حين ظهرت القرية بين الأشجار، لم يسرع أحد.
كان الطريق أسهل مما توقعوا.
لم يهاجمهم شيء بعد المخلوقات التي واجهوها، ولم تنشق الأرض تحت أقدامهم، ولم يسمعوا طرقة واحدة.
ومع ذلك، كان ذلك الهدوء أكثر إزعاجًا من الخطر.
توقّف آزر عند آخر التلة، وأسفلهم امتدت القرية كما تركوها تقريبًا.
البيوت الخشبية الصغيرة ما زالت متراصة على جانبي الطريق، والأعمدة القديمة تحيط بالساحة، والدخان الرقيق يصعد من أحد الأسطح، حتى أصوات الدجاج والماشية وصلت إليهم من بعيد، كانت عادية إلى درجة جعلت المشهد كله يبدو كأنه انتظر عودتهم بصبر.
لكن شيئًا واحدًا لم يكن عاديًا. الطريق كان هادئًا أكثر مما ينبغي. لم يسمعوا صراخًا، لم يروا أحدًا يركض، ولا كانت هناك آثار لقتال.
قال كايو أخيرًا:
— هذا غريب.
لم يرد آزر، وكان ينظر إلى الشجرة. الشجرة القديمة ما زالت واقفة في طرف الساحة، بجذعها الملتوي وأغصانها الكثيفة. لقد بدت أصغر مما يتذكر، أو ربما كان العالم هو الذي أصبح أكبر.
توقف للحظة، وتذكر أول مرة وقف تحتها. لم يعرف يومها لماذا شعر أن هذا المكان يخفي شيئًا. ولم يكن يعرف الحجر الأسود، ولا ريو، ولا الطريق، ولا الطرقات. كان مجرد فتى يريد أن يعرف لماذا كان الموت ينتظر الجميع، والآن بعد كل ما حدث، عاد إلى المكان نفسه وهو يحمل أسئلة أكثر مما كان يملك من أجوبة.
قال رين بهدوء:
— لندخل أولًا.
تحركوا، وحين اقتربوا من أول البيوت، خرج رجل مسن، ثم تبعته امرأة، وظهر طفلان خلف الباب. توقفت المرأة حين رأت آزر، وحدقت فيه لثوانٍ قبل أن تقول:
— أنت…
لم يحتج إلى أن يعرّف نفسه، اقترب رجل آخر:
— عدتم.
قال كايو:
— نعم.
نظر الرجل إلى المجموعة، ثم إلى رين ونيرة وتشاو:
— أين كنتم كل هذه المدة؟
قال آزر:
— في طائفة في الشمال.
— وهل الطائفة بخير؟
لم يجب أحد. ثم رفع الرجل عينيه نحو الدخان البعيد الذي كان لا يزال يتصاعد فوق الجبال. فهم وحده:
— ماذا حدث؟
قال آزر:
— لا نعرف كل شيء بعد.
لم يسأل الرجل أكثر، كانت وجوههم تكفي. بعد قليل سأل آزر:
— وسورا؟
تبادل آزر وكايو النظرات، ثم أجاب الرجل:
— لم يعد منذ ليلة أمس.
توقف آزر:
— هل خرج من القرية؟
— نعم.
— وحده؟
— حسب ما رأيناه.
سأله آزر:
— والرجل الذي جاء مؤخرًا؟
تغيرت ملامح الرجل:
— الغريب؟
أومأ آزر.
— غادر أيضًا.
— متى؟
— قبل سورا بوقت قصير.
قال كايو:
— هل قال أين سيذهبان؟
هز الرجل رأسه:
— لم يقولوا شيئًا، وسورا لم يكن يتكلم أصلًا عن الأشياء التي يفهمها.
سأله آزر:
— ماذا كان يقول؟
نظر الرجل إلى الشجرة:
كان يقول فقط:
— لا تقتربوا منها، وبالأخص ذلك الحجر
قال آزر:
— هل شرح السبب؟
هز الرجل رأسه:
— أبدًا.
ثم ابتعد، ولم يكن في كلامه شيء أكثر من ذلك. وهذا ما جعل آزر يفكر فيه طويلًا. سورا لم يكن رجلًا يشرح مخاوفه، كان يضع حدودًا، ويترك الباقين يعيشون داخلها دون أن يعرفوا لماذا.
دخل آزر ساحة القرية. كان الحجر الأسود لا يزال هناك، ونصفه مدفون تحت التربة، كما رآه أول مرة. اقترب منه ببطء، ولكن توقفت قدماه قبل أن تلامسه. كان سطحه أسود أملس، والدائرة الناقصة لا تزال محفورة عليه. لكن الآن ظهر فوقها شيء جديد. خط أبيض، رفيع جدًا، يمتد من طرف الدائرة، ثم يختفي بين الشقوق.
