لم يلتفت أحد إلى الطائفة.
مع ذلك ظل وهج النيران يلاحقهم بين الأشجار، وكان يظهر من حين إلى آخر فوق القمم، ثم يختفي خلف الدخان، بينما كانت الأجراس تصلهم بعيدة ومشوّشة، كأنها تأتي من مكان آخر لا يمتّ إلى العالم الذي عرفوه بصلة.
لم يتحدث أحد عن شين.
كان غيابه يتحرك معهم.
كايو كان يضغط على كتفه المصاب بيده السليمة، وكلما أسرع قليلًا عاد الألم حتى يبطئه. الدم كان قد جف على جانب فمه، لكنه بدأ يظهر من جديد عند حافة الجرح. تشاو كان يضع يده على ضلوعه، ونيرة بدت شاحبة بعد أن استنفدت جزءًا كبيرًا من مددها، أما رين فلم يعد يلتفت إلى الخلف إلا لثوانٍ قصيرة، ثم يعود بوجه أكثر صمتًا.
وكان ريو في آخر المجموعة، جرحه القديم كان قد انفتح قليلًا، والدم تسرب تحت ثوبه.
أما آزر فكان في المقدمة،كان أضعفهم، ومع ذلك لم يتوقف.
بعد مسافة طويلة وصلوا إلى ممر ضيق بين صخرتين، توقف آزر.
نظر كايو إلى المكان ثم قال:
— أعرفه.
رفع رين رأسه:
— وأنا أيضًا.
كانت هناك شجرة مائلة إلى اليمين، وجذر ضخم يخرج من الأرض قبل أن يختفي تحت الصخور.
قال كايو:
— هذا هو الطريق الذي جئنا منه.
لم يجب آزر، وظل ينظر إلى الشجرة، ثم إلى حجر أبيض صغير قرب الجذر، ثم إلى الجبل خلفه. لقد مر من هنا قبل أن يعرف الطائفة، وقبل أن يفهم شيئًا عن ريو أو الحجر الرمادي. بل قبل أن يعرف حتى أن العالم يخفي طرقًا داخل طرق.
قال رين:
— إذا تابعنا من هنا سنصل إلى القرية أسرع من أي طريق آخر.
تقدم ريو خطوة:
— إن كان هذا ما زال الطريق نفسه.
التفت كايو إليه بعصبية:
— هل يمكنك أن تقول شيئًا جيدا مرة واحدة دون أن تجعلنا نندم على أننا سألناك؟
لم يبتسم ريو، أما آزر فأخرج الحجر الرمادي، كان باردًا. وظهرت فوق سطحه لمعة باهتة للحظة، ثم امتد خط أبيض رفيع نحو الممر. توقف، ثم انحنى قليلًا، وعاد إلى الخلف.
قال آزر:
— لن نمر من هنا.
سأل تشاو:
— لماذا؟
أجاب وهو لا يزال ينظر إلى الحجر:
— لأنه لم يعد يقودنا إلى الطريق، بل إلى موضعه.
لم يفهم كايو، ولكن ريو فهم، وقال بصوت منخفض:
— بدأت تلاحظ الفرق.
ظل آزر صامتًا، وتذكر الحجر الأسود تحت الشجرة القديمة في القرية. تذكر أن الجذور كانت تتجنبه، ثم تذكر السجل الذي قرأه في الطائفة:
« موضع الحفر كان سبع خطوات من الشجرة .»
توقف، ونظر إلى المسافة بين الشجرة المائلة والجذر الضخم أمامه، ثم خطى سبع خطوات ببطء، يعدّها في صمت. توقف عند حجر نصف مدفون، ولم يكن أسود، لكنه كان في المكان الذي كان يتوقعه كما لو أن القياس نفسه انطبق هنا.
قال لنفسه فقط: ليست نفس الشجرة، ولكن الرقم نفسه يعود.
رفع الحجر الرمادي أمام الضوء الضعيف، وكان الأثر لا يزال واضحًا. حرف صغير: ر، وتحته جزء ناقص يشبه بداية: يو …
قال كايو:
— ماذا؟
خفض آزر الحجر:
— لا شيء، منذ وجدنا هذا الحجر ظهر عليه « ر »، ثم « يو… »، وعرفنا يان ويوهان وريو… لكنني لا أعتقد أن الحجر كان يكتب أسماءهم.
