لم يُدفن الحارس الغربي في الصباح.
ظل جسده في قاعة الحفظ القديمة، ملفوفًا بقطعة قماش بيضاء، إلى أن ينتهي الشيوخ من فحصه. لم يعرف أحد لماذا، لكن الجميع عرف أن شيئًا سيئًا حدث في الغرب، وكانت الطائفة تعرف كيف تصمت حين تريد.
في قاعة التدريب جلس تشاو على الأرض وظهره إلى الحائط، بينما أعادت نيرة شد الضمادة حول صدره. كان يراقب أصابعها وهي تعمل، ثم قال بصوت متعمد البراءة:
— أعتقد أنك تتعمدين إيذائي.
رفعت نيرة حاجبها دون أن تتوقف:
— وأعتقد أنك تتعمد التحرك كلما قلت لك لا تتحرك.
— لأنني مللت من النظر إلى السقف.
— لا تتوقف إذن، لربما يتغير إذا حدقت فيه بما يكفي.
ابتسم تشاو ابتسامة قصيرة، ثم أضاف بصوت أخفض:
— الحقيقة أنني أخاف أن أتحرك فيُكسر شيء آخر.
توقفت نيرة لحظة، ونظرت إليه، ثم عادت إلى عملها بهدوء أكثر.
وفي الجهة الأخرى كان شين واقفًا وذراعه معلقة إلى عنقه بقطعة قماش. أما رين فجلس وحده قرب النافذة، ينظر إلى الخارج.
منذ عودتهم لم يسمع شيئًا، وللمرة الأولى لم يكن صمته يطمئنه.
دخل هان، وخلفه ثلاثة شيوخ. صمتت القاعة دفعة واحدة.
قال هان:
— آزر.
رفع آزر عينيه.
— الحجر.
لم يجب، وقال أحد الشيوخ بصوت بارد:
— أخرجه.
بقي آزر مكانه لحظة:
— لماذا؟
نظر إليه الشيخ بحدة:
— لأنك وجدته في موقع مغلق، ولأنك استخدمته أمام ظاهرة لا نفهمها.
قال آزر:
— استخدمته كي نخرج.
— لا أهتم.
كان الحجر الرمادي ثقيلًا داخل جيبه، حرّك آزر أصابعه فوقه، ثم أخرجه ببطء ومده نحو الشيخ.
وفي اللحظة التي أوشك فيها أن يضعه في كفه… ارتجف الحجر، وارتعش الخط الأبيض داخله.
شهق رين شهقة قصيرة، ورفع الجميع رؤوسهم، لكن الحجر توقف، ولم يحدث شيء آخر.
أمسكه الشيخ، وانتظر، لا شيء، ثم أعاده إلى الطاولة، ونظر إلى آزر:
— هل فعل هذا معك؟
صمت آزر لحظة، كان يستطيع أن يقول نعم، لكنه تذكر الرجل الذي سحبته اليد،خوفه، وتذكر أن كل شخص عرف بالحجر حاول الوصول إليه، ثم قال بصوت هادئ:
— ارتجف مرة، فقط.
لم يقل إنه استجاب للمواضع، ولم يقل إن الخط تغير. كان يعلم أنه يُخفي الاسرار، ولأول مرة… لم يكره ذلك.
بعد خروج الشيوخ أمسك هان بذراع آزر:
— تعال.
توقف كايو:
— هل سأ…
نظر إليه هان:
— ابق هنا.
ثم أخذ آزر إلى غرفة السجلات، وقال في الطريق، دون أن ينظر إليه:
— ماذا أخفيت؟
رفع آزر عينيه إليه:
— لا شيء.
توقف هان، ثم ابتسم ابتسامة خالية من المرح:
— الكذب عليك أسهل مما توقعت.
لم يجب آزر، وقال هان:
— لماذا أخفيت؟
— لأن الحجر أصبح موضع اهتمام الجميع.
— وأنت؟
نظر آزر إلى الأمام:
— أنا أيضًا أريده.
صمت هان، ثم قال:
— لِمَ؟
أجاب آزر بعد لحظة:
— لأنني لا أحب الأشياء التي لا أفهمها.