انخفض آزر على ركبته، لم يلمسه. فقط مد يده إلى الأرض، كانت التربة حول الحجر أكثر برودة من بقية الساحة. رفع عينيه، والشجرة فوقه، ثم نظر إلى المسافة بين جذعها والحجر. تذكر السجل الذي قرأه في الطائفة. سبع خطوات.
وقف، وتقدم نحو الشجرة، وبدأ يعد في صمت. واحدة، اثنتان، ثلاث، أربع، خمس، ست… ثم السابعة. توقفت قدمه، وخفض نظره. كان هناك حجر صغير نصف مدفون تحت التراب. ليس أسود، ولا عليه علامة واضحة، لكن موضعه كان مطابقًا تقريبًا للقياس الذي وجده في السجل.
بقي آزر ساكنًا، ولم يحتج إلى أن يقول شيئًا. فهم أن الرقم لم يكن خاصًا بالمكان الذي جاءوا منه، ربما كان جزءًا من طريقة وضع هذه الأشياء، أو ربما لم تكن كذلك. لم يقترب أكثر، وعاد إلى الشجرة. الجذور، الحجر، المسافة، الخيط الأبيض، أشياء كثيرة كانت أمامه منذ البداية. لكنه لم يكن يعرف كيف يضعها بجانب بعضها.
قال كايو من الخلف:
— هل وجدت شيئًا؟
التفت إليه آزر:
— شيئًا صغيرًا.
— ما هو؟
نظر إلى الشجرة:
— أن سورا لم يكن يبعد الناس عن الشجرة عبثًا.
لم يسأل كايو أكثر. وفي هذه القرية كان هناك الكثير من الأشياء التي لم يكن أحد يحب الحديث عنها.
ومع اقتراب الغروب بدأ أهل القرية يعودون إلى بيوتهم. كانت السماء تميل إلى الأحمر، وأصبح الدخان القادم من جهة الطائفة أكثر وضوحًا. جلس كايو قرب جدار أحد البيوت، وبدأت نيرة تعيد لف الضماد حول كتفه. قال وهو يتألم:
— أظن أنني أكره هذه القرية أكثر مما أحبها.
قال تشاو:
— لأنك أحمق.
— وهذا لم يمنعها من أن تكرهني.
ابتسمت نيرة، وحتى آزر ابتسم ابتسامة صغيرة لم تدم إلا لحظة. كان رين واقفًا بالقرب من الشجرة، ومنذ وصولهم لم يتحدث كثيرًا. كان يراقب المكان أكثر من أي وقت مضى، ثم اقتربت منه نيرة:
— هل أنت بخير؟
أومأ:
— نعم.
— أنت لا تبدو كذلك.
ابتسم رين:
— أنت أيضًا لا تبدين بخير.
نظرت إليه:
— أنا لا أكذب جيدًا مثلك.
ضحك رين بخفوت، ثم سكت، كانت لحظة عادية وبسيطة.
ولهذا لم ينتبه أحد إلى التغير الذي طرأ على وجه كايو. كان جالسًا قرب الجدار، ثم توقف فجأة عن الكلام. رفع رأسه، وعيناه اتسعتا قليلاً، ثم قال بصوت منخفض:
— أمي؟
التفتت نيرة:
— ماذا؟
لم يجب، كان يسمع صوتًا، ليس طرقًا، بل همسًا. صوتًا يعرفه.. صوت أمه يناديه من مكان منخفض، ومن جهة الحجر. وقف ببطء، وتقدم خطوة. قال آزر من بعيد:
— كايو؟
لم يسمعه، وتقدم مرة أخرى، كان وجهه قد تغير تمامًا. همس:
— أمي… هل أنت هناك؟
شعر للحظة أن الجواب قريب، وأن أمه ربما تكون خلف الشجرة، أو قريبة من الحجر، أو في مكان ما لم يره أحد. مد يده، وقبل أن يلمس الحجر، توقف آزر فجأة.
شعر بشيء في يده. الحجر الرمادي، كان باردًا طوال اليوم، والآن بدأ يسخن، ارتفعت حرارته فجأة، ثم أكثر حتى أحرق كفه. حدق فيه، وكان اللون الرمادي قد اختفى. تحول السطح شيئًا فشيئًا إلى لون أحمر داكن. لون الدم .
تغير وجه آزر:
— كايو!!
التفت إليه، وللمرة الأولى منذ وصولهم ارتفع صوت آزر بشكل واضح:
— ابتعد عن الحجر!
لكن كايو كان قد مد يده بالفعل، وانفتح الحجر. ليس مثل باب، بل مثل جرح انشق وسطه من الأعلى إلى الأسفل، وخرجت من داخله ظلمة كثيفة. ثم ظهرت العين، عين واحدة، ذهبية، وكبيرة.
ثبتت على كايو… وفي اللحظة نفسها خرجت يد سوداء طويلة من الشق، أمسكت جسده من صدره.
شهقت نيرة:
— كايو!
اندفع آزر، لكن ريو أمسك به:
— لا!