قال ريو:
— لماذا؟
— لأن الحجر لا يهتم بنا، فكل مرة ظهر فيها شيء كان يحدث بالقرب من طريق أو حجر أو علامة، وليس بالقرب من شخص.
وهذه المرة لم يصحح ريو، وكان ذلك كافيًا.
اقتربت نيرة:
— يجب أن نرتاح.
هز آزر رأسه:
— ليس بعد، نحن مصابون، والطريق أمامنا مكشوف، لذلك لا نحتاج أن نجعله أصعب مما هو عليه. الآن أريد ماءً ومكانًا مرتفعًا ونقطة يمكن الدفاع عنها، ثم نكمل.
فهم كايو ما يفعله:
— لا تريد أن نقاتل ونحن محاصرون.
— نعم.
قال تشاو:
— لأول مرة منذ خرجنا من الطائفة أشعر أن أحدًا يفكر.
نظر إليه كايو:
— وأنا؟
— أنت أحمق غبي.
— شكرًا.
نيرة ابتسمت قليلًا، كانت ابتسامة قصيرة، ولكنها كانت أول شيء يشبه الحياة في المجموعة منذ سقوط شين.
وجدوا مكانًا مرتفعًا بعد نصف ساعة. كان صخريًا، وتحته مجرى ماء ضيق تجمع فيه ماء المطر، ملأوا القِرَب الجلدية، ثم جلس كايو قرب صخرة بينما بدأت نيرة تفحص جروحه، وما إن لمست كتفه حتى شد أسنانه:
— لا تلمسيها هكذا.
— لو تركتها ستتعفن.
— هل هذا أسلوبك في المواساة؟
— نعم.
ابتسم كايو رغم الألم.
ابتعد آزر عنهم قليلًا، وكان ينظر إلى الأرض، ثم رأى الآثار. خطوات في الطين، كثيرة، تدور حول المكان ثم تعود. انحنى، ومرر أصابعه فوق حافة إحدى البصمات دون أن يلمس مركزها:
— ليست قديمة.
اقترب ريو:
— ولا هي آثار حراس.
سأل تشاو:
— كيف عرفتما؟
قال آزر:
— عمقها خفيف، والمسافة بين الخطوات بشرية.
قال رين بهدوء:
— هناك أحد قريب.
رفع الجميع أسلحتهم، ولم يمر وقت طويل قبل أن يظهر ظل بين الأشجار. كان حجرًا أسود نصف مدفونًا، وعليه ثلاث علامات باهتة، وموضع رابع محترق كأنه أُغلق مؤخرًا. حوله آثار أقدام حديثة، وبعضها يعود إلى الوراء في اتجاه القرية.
اقترب آزر، ولم يلمس الحجر، ثم قال بصوت منخفض:
— نفس العلامة.
نظر ريو إلى الموضع المحترق ولم يقل شيئًا، فقط تغير وجهه قليلًا.
وفي تلك اللحظة سمعوا صوتًا منخفضًا بين الأشجار، ليس زئيرًا، بل احتكاك حجارة. ثم ظهر مخلوق واحد فقط، جسده منخفض، قوائمه طويلة، وجلده الرمادي ملتصق بعظامه، كان من النوع الذي رأوه مرة قرب الجبل الشرقي، وكان يدور حول الموضع كما لو أنه يحرس شيئًا.
اندفع نحو كايو، رفع كايو ذراعه السليمة فاصطدمت به واهتز جسده كله. تراجع خطوة وصرخ من الألم حين تحرك كتفه المصاب، ولم يمنحه المخلوق فرصة ثانية، قفز عليه. غرس كايو أصابعه في فكه وأمسكه بكل قوته. كان ينزف من كتفه وعيناه محتقنة بالدماء. صرخ:
— الآن!
مر رمح رين بينهما واخترق عين المخلوق، فسقط. وبقى آخر مختبئًا خلف الشجيرات، ثم اندفع نحو نيرة. رفعت يدها ودفعه المدد إلى الجانب، لكنها لم تستطع تثبيته، اصطدمت قدماها بالأرض، ونزف الدم من راحة يدها حين خدشتها الصخور. وصل آزر، ولم يضربه مباشرة، ركل حجرًا تحت قدمه.
