لم يكن لديهم أكثر من ساعة قبل أن تُغلق الجهة الجنوبية بالكامل.
انتشرت النيران في البرج، وبدأ الدخان يتصاعد فوق أسطح السكن، بينما كان صوت الأجراس يملأ الطائفة بلا انتظام، الحراس يركضون بين المباني، والأوامر تتقاطع من كل جهة.
وفي غرفة التخزين المهجورة اجتمع آزر وكايو ونيرة ورين وتشاو وشين. كان شين واقفًا قرب الباب، ووجهه أكثر جدية من المعتاد.
قال شين:
— البوابة الجنوبية ستُغلق أولًا، ثم سيبدأ التفتيش من كل جهة.
قال كايو:
— ووالدا آزر؟
— أُخرجا إلى الجناح الداخلي مع بقية السكان.
أغمض آزر عينيه للحظة. على الأقل كانا بعيدين عن الحريق، لكنه لم يشعر بالراحة.
قال شين:
— المشكلة أننا لن نخرج من البوابة بسهولة، فالحراس يعرفون أن الطريق الجنوبي هو المكان الوحيد الذي يمكن الوصول منه إلى الجبل بسهولة.
وضع شين قطعة قماش على الطاولة ورسم عليها مخططًا بسيطًا:
— لكن الطائفة بُنيت فوق منشآت أقدم منها، وهناك قناة لتصريف المياه تبدأ من مبنى التخزين القديم وتعبر تحت الجدار الجنوبي.
قال تشاو:
— وهل خرج منها أحد من قبل؟
— لا أعرف.
— هذا مطمئن.
تجاهله شين:
— القناة ضيقة، والجزء الأخير منها انهار منذ سنوات.
قالت نيرة:
— إذن لا تصلح.
أجاب شين:
— وحدها لا.
نظر الجميع إلى آزر. كان يحدق في الحجر الرمادي، والخط الأبيض عليه أصبح أوضح منذ ظهور النار. لم يكن يشير إلى الجنوب، هذه المرة كان ينحني قليلًا… ثم يعود.
أخرج آزر خريطة مقلدة وغير مكتملة مثل التي تخص ريو ووضع الحجر فوقها. ظل ساكنًا، ولكن الخط الأبيض توقف فجأه فوق جزء من المخطط. رفع آزر إصبعه:
— هنا.
اقترب شين:
— هذه القناة.
قال آزر:
— لا، بل هذا جزء منها.
قلب الخريطة وأشار إلى خط آخر كان شبه ممحٍ:
— القناة ليست مستقيمة.
سأل كايو:
— وماذا يعني ذلك؟
— أنها لم تكن قناة مياه في الأصل.
نظر الجميع إليه، ولكن قبل أن يجيب أحد، فُتح الباب فجأة.
دخل ريو.
تجمد الجميع. كان ثوبه لا يزال ممزقًا، والجرح على ذراعه لم يُعالج تمامًا. نظر إليهم واحدًا تلو الآخر، ثم قال بصوت هادئ:
— سآتي معكم.
لم يسأل أحد كيف عرف، ولم يوضح، فقط أغلق الباب خلفه ووقف بجانب الطاولة.
قال آزر بعد لحظة:
— القناة ليست مستقيمة، أو لم تكن كذلك في البداية.
أومأ ريو:
— أحسنت، هذه إحدى ممرات الخدمة القديمة، وكانت تربط المواضع قبل أن تُبنى الطائفة حولها.
حدق آزر في الخط، ثم تذكر السهم الذي وجده تحت البوابة، والخطوط، والعلامات. ثم قال:
— لهذا كانوا يكتبون:
راقبوا الحجارة.
نظر ريو إليه:
— ليس تمامًا، ولكن بالفعل الحجارة كانت هي التي تحدد الممر.
فتح آزر كمه وظهر الحجر الرمادي:
— ألهذا كان الرجل يسأل عن حامله؟، هل ذلك لأن الحامل يستطيع رؤية ما لا يستطيع الآخرون رؤيته وحدهم؟
لم يصحح ريو.. وكان ذلك كافيًا.
قال شين:
— لدينا عشرون دقيقة.
