنفس، وحتى عادت اليد المرتجفة إلى جانب الجسد. ثم قال:

— هل كنت قوياً؟

سكت ريو قليلاً، وعيناه نظرتا إلى يديه اللتين كانتا ترتعشان خفيفاً فوق البطانية. قال:

— كنت أظن ذلك.

— والآن؟

— الآن أعرف أن القوة لا تمنحك ما تظنه.

— ماذا تمنحك؟

نظر ريو إلى يديه مرة أخرى، وقال بصوت منخفض جداً:

— فرصةً أطول لتكتشف كم أنت عاجز.

لم يجب آزر، اكتفى بأن جلس على حافة مقعد خشبي قديم بالقرب من الفراش، وانتظر.

تابع ريو بعد لحظة، وكأن الكلمات كانت مكبوتة فيه منذ زمن طويل:

— في البداية ظننت أن الطريق واضح، وكلما أصبحت أقوى، أصبح الموت أبعد.

— وهل أصبح أبعد؟

— نعم.

رفع ريو عينيه، وفيهما شيء يشبه الاعتراف الثقيل:

— لكنه لم يختفِ.

قال آزر:

— وماذا عن الذين كانوا أقوى منك؟

سكت ريو لحظة طويلة.

ثم قال، والجملة خرجت بطيئة:

— رأيت رجالاً كنت أظن أن العالم نفسه لا يستطيع إيذاءهم.

— وماتوا؟

— نعم.

— جميعهم؟

— جميعهم.

ظل آزر صامتاً، وفي رأسه صورة رجال أقوياء يسقطون واحداً تلو الآخر، لا يدري كيف. ثم سأل:

— كيف ماتوا؟

أجاب ريو:

— بعضهم قتلهم أعداؤهم.

— والبعض الآخر؟

— قتلته السماء

سكت آزر، والجملة علقت في الهواء كأنها شيء مادي يمكن لمسه. ثم قال، والجملة خرجت شبه همس:

— السماء لا تقتل.

نظر إليه ريو طويلاً، وفي عينيه شيء يشبه الحزن المختلط باليقين. قال:

— كنت أقول ذلك أيضاً.

— وما الذي غير رأيك؟

— رأيت ما يكفي لأتوقف عن الثقة بما أظنه.

كانت الجملة بسيطة، لكنها بقيت معلقة في المكان. قال آزر:

— ماذا رأيت؟

تنفس ريو ببطء، صدره ارتفع وانخفض بصعوبة.

— رأيت أناساً بلغوا من القوة ما جعل الآخرين يظنون أنهم تجاوزوا حدود البشر.

ثم اكتشفوا أن البشر ليسوا الشيء الوحيد الذي له حدود.

اقترب آزر قليلاً، صوت خطواته على الأرض الخشبية كان خافتاً. قال:

— ما الذي كان بعد تلك الحدود؟

هز ريو رأسه، والحركة كانت بطيئة ومؤلمة:

— لا أعرف.

— لكنك رأيته.

— رأيت أثره.

— وما الفرق؟

قال ريو، والجملة خرجت كأنها درس قديم يُعاد:

— الفرق بين أن ترى الشيء وأن ترى أثره هو الفرق بين أن تعرف وجود السكين وأن تعرف يد من تمسكها.

ساد الصمت.

خارج الغرفة سمع آزر صوت خطوات خفيفة، لربما كايو يتحرك في الفناء. ثم تابع ريو:

— كلما اقترب أولئك الرجال من ذلك الحد، حدث شيء لا أفهمه، وكأن العالم نفسه يبدأ في رفض وجودهم.

أجسادهم تضعف رغم قوتها، أرواحهم تضطرب، بعضهم فقد أشياء لم يكن ينبغي أن يفقدها، وبعضهم…

توقف، والسعال عاد للحظة قصيرة ثم هدأ. قال آزر:

— بعضهم ماذا؟

— اختفى.

— مات؟

— لا أعرف.

قال آزر:

— إذن لماذا تقول إنهم ماتوا؟

نظر ريو إليه، ثم قال، والجملة كانت ثقيلة كحجر:

— لأننا نحتاج إلى كلمة للمجهول.

سكت آزر، وكانت تلك أول مرة يسمع فيها جملة كهذه.

