المُتَحَرِّر الفصل 23 — المُتَحَرِّر 23

اقرأ المُتَحَرِّر الفصل 23 — المُتَحَرِّر 23 باللغة العربية على مانجا تايم.

لم تأتِ الرابعة.

وظل الصمت قائمًا بعد الدقة الأخيرة، حتى بدأ بعض التلاميذ يهمسون من جديد.

قال هان بصوت حازم:

— ابتعدوا عن البوابة.

لم يتحرك أحد في البداية، وكان التلميذ الذي لمس العلامة لا يزال على الأرض، ممسكًا بيده إلى صدره. واسودّت أصابعه حتى مفاصلها، لكن شيئًا آخر لفت انتباه نيرة.

لم يكن السواد ينتشر، بل بقى عند الحد نفسه.

قالت:

— انتظروا.

اقتربت منه وأمسكت ذراعه بحذر:

— كيف تشعر؟

قال التلميذ وهو يلهث:

— شعرت وكأن شيئًا… دخل يدي.

نظرت نيرة إلى أصابعه، ثم سألته:

— هل يزداد الألم؟

— لا.

رفعت رأسها:

— هان.

اقترب منها:

— ماذا؟

— خذوه بعيدًا عن البوابة.

قال أحد الشيوخ:

— لماذا؟

— لأنني أريد أن أعرف شيئًا.

أمسك كايو بالتلميذ من كتفه وساعده على الابتعاد. خطوة، ثم ثانية، ثم ثالثة، وتوقف. حدقت نيرة في يده، لكن لم يتغير شيء.

تابعوا حتى أصبحوا قرب الممر الداخلي، وعندها حدث شيء صغير. تحرك السواد.. ليس نحو ذراعه، بل عاد قليلًا، واختفى طرف السواد عن إحدى أصابعه.

رفعت نيرة رأسها بسرعة:

— مرة أخرى.

تراجعوا خطوة، وعاد السواد. تقدموا، اختفى أكثر، ولم يتكلم أحد.

أما آزر فظل يحدق في الأرض، كان هناك خط باهت يمتد من البوابة إلى المكان الذي يقف فيه التلميذ الآن. تذكر الخطوط في الغرب، وتذكر رين، وتذكر كيف أمسكت به اليد ثم تركته حيًا. لم تكن الإصابة عشوائية، بل كان هناك حد، وموضع.

قال آزر:

— لا تحاولوا أن تعالجوا السواد.

نظر إليه الجميع، ثم قالت نيرة:

— ماذا؟

— أبعدوه عن الخط.

نظر هان إلى الأرض، وإلى التلميذ. فهم، وأمر الحراس بإرجاعه إلى القاعة. كلما ابتعد، عاد لون أصابعه شيئًا فشيئًا، وعندما وصل إلى الباب لم يبقَ سوى أثر أسود خفيف تحت أظافره.

ساد الصمت، حتى قال أحد الشيوخ:

— إذن ليست إصابة.

قال آزر، دون أن يرفع صوته:

— ربما، ولكن يبدو أنها مرتبطة بالمكان.

نظر الشيخ إلى البوابة، ثم قال:

— أغلقوا الجهة الشرقية.

لم يستغرق الأمر ساعة حتى تغيرت الطائفة، الحراس انتشروا عند الممرات، ثم مُنع التلاميذ من الاقتراب من مخزن الحبوب، وأُغلقت البوابة بالحواجز.

أما المجموعة كلها فاستُدعيت إلى قاعة الحكم. جلس ثلاثة شيوخ في الأعلى، وهان إلى جانبهم. وقف آزر، كايو، نيرة، رين، تشاو، وشين أمامهم.

قال أحد الشيوخ:

— أنتم كنتم آخر من وصل إلى البوابة.

قال شين:

— نعم.

— وأنتم تعاملتم مع العلامة.

— لا، أحد التلاميذ هو من فعل ذلك، ولم نطلب منه.

نظر الشيخ إلى آزر:

— والحجر الرمادي كان معك.

لم يجب آزر. تدخل هان، وصوته هادئ لكنه واضح:

— الحجر ليس مثبتًا أنه السبب.