التفت المخلوق للحظة، وهذه اللحظة كانت كافية. ضرب آزر الحجر الرمادي بيده ودفع فيه قدرًا محدودًا من المدد، انطلقت الضربة، فتحطم جانب رأس المخلوق وسقط من فمه دم أسود.
مسح كايو الدم عن فمه، وقال:
— يا لها من وحوش قبيحة.
قال رين:
— لدينا من هو أقبح منهم.
ضحكت نيرة رغمًا عنها ثم سكتت، كانت الدموع لا تزال في عينيها، ولم يكن أحد بحاجة إلى السؤال عن السبب.
بعد أن هدأ كل شيء وقف آزر أمام الحجر الأسود نصف المدفون. تذكر جذور الشجرة في القرية التي كانت تتجنبه، وتذكر السجل الذي ذكر السبع خطوات. ثم تذكر أن سورا كان يعرف الموضع بدقة، وأنه أخفى الأمر لسنوات، وقال بصوت منخفض كأنه يفكر بصوت مسموع:
— سورا لم يكن يحرس الشجرة، بل ربما كان يحاول إبقاء الناس بعيدًا عن شيء تحتها.
نظر إلى ريو، ولكن لم يجب.
أكمل آزر بعد لحظة:
الحجر الأسود ليس الطريق، ربما هو جزء مما يثبّت الموضع أو يحجبه، والخط الأبيض… ربما هو مجرد إشارة حتى يستجيب موضع، وأن الطريق بين موضع وآخر صار ممكنًا رؤيته.
نظر ريو إليه وقال فقط:
— اقتربت.
ثم سكت.
سأل آزر:
— وطرقة السماء؟
أجاب ريو بعد صمت قصير:
— لم تكن شخصًا يطرق بابًا، كانوا يسمعون ثلاث طرقات ثم الرابعة، ولم يجدوا أحدًا، لذلك لم يفهموا أبدا أن الطريق نفسه كان يستجيب عندما يتغير شيء في أحد المواضع.
لم يقل أكثر من ذلك.
ظل آزر واقفًا، وفي يده كانت قطعة قماش شين. تذكر آخر شيء قاله:
"أردت أن أعرف فقط… ماذا يوجد في آخر الطريق" وللمرة الأولى فكر في شيء لم يفكر فيه من قبل. هو لم يعرف إن كان لشين أب ينتظره، أو أم، أو أحد يسأل أين ذهب، لقد كان يمشي بجانبه أيامًا، ومع ذلك لم يعرف عنه شيئًا حقيقيًا.
ضغط على قطعة القماش، وتسللت فكرة ببطء:
كنت أظن أن القوة تمنحني الحق في الاختيار، ولكن لم أعتقد ابدا أنها ستجعلني يومًا أقرر من أتركه يموت .
رفع عينيه نحو الطريق، وظل يحدق فيه.
بعد قليل أخرج الحجر الرمادي، وظهر الخط الأبيض من جديد، تحرك إلى الجنوب، و انحرف قليلًا نحو الشرق. ثم عاد إلى الجنوب مرة أخرى. قال كايو:
— ماذا يفعل؟
أجاب آزر:
— إنه لا يريد أن يدلنا على القرية مباشرة، أعتقد أنه يريد أن يدلنا على المواضع التي يمر بها الطريق أولا. وإذا أردنا أن نصل قبل أن يتغير الموضع مرة أخرى… فعلينا ألا نتبعه من الخلف.
أشار إلى سلسلة الصخور الممتدة خارج الطريق:
— سنصل قبله.
نظر كايو إليه:
— هل تستطيع؟
بقي آزر صامتًا، كانت قدمه تؤلمه، وجسده كله يصرخ بالإرهاق. لكنه بدأ يتحرك، خطوة، ثم أخرى، وتبعه الباقون.
خلفهم كانت الطائفة تحترق، أمامهم بدأت أشجار الغابة تظهر فوق التلال، وكان يعرف ما يقع خلفها. القرية التي ظنها يومًا بداية العالم، ولكنه الآن يعرف شيئًا آخر. تحت شجرتها كان هناك حجر غريب، ومع ذلك الحجر ربما يوجد شيء أقدم.
وبعيدا عنهم… في نهاية ذلك الطريق… كان شيء ما قد بدأ يستيقظ منذ وقت أطول مما تخيلوا.