لم يكد الفجر يطلع حتى دوّى جرس في أرجاء الطائفة.
لم يكن جرس التدريب، ولا جرس اجتماع، كان ثلاث دقات متتابعة، ثم صمت طويل، وأخيرا دقة رابعة.
فتح آزر عينيه، وظل للحظة محدقًا في سقف غرفته، ثم جلس دفعة واحدة. نفس الصوت، ثلاثة… ثم الرابعة، وهذه المرة لم يحتج إلى السجلات حتى يعرف أن الأمر لم يعد صدفة.
فتح الباب. كان الممر ممتلئًا بالتلاميذ الذين خرجوا من غرفهم، بعضهم يهمس، وبعضهم يحاول الوصول إلى الساحة. وعندما وصل آزر، رأى هان عند المنصة، وإلى جواره شيخ من شيوخ الطائفة لم يسبق لآزر أن رآه عن قرب.
قال هان:
— نقطة المراقبة الغربية أرسلت إشارة.
سأل أحد التلاميذ:
— ولكنها مهجورة.
— كانت كذلك.
رفع الشيخ عينيه:
— قبل سبع دقائق عادت الإشارة.
ساد الصمت، ثم أضاف:
— وهناك من دخلها.
شعر آزر بيده تنغلق حول الحجر الرمادي داخل جيبه.
قال هان:
— الفريق الذي ذهب بالأمس سيعود إلى هناك.
تقدم شين:
— أنا معكم.
ثم كايو:
— وأنا.
نيرة:
— وأنا أيضًا.
تشاو، الذي كان يضع ضمادة حول صدره، رفع يده:
— لا تنظروا إليّ هكذا، ما زلت أستطيع المشي.
ضحكت نيرة:
— لكن بصعوبة.
— على كل حال المشي بصعوبة أفضل من البقاء هنا والاستماع إلى كايو يتحدث.
ضحك كايو:
— كنت سأقول الشيء نفسه عنك.
ابتسم رين، أما آزر فلم يقل شيئًا، وكان ينظر إلى هان.
— لماذا نحن؟
سأله هان:
— ماذا تعني؟
— هل لأننا رأينا ما يحدث عندما تبدأ الرابعة؟
لم يجب هان فورًا، ثم قال:
— ربما.
انطلقوا مع أول ضوء.. وهذه المرة لم يكن الطريق هادئًا، بل كان الهواء أثقل. الطيور اختفت، وحتى الأشجار بدت وكأنها انحنت بعيدًا عن الجهة الغربية.
وفي منتصف الطريق توقف رين، وقال:
— اسمعوا.
صمت الجميع، ولم يسمع آزر شيئًا، ثم رأى رين يرفع رأسه:
— ليس طرقًا.
سأل كايو:
— ماذا إذن؟
— صوت معدن.
تقدم آزر ثم وجد بين الأعشاب قطعة حديد قديمة، كان أحد طرفيها أسود بالكامل. لمسها.. فشعر بالبرودة نفسها التي شعر بها في الحجر الرمادي. سحب يده فورًا.
قال شين:
— ماذا هناك؟
— شيء مر من هنا.
نظر إلى الأرض. لم تكن هناك آثار أقدام، ولكن الأعشاب كانت مكسورة في خط مستقيم ممتد إلى الغرب.
قال شين:
— نتبعه.
هذه المرة لم يجادل أحد.
وصلوا إلى نقطة المراقبة، لكن البرج لم يعد كما تركوه. كان جزء من سقفه منهارًا، والباب اختفى، وعلى الجدار الخارجي كانت هناك العلامة: دائرة ناقصة، وفي وسطها خط أبيض.
قال تشاو:
— بدأت أكره هذه العلامة.
اقترب آزر، ولم يلمسها. لاحظ أن الخط الأبيض لم يكن مرسومًا من الخارج، بل بدا كأنه خرج من داخل الحجر.
قال:
— الجدار انفتح من الداخل.
سأل شين:
— مرة أخرى؟
هز آزر رأسه:
— هذه المرة شيء خرج منه… ثم عاد.
وقبل أن يفهم أحد ما يقصده، جاء صوت صرخة من الداخل. ركضوا نحوه، ووجدوا أحد حراس الطائفة ملقى على الأرض، ذراعه مكسورة، والدم يغطي جانبه.
قال هان الذي تبعهم من الخلف:
— ماذا حدث؟
رفع الحارس عينيه بصعوبة:
— أربعة…
ثم سعل دمًا:
— كانوا أربعة…
تجمد آزر:
— من؟
أمسك الحارس بثوبه:
— ليس رجالًا…
توقفت أنفاسه، ثم مات.
صمت الجميع، وقال تشاو بصوت منخفض:
— هذا رائع، حقًا رائع.