قال الشيخ:

— لكنه الشيء الوحيد المختلف الذي ظهر معهم في كل مرة.

كانت الجملة منطقية، ولهذا كانت خطيرة. رفع آزر عينيه:

— لا نعرف أنه السبب.

ابتسم الشيخ بلا ود:

— وأنت تكرر هذه العبارة كثيرًا.

لم يرد. ثم قال الشيخ:

— سيُسلَّم الحجر إلى الطائفة حتى انتهاء التحقيق.

تحركت يد آزر داخل كمه، كان يمكنه أن يخرجه وينتهي الأمر، ولكن الصورة التي بقيت في رأسه لم تكن العلامة. بل كانت يد الرجل الغامض وهي تُسحب إلى الظلام، ثم رين، ثم السجل، وأخيرا الشجرة. إن أخذوا الحجر الآن… قد لا يراه مرة أخرى.

قال:

— الحجر ليس معي.

التفت كايو إليه، وكانت عيناه ثابتتين عليه، لكن آزر لم ينظر إليه.

صمت الشيوخ للحظة، ثم قال أحدهم:

— فتشوه.

تقدم حارسان، ورفع آزر ذراعيه دون مقاومة، مرّت أيديهما على جيوبه، وعلى كميه، وعلى حزامه، وأخيرا بحثا تحت ردائه، ولم يجدا شيئًا.

نظر الشيخ إلى هان. ثم قال هان، بعد توقف قصير.. نظر فيه إلى آزر نظرة واحدة فقط:

— فتشنا غرفته صباحًا أيضًا، ولم نجده.

تغير وجه آزر قليلًا. كان هان ينظر إليه، ولم يقل شيئًا آخر، لكن النظرة كانت كافية.

قال الشيخ بصوت بارد:

— حسنًا، يُمنع هذا الفريق من جميع المهام حتى إشعار آخر.

رفع تشاو حاجبه:

— وهل هذا يشمل الطعام؟

نظر إليه الشيخ بغضب، فخفض تشاو رأسه، ثم أضاف بصوت منخفض:

— لم اقصد حقا، أنا فقط جائع منذ الصباح.

ضحكت نيرة رغماً عنها. لكن كايو لم يضحك، وظل ينظر إلى آزر.

في المساء وجد آزر نفسه وحده عند طرف الساحة، فجاء كايو، ولم يجلس. قال فقط:

— كذبت.

— نعم.

— أمام هان.

— نعم.

— وأمام الشيوخ.

نظر آزر إليه:

— نعم.

صمت كايو طويلًا:

— لو أخذوا الحجر، ربما كان بإمكاننا أن نرتاح.

— وربما لم نعرف شيئًا بعد ذلك.

— ولماذا يجب أن تعرف كل شيء؟

لم يجب آزر. ثم قال كايو، وصوته يرتفع قليلًا:

— أنت لا تفكر فينا عندما تفعل هذا.

— أفكر.

— لا، أنت فقط تفكر في الحجر، في العلامة، في الطريق، في يوهان، في كل شيء إلا الناس الموجودين حولك.

صمت آزر. كان الكلام مؤلمًا، لأنه لم يكن مخطئًا تمامًا. وقال بعد لحظة:

— لو تركت الحجر لهم…

توقف، وسأله كايو:

— ماذا؟

— لن أعرف ما الذي ينقص.

ضحك كايو بمرارة:

— وهل يستحق الأمر كل هذا؟

نظر آزر إلى يده:

— لا أعرف.

اقترب كايو خطوة:

— إذن لماذا تخاطر؟

رفع آزر عينيه:

— لأنني لا أريد أن أعود كما كنت.

صمت كايو، ثم قال:

— عاجزًا؟

— لا.

توقف آزر قليلا:

— جاهلًا.

تركه كايو ومضى، وبقي آزر واقفًا. لم يرد أن يختلف معه، ولكن للمرة الأولى بدأ يفهم أن طريقه قد يجعل من يقفون إلى جواره يدفعون ثمنًا لم يختاروه، ولم يعرف بعد إن كان ذلك سيوقفه..