في رأسه بدأت الأفكار تتشابك: الموت، المجهول، الحدود، السماء.

قال ريو بعد لحظة، وكأنما يكمل فكرة واحدة طويلة خرجت بعد أن مرّ بكل ما مرّ به:

— الإنسان لا يحب الفراغ، فإذا وجد شيئاً لا يفهمه، أعطاه اسماً، وإذا تكرر أمامه، أعطاه قانوناً، وإذا خافه… سماه قدراً .

خفض آزر عينيه، والكلمات كانت تتردد في أذنيه كصدى.

ثم سأل، والجملة خرجت هادئة لكنها حادة:

— ومن وضع ذلك الحد؟

تغير وجه ريو، وهذه المرة لم تكن الإجابة تأخراً، بل كان خوفاً حقيقياً، ظاهراً في اتساع العينين قليلاً وفي انقباض الفك. قال:

— هذا هو السؤال الذي قتل من حاول الإجابة عنه .

ظل آزر ينظر إليه، ولم يتحرك. ثم قال، والجملة خرجت منطقية وقاسية في آن، بعد أن سمع ما يكفي ليصل إلى استنتاجه بنفسه:

— إذا ماتوا لأنهم حاولوا معرفة الجواب، فهذا يعني أن الجواب موجود، وإلا لما كان هناك ما يخشونه.

صمت آزر.

ثم تابع ريو:

— أنت تفكر بطريقة خطرة.

— لماذا؟

ابتسم ريو ابتسامة خافتة هذه المرة، وكأنها الاعتراف الأخير قبل التعب.

— لأنك لا تسأل كيف تتجاوز الشيء، أنت تسأل أولاً لماذا وُجد.

لم يجد آزر ما يقوله. فأكمل ريو، وصوته أصبح أهدأ:

— لهذا قلت لك: لا تبدأ بالقوة.

— وبماذا أبدأ؟

نظر ريو إلى السماء من خلال النافذة.

كانت صافية، هادئة، ولا شيء فيها سوى زرقة واسعة لا نهاية ظاهرة لها. قال:

— ابدأ بأن تتعلم كيف تفرق بين القانون والعادة.

— وكيف؟

— راقب.

— ماذا؟

ثم أضاف، والجملة خرجت كأنها نصيحة أخيرة خرجت بعد كل ما عاناه:

— كل شيء، فالشيء الذي نراه كل يوم يصبح مألوفاً، وما يصبح مألوفاً يتوقف الإنسان عن السؤال عنه. وهذا أخطر أنواع الجهل.

نظر آزر إلى السماء من مكانه، الزرقة كانت نقية، لا غيم فيها، ولا طائر يعبر. ثم سأل:

— ماذا رأيت هناك؟

لم يجب ريو، وعاد الصمت.

حتى ظن آزر أن الرجل لن يتكلم مرة أخرى.

ثم قال ريو، وصوته أصبح أخفض من قبل، كأن الكلمات تأتي من مكان بعيد داخل صدره:

— كنت في مكان لا يوجد فيه أحد. لا أصوات، لا رياح، لا أثر لحيوان، ولا إنسان.

— وأين كنت؟

— لا أعرف.

— كيف لا تعرف؟

— لأن المكان لم يكن يشبه أي مكان عرفته.

نظر ريو إلى السماء طويلاً من خلال النافذة الضيقة.

الضوء كان أقوى الآن، يرسم خطوطاً رفيعة على وجهه الشاحب. قال:

— في البداية ظننت أنني وحدي.

ثم قال، والجملة خرجت أبطأ:

— وبعدها شعرت أن شيئاً ينظر إليّ.

— من أين؟

— من فوقي.

— من السماء؟

أغمض ريو عينيه، لحظة طويلة، ثم فتحهما. قال:

— في البداية نعم، ثم لم يعد هناك فرق بين السماء وما حولي.

بقي آزر ساكناً، وفي رأسه صورة مكان بلا صوت ولا ريح، وشيء ينظر من فوق. تابع ريو:

— ركضت.

— إلى أين؟

— لا أعرف.

— ولماذا؟

— لأنني أدركت أنني إذا بقيت… فلن أخرج.