ظل هان ينظر إليه لثوانٍ، ثم فتح باب السجلات:
— وأنا لا أحب التلاميذ الذين يخفون ما يجدونه.
دخل آزر:
— لهذا جئت بي إلى هنا؟
— لا.
أغلق هان الباب خلفهما:
— جئت بك لأنك الوحيد الذي نظر إلى ما حدث وفكر في السؤال الخطأ.
التفت آزر:
— وما السؤال الصحيح؟
قال هان وهو يضع يده على أحد الرفوف:
— ليس ماذا فعل الحجر، بل لماذا وُضع في موضعه هناك أصلًا؟
بدأ البحث، ولم تكن هناك خريطة واحدة ولا سجل واحد. كانت مئات الأوراق: تقارير قديمة، أسماء حراس مات بعضهم منذ وقت طويل، مخططات لمبانٍ هُدمت، وملاحظات كتبت على هوامش صفحات لم يعد أحد يعرف أصحابها.
مر الوقت. جلس آزر على الأرض وبدأ يفرز الأوراق. تقارير تتحدث عن الغرب، عن انهيارات، عن أصوات ليلية، وعن أربعة حراس. كلها متشابهة، ولكن لا شيء يربطها بوضوح.
حتى وجد تقريرًا صغيرًا بلا عنوان، كان من صفحة واحدة فقط، وقرأه:
« أعيد تثبيت العلامة على الحجر الخارجي للمحطة الثالثة .»
توقف، وقرأ السطر التالي:
« الخط لم يظهر عند التثبيت .»
ثم:
« ظهر بعد سماع الرابعة .»
رفع آزر رأسه. كان هان يقرأ من مكان آخر، ثم قال آزر:
— هان.
اقترب، وأشار آزر إلى الصفحة، قرأها، ثم بقي صامتًا. قلب آزر الورقة، وفي ظهرها ظهر رسم صغير: دائرة ناقصة، وفي وسطها خط. لم يكن يشبه العلامة التي يحملها الرجل، بل كانت هي نفسها.
قال آزر:
— هذا قبل الرجل.
أجاب هان:
— بعقود.
لم يقل آزر شيئًا، وعاد إلى أول سطر. «أعيد تثبيت العلامة» لم يقل «وُضعت»، بل «أعيد تثبيتها». رفع عينيه:
— إذن كانت موجودة قبلهم.
لم يجب هان، وأكمل آزر:
— وكانوا يعرفون مكانها.
— ربما.
قلب آزر الورقة مرة أخرى، وفي أسفلها كانت هناك كلمة واحدة: « الرابعة ». وفوقها، وبخط مختلف تمامًا: « لا تتبعوا الصوت، وراقبوا الحجارة .»
ظل آزر يحدق فيها. وهذه المرة لم يفكر في الرجل، بل فكر في رين، في يده التي كانت تشير إلى الجدران، وفي الخطوط، في الحجر، وفي شيء كان قد لاحظه منذ البداية لكنه لم يمنحه أهميته: الطرقات لم تبدأ دائمًا من المكان نفسه، لكنها كانت تقود إلى شيء ثابت.
فُتح باب السجلات بعنف، ودخل أحد التلاميذ:
— الشيخ هان!
رفع هان رأسه:
— ماذا؟
— هناك مشكلة في الجهة الشرقية.
— ماذا حدث؟
— العلامة ظهرت.
صمت هان، أما آزر فوقف فورًا:
— على ماذا؟
التلميذ هز رأسه:
— على بوابة قديمة قرب مخزن الحبوب.
تحرك هان، وتبعهم آزر. كانت البوابة مزدحمة، التلاميذ تجمعوا حول الحائط، وعلى الحجر القديم كانت دائرة ناقصة، وفي وسطها خط أبيض.
شهقت نيرة عندما وصلت، وكان كايو خلفها. أما رين فتوقف قبل أن يقترب، ثم قال بصوت منخفض:
— لا تقترب.
نظر إليه كايو:
— لماذا؟
أجاب رين، وعيناه على البوابة:
— لأنني سمعت شيئًا.