وفي منتصف الليل خرج آزر من غرفته. لم يكن مسموحًا له بمغادرة المبنى، خرج مع ذلك، ووصل إلى الجهة الشرقية. كانت البوابة تحت الحراسة، وانتظر حتى ابتعد الحارسان، ثم تسلل بين الظلال.

لم يقترب من العلامة، جلس قرب الأرض،وحفر قليلا، وأخرج الحجر الرمادي.

فالحقيقة، كان قد أعطي نيرة الحجر وأخبرها أن تضعه في تلك البقعة، ثم غادر مع الحراس والشيوخ. لم تعرف نيرة لماذا لكنها فعلت ذلك، وعندما انتهت لحقت بهم.

وقف آزر، وظل الحجر ساكنًا في يده، لكن عندما قربه من الخط القديم… تحرك الخط الأبيض على سطحه. لم يلمع، فقط امتد قليلًا. تتبعه آزر بعينيه، واتجه الخط نحو الأرض، ثم توقف عند موضع محدد أمام البوابة.

نزل آزر على ركبته وأزاح التراب بيده، ثم ظهر حجر مسطح، تحته خط محفور منذ زمن بعيد. لم يكن دائرة، ولا علامة، بل كان مجرد سهم اتجه غربًا.

تجمد آزر، وتذكر العبارة: « لا تتبعوا الصوت، وراقبوا الحجارة. » فهم الآن لماذا.

ربما لم تكن العلامة تقول « هذا هو الباب ». بل ربما كانت تقول « هنا يجب أن تنتبه »، والخطوط التي رآها في الغرب لم تكن تقود إلى المركز وحده. ربما كانت تحدد الطريق بين المواضع.

رفع آزر الحجر. وللحظة ظهر على سطحه شيء لم يره من قبل: خط أحمر قصير يمتد في اتجاه واحد، الغرب. وأختفى فورًا.

ثم سمع خطوات.. عاد الحارسان، واختبأ خلف الجدار. مرّا دون أن يروه، ثم انتظر حتى ابتعدا، وأعاد الحجر إلى كمه. لكنه لم يتحرك، ذلك لأن شيئًا آخر كان يشغله.

إذا كانت العلامة تحذر من المواضع… فمن الذي جعل شجرة قريته تظهر عليها؟ لم تكن الإجابة أمامه، ولكن لأول مرة لم يكن مضطرًا إلى تخمينها، كان عليه فقط أن يعود إلى المكان الذي بدأت منه.

في الصباح وقف آزر في ساحة التدريب، وكأن شيئًا لم يحدث. كايو كان يتدرب، نيرة أيضًا، وتشاو لم يكف عن الشكوى من صدره، لكنه كان يحاول إخفاء الألم كلما اقترب أحد.

ورين لم يسمع شيئًا. أما آزر… فكان لا يزال في مكانه، أضعف منهم جميعًا.

حاول مرة، فشل، ثم ثانية، فشل، وفي الثالثة انقطع المدد عند منتصف الدورة. نظر إلى يده، كان يستطيع أن يتوقف، ولكنه تذكر الطريق الذي وجده ليلًا، وتذكر أن بعض الإجابات لا تأتي لمن ينتظرها. أغمض عينيه وحاول مرة أخرى.

ومن الجهة الأخرى من الساحة فتح كايو عينيه، كان المدد يتحرك في جسده بسهولة. ولكن هذه المرة لم ينظر إلى آزر باستخفاف، بل ظل يراقبه. لأن آزر، رغم أنه كان الأبطأ… لم يكن الشخص الذي يمكنه التوقف.

وفي أعلى البرج الشرقي كان أحد الشيوخ ينظر إلى البوابة المغلقة، ثم إلى الغرب. وقال لرجل يقف خلفه:

— العلامة لم تظهر في الغرب وحده.

سأله الرجل:

— وماذا يعني ذلك؟

أجاب الشيخ بعد صمت قصير:

— يعني أن ما حدث بالأمس… لم يكن عودة للمسار، بل كان انتقالًا .

ولم يعرف آزر بذلك بعد، لكنه كان قد بدأ بالفعل يمشي في الاتجاه نفسه…