— من ماذا؟

نظر ريو إلى آزر، وفي عينيه عاد ذلك الخوف القديم، الخوف الذي ليس من الموت بل من شيء أقدم وأعمق. قال:

— من شيء لم أره قط.

سأل آزر:

— وكيف هربت؟

أجاب ريو:

— لا أعرف.

ثم أضاف بعد لحظة، والجملة خرجت كأنها الاعتراف الأخير:

— لكنني أعرف شيئاً واحداً.

حين وصلت إلى هنا، أدركت أنني لم أكن أهرب من شيء، بل كنت أهرب من أن يُعثر عليّ.

في اللحظة نفسها انفتح باب الغرفة بعنف.

صوت المفصلات صرخ في الهواء، والضوء الخارجي دخل فجأة. كان كايو يقف عند المدخل، ووجهه شاحب، وعيناه واسعتان كأنه رأى شيئاً لا يُصدق. صاح:

— رين!

التفت الجميع إليه. قال كايو، وصوته مرتجف قليلاً:

— تعال بسرعة.

خرج رين فوراً، ونهض آزر خلفه، لكن ريو أمسك معصمه.

كانت قبضة الرجل ضعيفة، واهنة، ومع ذلك شعر آزر بشيء غريب، دفء خافت، وكأن شيئاً يتحرك تحت جلد ريو نبضة غريبة ليست من الدم العادي.

نظر آزر إلى يده، ثم إلى ريو. تركه الرجل فوراً، وقال بصوت منخفض جداً:

— لا تسأل.

— لماذا؟

نظر ريو إلى عينيه.

في النظرة شيء من التحذير الحقيقي، لا من الخوف فقط. قال:

— لأنك إذا بدأت السؤال عن كل شيء… فلن تستطيع التوقف.

ثم أفلت يده، وخرج آزر.

كان رين وكايو يقفان أمام البيت. على الأرض، قرب المكان الذي وُجد فيه ريو بالأمس، كانت هناك شجرة يابسة. لكنها لم تكن كما كانت، جذعها انشق من المنتصف. ولم يكن الانشقاق كسراً عادياً ناتجاً عن الريح أو الزمن. كان القطع نظيفاً، مستقيماً، وكأن شيئاً حاداً مرّ عبرها دون أن يلمسها، و دون أن يترك شظايا أو آثار احتكاك.

السطح المقطوع كان أملس كأنه صُقل.

اقترب آزر، ومد يده نحو الجذع، كان سطح القطع بارداً، أبرد من الخشب العادي في هذا الوقت من الصباح.

وفي وسطه ظهرت علامة صغيرة. دائرة سوداء لا يزيد قطرها على طرف الإصبع. حدق آزر فيها، ولم يعرف لماذا، لكنه شعر أنها ليست علامة تركها إنسان.

ليست محفورة بأداة، ولا محروقة بنار عادية. كانت كأنها نمت من داخل الخشب نفسه.

رفع رأسه. السماء فوقه كانت صافية، لا غيوم، لا طيور، لا شيء. فقط زرقة واسعة ساكنة كأنها تنتظر.

قال رين بصوت خشن:

— لا تلمسها.

توقف آزر، ويده كانت لا تزال قريبة من العلامة.

— لماذا؟

لم يجب رين، أما ريو، الذي خرج متكئاً على الباب، فقد رفع عينيه إلى العلامة. وبدا على وجهه شيء لم يره آزر من قبل.

ليس خوفاً، بل يقيناً ثقيلاً، كأنه رأى ما كان ينتظره منذ البداية.

همس ريو، والصوت كان خافتاً جداً لكنه وصل إلى آذان الجميع:

— وجدني مرة أخرى.

نظر آزر إلى السماء، ثم إلى العلامة، ثم إلى ريو. وسأل، والجملة خرجت شبه همس:

— من؟

لم يجب أحد، وظلت السماء صامتة.

لكن آزر، للمرة الأولى، لم ينظر إليها باعتبارها شيئاً فوق رأسه.

بل باعتبارها شيئاً قد يكون ينظر إليه.

وفي تلك اللحظة أدرك أن بعض الأسئلة لا تفتح أبواباً إلى الحقيقة.

. بل تجعل الحقيقة تلتفت إليك ..