— اتركني!
دفعه آزر بقوة، لكن ريو لم يتحرك، صرخ آزر:
— لا تقتربوا!
لم ينتهِ الصوت حتى بدأت الشجرة خلف كايو تحترق، ولم تشتعل من الخارج، بل النار خرجت من داخل جذعها. انتشر الضوء الأحمر بين تشققات الخشب، ثم انفجرت الأغصان بلهيب أسود. صرخ أحد سكان القرية، ثم تعالت الصرخات واحدة تلو الأخرى.
والتفتت العين، ليس إلى كايو، بل إلى الناس، توقفت لحظة.. وكأنها تنظر إليهم واحدًا واحدًا، شعر آزر بقشعريرة حادة تسري في عموده الفقري.
ثم حدث كل شيء في آن واحد. انفجرت أجساد أهل القرية، ولم يكن هناك وقت للصراخ، تفتحت الدماء في الهواء دفعة واحدة، وانفجرت الأجساد كما لو أن شيئًا مزقها من الداخل! تناثرت الأشلاء فوق الأرض، وصعدت الدماء كالرذاذ، ثم انهمرت كشلال أحمر غمر الساحة! غطى الجدران، الأرض، الشجرة المحترقة، وآزر، من شعره الاسود الطويل إلى وجهه وثيابه وساقيه، حتى أخمص قدميه.
لم يتحرك، ولم يسمع شيئًا.. كان كايو لا يزال عالقًا في يد الكائن، وعينه الوحيدة ما تزال تنظر. نيرة سقطت على ركبتيها، وحدقت في يديها الملطختين بالدم، ثم رفعت رأسها وهي ترتجف. رين لم يتحرك، وكان يحدق أمامه فقط. حتى ريو… ارتجف ولم يقل شيئًا.
ثم بدأت الدماء تتحرك، لم تبقَ على الأرض، وسُحبت نحو الحجر الأسود كأنها تُبتلع. جرت من كل اتجاه، من الجدران، من الأشلاء، ومن وجوه الموتى، نحو الشق. امتص الحجر كل شيء، وتحول لونه إلى أحمر دموي قاتم، ثم… انفجر.
دوّى الانفجار في الساحة، وتطايرت شظايا سوداء حمراء، وانفتح تحت الأرض ممر حجري قديم… جدرانه ملساء، بأعمدة على الجانبين، ودوائر محفورة، وفي نهايته ظلام طويل. الطريق فُتح بدماء أهل القرية .
تحركت اليد السوداء، واختفى جسد كايو داخل الشق. وفي اللحظة نفسها بدأت الشجرة تنهار إلى الداخل. سحبها شيء تحت الأرض، سقط الجذع، وانفتحت الفجوة أسفلها.
نظر آزر إلى العين، وللحظة قصيرة جدًا التقت أعينهما، ولم يشعر بالخوف، بل شعر بشيء أسوأ. شعر أن ذلك الشيء عرفه، ثم انخفضت العين، ونظرت إلى الممر المفتوح.
توقف كل شيء.. ثم اختفت، وانغلق الشق.
تجمد آزر في منتصف الساحة. قطعة دم تنزل ببطء من طرف شعره إلى عينه. رفع يده، وكان الحجر الرمادي لا يزال في قبضته. حرارته بدأت تنخفض، وعاد لونه إلى الرمادي، وبقي عليه أثر واحد فقط. خط أبيض..
وهذه المرة لم يتجه إلى الجنوب، ولم يتجه إلى الشرق، بل اتجه إلى داخل الممر.
نحو الظلام .
نظر آزر إليه طويلًا، ثم نظر إلى المكان الذي كان فيه أهل القرية. لم يبقَ أحد، ولا صوت، وولا حتى ظل شخص يتحرك خلف النوافذ. فقط الدم الذي اختفى، والنار، والطريق المفتوح تحت الشجرة التي لم تعد موجودة.
فتح فمه، ولم يخرج صوت، لمس الدم على وجهه، ثم نظر إلى يده. تذكر شين، وتذكر والديه، ثم تذكر أنه عاد إلى المكان الذي أراد حمايته ومعرفة الحقيقة، ولم يستطع أن يفعل شيئًا. وهذه المرة لم يختر، لم يكن لديه حتى وقت للاختيار.
ثم قال بصوت لم يسمعه أحد إلا بصعوبة، صوت منخفض ومكسور:
— القوة التي تأتي بعد فوات الأوان… ليست قوة .
رفع عينيه إلى الممر، ولم يقل إن الطريق ينتظر. لم يستطع، فقط وقف هناك، والدم لا يزال على جلده، والقرية التي عرفها منذ طفولته قد اختفت إلى الأبد.
خلفه كان الباقون صامتين، وأمامه كان الظلام مفتوحًا. ولأول مرة منذ بدأ كل شيء، لم يكن آزر يبحث عن إجابة. كان يحاول فقط أن يتنفس…