لكن آزر لم يكن ينظر إلى الجثة، بل كان ينظر إلى الأرض. أربع حلقات حديدية، واحدة في كل زاوية من الغرفة، وفي الوسط حجر أسود.
اقترب ببطء، ولم تكن هناك دوائر مرسومة هذه المرة، بل كانت هناك أربع علامات صغيرة، وكأن شيئًا ثقيلًا ظل ثابتًا في مواضعها لسنوات. ثم رأى شيئًا آخر: لوحات معدنية صدئة تحت التراب، وعلى كل واحدة رقم.
الأول، الثاني، الثالث، الرابع.
رفع آزر رأسه. في الخارج لم يكن هناك سوى البرج، ولكن داخل الغرفة كانت أربعة أماكن واضحة.
قال شين:
— الحراس الأربعة.
لم يجبه آزر، فقط انحنى والتقط لوحة خامسة محطمة، وتحتها بقايا كلمات:
مراقبو المسار… أربعة مواضع… لا يجتمعون في المركز…
توقف، وقرأها مرة أخرى، ثم نظر إلى العلامات الأربع. فهم شيئًا، ولكنه لم يكن متأكدًا..
ففي هذا المكان على الأقل، الأربعة لم يكونوا أشخاصًا، بل كانوا مواضع. أما الرقم نفسه… فربما كان أكبر من تفسير واحد.
قال رين، وصوته يحمل شيئًا لم يظهره من قبل:
— إذن الأربعة هنا…
— ليسوا نحن.
أكمل آزر، ورفع عينيه إلى شين:
— وقد لا يكونون الأشخاص الذين كنا نظنهم.
كان هذا أول خيط حقيقي، ليس جوابًا لكل شيء، ولكنه أزال طبقة من الضباب.
وفجأة…
طَق .
تجمد الجميع.
طَق .
ارتجفت الحلقات الحديدية.
طَق .
شعر آزر بالأرض تتحرك تحت قدميه.
قال هان:
— ابتعدوا!
لكن الرابعة جاءت قبل أن يتحركوا.
طَق .
وانشق الحجر في الوسط. خرجت يد واحدة، ثم ثانية، ثم ثالثة، ثلاثة أذرع سوداء اندفعت من الشقوق حول الحجر وضربت الأرض بعنف.
صرخت نيرة، وتراجع تشاو، لكن إحدى الأذرع لحقت به. رفع ذراعه، اصطدمت به، وانفجر الدم من كفه.
— اللعنة!
اندفع كايو. في الماضي كان يتردد قبل استخدام المدد، أما الآن فلم يحتج حتى إلى إغلاق عينيه. تحرك المدد في جسده وحده، وضرب الذراع، فانحرفت.
قال هان:
— كايو! اليسار!
استدار، وتصدى لضربة ثانية، لكن الثالثة وصلت إلى رين. قفز شين أمامه، وانغرست الأصابع السوداء في كتفه. صرخ، وسال الدم على الأرض.
قال رين بصوت مرتجف:
— شين!
نزع شين ذراع المخلوق عن جسده بسيفه، لكن وجهه كان شاحبًا أكثر مما ينبغي:
— اهتم بنفسك!
كانت نيرة تعالج تشاو، لكن النزيف لم يتوقف بسرعة، ضغطت على جرحه، وقال تشاو بأسنان مطبقة، محاولًا إخفاء الألم:
— لا تتركيني الآن!
— لن أفعل!
ثم نظرت إلى كايو، وصوتها يحمل توترًا لم تستطع إخفاءه:
— كايو أحمنا للحظة!
اندفع كايو نحوهم، أما آزر فلم يهاجم. كان يراقب.. الأذرع الثلاثة لا تتحرك عشوائيًا. كل واحدة تتبع خطًا من الشق إلى إحدى الحلقات ثم تعود. رفع عينيه. الحلقة الأولى، الثانية، الثالثة. والرابعة… فارغة.
قال:
— شين!
— ماذا؟
— لا تضربوا الأذرع.
— ماذا تقول؟
— اضربوا الحلقات!
لم يفهم كايو، لكنه لم يسأله، اندفع نحو الأولى وضربها، لم يحدث شيء.
الثانية، صوت معدني دوّى، أما الثالثة، فعندما ضربها توقفت الذراع للحظة واحدة ثم ارتجفت. اتسعت عينا آزر.
— الرابعة!
صرخ كايو:
— ماذا عنها؟
أشار آزر إلى الحلقة الفارغة:
— إنها الناقصة!
قال هان:
— الجميع إلى الخارج.