اقترب آزر منه:
— ماذا؟
رفع رين إصبعه نحو البوابة:
— معدن… لا، ليس معدنًا، بل شيء يحتك بالحجر من الداخل.
نظر آزر إلى العلامة، ثم إلى البوابة، وأخيرا إلى الحجر الرمادي في يده. لم يكن هناك وقت للبحث. قال هان:
— الجميع للخلف.
لكن أحد التلاميذ لم يسمعه، تقدم ووضع يده على العلامة. صرخ، وسقط على الأرض. تغير لون أصابعه للأسود..
صرخت نيرة:
— ابتعدوا!
اندفع كايو ووقف أمام التلميذ، ولم يتردد، تحرك المدد في جسده سريعًا وضرب الحجر حول يده. تصدعت العلامة، ثم صرخ التلميذ مرة أخرى، وخرج خط رفيع من الدم تحت أظافره.
قال كايو:
— نيرة!
كانت قد وصلت بالفعل، ركعت إلى جواره وأمسكت يده، جرى المدد من كفيها، ثابتًا، وأكثر هدوءًا من الماضي:
— لا تحرك يدك.
كان التلميذ يرتجف:
— لا أستطيع…
— إذن لا تفعل.
أما آزر فكان ينظر إلى الجدار، لم يهاجمه، ولم يحاول لمس العلامة، بل لاحظ أن الشق الأبيض لم يظهر في منتصفها، لكنه ظهر أولًا من الجهة التي ضغط عليها التلميذ، ثم امتد نحو المركز.
ربما العلامة لا تستجيب للمس، إنها تستجيب للضغط، أو… للموضع.
قال:
— هان!
— ماذا؟
— لا تكسرها.
توقف هان:
— لماذا؟
أشار آزر إلى الأرض. كان هناك خط قديم تحت الغبار، يمتد من العلامة إلى البوابة ثم ينعطف. نفس الخط الذي رآه في الغرب.
قال:
— دعها تكمل.
نظر هان إليه، ثم إلى التلميذ:
— أنت واثق؟
أجاب آزر:
— لا.
ثم نظر إلى رين
— لكن رين كان محقًا.
سمعوا صوت احتكاك من داخل الحجر. ثم…
طَق .
تجمد الجميع.
طَق .
لم تأتِ الثالثة، وانتظروا، ثانية، ثانيتين، ثم ظهر شيء تحت الحجر. ليس يدًا، ولا ظلًا، بل مجرد خط أسود يمر خلف البوابة، من اليمين إلى اليسار، ثم يتوقف.
وببطء ظهر خلف العلامة شكل آخر، نقش قديم جدًا. شجرة، ولم تكن شجرة حقيقية، مجرد رمز صغير. لكن آزر عرفها.. عرف الأغصان المائلة والجذع الطويل.
توقف قلبه للحظة.
قال رين:
— آزر؟
لم يسمعه، وكان ينظر إلى الرمز، ثم إلى الخط الممتد تحت البوابة، وأخيرا إلى الحجر الرمادي. لم تعد القرية مجرد مكان بدأت فيه المصائب، بل لأول مرة بدت له وكأنها كانت تنتظر شيئًا منذ زمن طويل.
سمع هان يقول:
— لا أحد يتحرك.
لكن آزر كان قد اتخذ قراره، أخفى الحجر داخل كمه. وهذه المرة لم يكن الكذب لحماية نفسه فقط، بل كان لحماية الطريق الذي يقوده إلى الحقيقة .
وفي اللحظة التي أبعد فيها الحجر عن نظر الجميع، شعر بحرارة حادة تسري في كفه، لم تكن مؤلمة تمامًا، لكنها كانت واضحة. رفع طرف كمه قليلًا، وكان الخط الأبيض على الحجر قد امتد قليلاً، وأصبح طرفه يلامس جلده. سحب يده ببطء، واختفت الحرارة، لكن أثرًا باهتًا بقي على راحته لثوانٍ قبل أن يختفي.
لم يخبر أحدًا.
وفي مكان ما، بعيدًا عنهم، جاء صوت واحد فقط.
طَق .
ثم صمت.
ولم تأتِ الرابعة.
بعد…