نهض كايو:
— إذن لنتحرك.
وصلوا إلى المبنى القديم قبل أن يصل الحراس، وكان باب القناة مدفونًا تحت أكياس قديمة. رفع شين اثنين منها فتساقط الغبار، وظهرت حجارة سوداء صغيرة على الأرض.
توقف آزر، ولم يلمسها. كانت عليها العلامة نفسها، ولكن هذه المرة لم يكن هناك خط أبيض. قالت نيرة:
— هل هي مثل التي رأيناها؟
أجاب آزر:
— نعم، ولكن انظروا، ثلاث منها متقاربة، والرابعة بعيدة. هي ليست عشوائية، إنها فقط تحدد اتجاهًا.
فتح ريو عينيه قليلًا، وقد تغير شيء في وجهه وكأنه تذكر شيئًا قديمًا:
— لا تضعوا قدمًا بين الثانية والثالثة، فهذه الممرات… تتذكر من يخطو في المكان الخطأ.
لم يسأله أحد، وداروا حول الحجارة واحدًا تلو الآخر.
كان الممر أضيق مما توقعوا، الجدران رطبة،الهواء ثقيل. وتشاو كان يضطر إلى الانحناء كل عدة خطوات. ثم قال بصوت مكتوم:
— عندما نخرج أريد أن أفهم لماذا يصر العالم على بناء ممرات لا تناسب البشر.
ضحكت نيرة ثم كتمت ضحكتها حين سمعوا شيئًا خلفهم. خطوة، ثم أخرى، واستدار كايو. لا أحد.
قال رين بصوت منخفض:
— لا تنظروا، هناك خطوات.
لم يسمعها أحد، وسأل آزر:
— كم؟
— أربع…
— لا،بل خمس
تغير وجه ريو بحدة هذه المرة، وقال بصوت خافت لكنه قاطع:
— لا تلتفتوا، ولا تعدّوا، الطريق القديم لا يحب أن يُحصى.
لم يفهم آزر العبارة تمامًا، لكنه لم يلتفت، وواصلوا. بعد لحظات اختفت الخطوات، ثم ظهر ضوء ضعيف أمامهم.
قال شين:
— وصلنا.
خرجوا من القناة واحدًا تلو الآخر، كانوا خلف الجدار الجنوبي للطائفة، ولثوانٍ لم يتحرك أحد. حتى سمعوا صرخة من الداخل، ثم صوت اصطدام معدني.
قال كايو:
— لقد اكتشفوا البوابة.
قال شين:
— يجب أن نذهب.
ركضوا، ولم يقطعوا أكثر من عشرات الخطوات قبل أن تهتز الأرض تحتهم. التراب نفسه انشق ببطء، وكأنه يتنفس. سقط تشاو، وصرخت نيرة:
— هناك شيء تحتنا!
تحركت الحجارة، ثم انفتحت فجوة ضيقة تحت قدم شين، وسقط نصف جسده، أمسك بالحافة بكلتا يديه. مد كايو يده فورًا:
— أمسك بي!
أمسكه شين، ثم حاول كايو سحبه، كانت أصابع شين تنزلق على الصخر ويد سوداء مخيفة تسحبه. ثم قال شين بصوت مرتجف:
— اسحبني… لا تتركني!
قال كايو:
— لن أتركك!
قالت نيرة وهي تتقدم:
— ربما… مثل رين، ربما يوجد ممر تحته!
تمسك كايو بالأمل، وحتى آزر لم يكن يملك دليلًا، ركعت نيرة وحاولت استخدام المدد لتثبيت الحافة. ارتجفت يداها، وصرخت:
— اسحبوه!
ثم رأت الخط الأسود الباهت يمتد تحت أقدام كايو ويقترب، إذا بقي مكانه… فسيدخل معه إلى الموضع.
قال آزر بصوت منخفض لكنه حاد:
— كايو… اترك يده!
التفت كايو إليه بعينين واسعتين:
— ماذا؟
— الآن!، الخط سيأخذك معه.
نظر كايو إلى شين، وكانت أصابعه تنزلق أكثر. ثم صرخ شين وهو يحاول الصعود بنفسه:
— لا… اسحبني!!