لكن آزر لم يتحرك، كان ينظر إلى الحجر، ثم إلى الخطوط، وأخيرا إلى الحلقات. تذكر العبارة: لا يستجيب المركز إلا إذا اكتملت المواضع. لم يكن الحجر يريد أربعة أشخاص، ولا أربعة أرواح، كان يريد أربع نقاط، والآن كان واضحًا لماذا استجاب المكان للرابعة رغم أنهم لم يكونوا أربعة. ذلك لأن شيء آخر كان قد أكمل الموضع الناقص.
رفع الحجر الرمادي، وبدأ يهتز بعنف، ثم صرخ آزر:
— ابتعدوا!
اندفع إلى الحلقة الرابعة ووضع الحجر الرمادي داخلها.
صمت كل شيء، توقفت الأذرع، وتراجعت إلى الشق، ثم جاء صوت، ولكنه لم يكن طرقة. كانت زفيرًا عميقًا، وانغلق الحجر… جزئيًا.
بقي شق رفيع أسود في الوسط، لا يتسع لشيء، لكنه لم يختفِ تمامًا. بقي الجميع صامتين، وقال تشاو بصوت متعب:
— لا أريد أن أسأل.
جلست نيرة إلى جواره، ويداها ما زالتا ترتجفان من الجهد:
— وأنا أيضًا.
أما كايو فظل ينظر إلى آزر:
— كيف عرفت؟
أجاب آزر، وهو يمسح دمًا من جرح صغير في يده:
— لم أعرف، رأيت أن كل ذراع تتبع خطًا، وكل خط ينتهي عند موضع، وعندما ضربت الثالثة توقفت واحدة منها. لذا كان عليّ أن أجرب.
نظر كايو إلى الحلقة الرابعة، ثم إلى الحجر الرمادي، وفهم شيئًا:
— إذن الحجر…
— لم يفتح المكان.
أكمل آزر، ونظر إلى الشق الرفيع الذي بقي:
— ولا أغلقه تمامًا.
ساد الصمت، وكانت تلك أول مرة يملكون فيها إجابة جزئية واضحة. الحجر الرمادي لم يكن مفتاحًا، على الأقل ليس بالطريقة التي ظنوها، بل كان شيئًا يحدد موضعًا ناقصًا. وعندما وضعه آزر في مكانه… أستجاب المكان، ولكن ليس بالكامل.
تذكر الرجل الغامض الذي سأل عنه. لم يكن يبحث عن الحجر ليفتح الباب، بل كان يبحث عن حامله، لأنه وحده يستطيع إكمال موضع لا يستطيع الآخرون رؤيته. رفع آزر عينيه، ولم يقلها، لكن المعنى استقر في ذهنه. لقد فهم أخيرًا لماذا جاء الرجل يسأل عنه.
في طريق العودة كان كايو يمشي بجوار آزر، وقال بصوت منخفض، وفيه شيء من الغضب:
— أنت كان يمكن أن تموت!
— صمت آزر.
— ومع ذلك تقدمت.
— نعم.
صمت كايو قليلًا:
— لماذا؟
نظر آزر إلى يده.. كانت ترتجف من التعب. وجرح صغير كان ينزف عند مفاصلها.
— لأنني لو بقيت خلفكم، فلن أعرف شيئًا.
ثم تابع السير. لم يكن يعلم متى بدأ الأمر يتغير داخله، ولكنه لم يعد يرى الخوف سببًا كافيًا للتراجع، وأصبح هناك شيء آخر أخطر من الخوف: أن تمنعه الخسارة من الوصول إلى غايته .
خلفه كان تشاو يتألم ويشتكي بصوت منخفض، محاولًا ألا يبدو ضعيفًا، ونيرة توبخه بلطف لأنها لم تستطع إيقاف النزيف بسرعة كافية، ورين يراقب الطريق بصمت أكثر من المعتاد. بدا كأنه يسمع شيئًا لم يعد يسمعه الآخرون، وكايو يمشي أسرع منه بخطوة.
آزر نظر إلى ظهر كايو.. ثم أسرع خطوة واحدة فقط، ولكنها كانت كافية ليلا يظل خلفه إلى الأبد.
وقبل أن يصلوا إلى الطائفة، توقف رين فجأة. رفع رأسه نحو الغرب، وسأله شين:
— ماذا؟
هز رين رأسه ببطء:
— لا شيء، فقط… الصوت المعدني، لم يعد موجودًا.
لم يقل أكثر، ولكن آزر لاحظ أن رين وضع يده على أذنه للحظة، وكأنه يتأكد من فراغ لم يكن معتادًا عليه.
وفي جيب آزر، كان الحجر الرمادي أدفأ مما كان عليه قبل ساعة، لم يعد الخط الأبيض على سطحه باهتًا كما كان، أصبح أوضح بقليل، ولم يخبر أحدًا بذلك..