ثم رأى الخط يقترب من قدم كايو، وتغير شيء في عينيه. لم يعد يحاول التمسك بقوة. بدأت أصابعه ترتخي عمدًا، وقال بصوت أضعف:
— كايو… اترك.
— اصمت!
— ستسقط معي…
صرخت نيرة:
— لا!
حاولت أن تمد يدها، أمسكها ريو من الخلف ومنعها، ثم انزلقت يد شين أكثر. نظر إلى آزر لحظة أخيرة، وكأنه يريد أن يقول شيئًا، ثم قال فقط:
— كنت أريد فقط أن أعرف… ماذا يوجد في آخر الطريق.
سقط.
وقبل أن يختفي تمامًا، التف التراب والحجر حوله من الجانبين، وكأنه يبتلعه. لم يكن هناك ممر مفتوح، ولا ضوء خلفه، ولا فراغ واسع، فقط حجر يغلق، ثم انغلق التراب فورًا. وبقي جزء صغير من قماش ثوبه عالقًا بين الحجارة.
لم تأتِ صرخة، فقط صوت مكتوم بعيد، ثم صمت.
وقف كايو بلا حركة، وكانت يده لا تزال ممدودة. ثم صرخ، صرخة قصيرة، حادة، وحاول الرجوع إلى الشق، ظل يضرب الأرض بقبضته حتى نزفت. أمسكه رين ونيرة معًا ومنعاه.
كان يتنفس بصعوبة، وقال بصوت مكسور:
— كان يمكننا… كان يمكننا سحبه.
لم يجب أحد. نيرة كانت تمسح وجهها بظهر يدها بسرعة، لكنها لم تستطع إخفاء الدموع. وتشاو لم يقل كلمة واحدة، رين كان ينظر إلى المكان الذي انغلق، وكأنه ينتظر أن يسمع شيئًا. لكن لم يسمع.
أما آزر فظل واقفًا.. وجهه ساكن، وصوته عندما تكلم جاء منخفضًا:
— لنذهب.
لم ينتظر ردًا. انحنى والتقط قطعة القماش الصغيرة التي بقيت من ثوب شين، وضمها في يده، ثم بدأ يمشي.
خلفه تحركت المجموعة ببطء.. كايو لم يتحدث، ونيرة مسحت دموعها وأكملت، تشاو سار بصمت لم يعرفه أحد من قبل، ورين نظر إلى الخلف مرة واحدة قبل أن يلحق بهم.
واصلوا حتى خرجوا من نطاق الجدار. كانت الطائفة خلفهم مضاءة بالنار، والدخان يصعد إلى السماء.
قال تشاو أخيرًا بصوت منخفض جدًا:
— هل مات؟
لم يجبه أحد، أما رين فقال:
— الخطوات توقفت، لكنني أسمع شيئًا آخر… لا أعرف ما هو، وربما هذه المرة لا أريد أن أعرف.
نظر آزر إلى ريو، وقال:
— العلامة، لم تكن تحذرنا من الأماكن فقط، بل كانت ربما تقول لنا أين يوجد الطريق.
أومأ ريو ببطء، ثم أخرج آزر الحجر الرمادي، وظهر الخط الأبيض مرة أخرى واتجه جنوبًا. لكن قبل أن يختفي انحرف قليلًا إلى الشرق ثم عاد إلى الجنوب.
قال آزر:
— المسار لا ينتقل، بل نحن الذين ننتقل بين مواضعه.
لم يصحح ريو، نظر فقط إلى الطريق المظلم أمامهم. وفي السماء، خلف ستار الدخان، ظهر ضوء أبيض بعيد. لم تكن طرقة، ولم يكن صوتًا. مجرد ضوء.
قال كايو بصوت أجش:
— هل هو من القرية؟
أجاب آزر:
— لا أعرف.
ثم بدأ يمشي.. كان أبطأهم، أضعفهم، وكانت قدمه تؤلمه من أثر الطريق، لكنه لم يتوقف. في يده كانت قطعة القماش لا تزال مقبوضة بشدة.
خلفه كانت الطائفة تحترق. وأمامهم… كانت القرية تنتظر.