لم يتحرك آزر.
بقي واقفًا في منتصف الممر، وعيناه على رين. كان وجه رين شاحبًا، وشفته السفلى ترتجف قليلًا، وكأنه يرى شيئًا يرفض أن يصدقه.
— هناك شخص يقف وراءك!
لم يلتفت آزر.
في الجهة المقابلة توقف كايو عن التنفس للحظة، بينما وضعت نيرة يدها على مقبض خنجرها. أما تشاو فاستدار نصف استدارة، ثم توقف حين رأى وجه آزر.
قال تشاو بصوت منخفض:
— لا يوجد أحد.
هز رين رأسه بسرعة، وصوته جاء مبحوحًا:
— موجود.
— أين؟
رفع رين يده ببطء، وكأنه يخشى أن يحرك الهواء أكثر مما ينبغي:
— خلفه… قريب جدًا.
ابتلع كايو ريقه، ونادى:
— آزر…
قال آزر دون أن يلتفت:
— لا تتحرك.
لم يكن يعرف لماذا قالها، ربما لأن رين لم يكن يمزح، وربما لأن صوتًا خافتًا جدًا مر في أذنه. ليس كلمة، ولا طرقًا، مجرد احتكاك خفيف، كأن نعلًا لامس الحجر ثم توقف.
ثم جاء صوت من آخر الممر:
— ماذا يحدث هنا؟
كان أحد مشرفي الساحة. التفت كايو نحوه، وفي اللحظة نفسها اختفى الضغط عن الجو، وكأن شيئًا انسحب.
قال رين:
— انتظر…
لكن آزر شعر به قبل أن يراه.
حركة سريعة.
رفع ذراعه، واصطدمت بها قطعة معدنية حادة، انحرفت قبل أن تغرس نفسها في عنقه. تراجع خطوة، وانطلق الشخص من خلفه.
كان يرتدي ثوبًا أسود فضفاضًا، وجهه مغطى حتى أسفل الأنف، ولم ير أحد متى ظهر.
اندفع المشرف بسيفه، واصطدم السيفان. تطايرت شرارة، تراجع الرجل نصف خطوة، ثم ضرب. صدر صوت مكتوم، واندفع الدم من كتف المشرف.
صرخ أحد التلاميذ:
— إنه يهاجم الطائفة!
ركض الحراس من الطرف الآخر، وصاح شين:
— ابتعدوا!
لكن الرجل لم يهرب، كان يتحرك بطريقة غريبة: ضربة، تراجع، استدارة، ثم ضربة أخرى. لم يكن يبحث عن طريق للخروج، بل كان يدفعهم شيئًا فشيئًا نحو الجهة الغربية من الممر.
راقبه آزر، الخطوة الأولى إلى اليمين، ثم الثانية، وكلما اقترب أحد منهم، تراجع نحو اليسار. توقف، ونظر خلفه، ثم عاد. كانت عيناه تتحركان كثيرًا، لكن ليس نحو الناس، بل نحو الجدران.
هو يبحث عن شيء.
لم يعرف آزر عن ماذا، لكنه لم يبعد عينيه عنه.
صرخ كايو:
— آزر!
اندفع الرجل فجأة نحوه، رفع آزر سيفه الخشبي، فاهتزت ذراعه تحت الضربة. ضربة ثانية، تراجع، الثالثة شقت طرف ثوبه. شعر بحرارة على جنبه، نظر. خط دم رفيع ظهر على الجلد، ولم يشعر بالألم إلا بعد لحظة.
ضحك الرجل ضحكة قصيرة، ثم تغيرت نظرته، والتفت نحو صدر آزر، نحو مكان الحجر.
تجمد شيء في عقل آزر.
ليس هو الهدف.
رفع الرجل يده، واندفع كايو من الجانب، لكن الرجل انحنى. مرت قبضة كايو فوق رأسه، وأصاب شين ظهره بضربة أجبرته على التراجع.
صاح شين:
— أمسكوه!
تحرك اثنان من الحراس، قفز الرجل إلى الجدار، دفع نفسه، واختفى لحظة خلف العمود، ثم ظهر قرب باب غرفة السجلات.
فتح آزر عينيه:
— السجلات!
صرخ شين:
— ماذا؟
— إنه يتجه إلى السجلات!
ركض الجميع، وصل الرجل إلى الباب، لكن نيرة كانت أسرع. وضعت يدها على الأرض. اندفع المدد في جسدها، وظهر خط باهت تحت قدميها امتد إلى الباب. اصطدم الرجل به، اهتز جسده، ولأول مرة فقد توازنه.
قال تشاو:
— نيرة!
ابتسمت رغم شحوب وجهها:
— قلت لكم إنني لم أتمرن عبثًا.
دفع الرجل الخط، ارتجفت ذراع نيرة، وظهر الدم عند طرف فمها، لكنها لم تتركه.
وصل كايو وضربه. أُجبر الرجل على التراجع، دخل شين الغرفة:
— الجميع إلى الخلف!
ثم اندفع بسيفه، اصطدمت الضربة بذراع الرجل، وسمع صوت كسر، لكن الرجل لم يصرخ. استدار وضرب شين في بطنه، تراجع شين مترين وارتطم بالرفوف. تساقطت الملفات، ثم سقط أحد المجلدات مفتوحًا، وتبعثرت الأوراق.
وسط الفوضى رأى آزر شيئًا، ورقة صفراء قديمة. وفي وسطها رسم: أربع دوائر حول نقطة واحدة.
توقف، لم يكن الرسم مطابقًا تمامًا لما رأوه في البرج، لكنه كان قريبًا. أربع دوائر، وأربع خطوط تمتد منها إلى المركز.
مد الرجل يده نحو الورقة، وعرف آزر ما يريده الآن. ليس السجلات كلها، ولا الحجر.
المعنى .
قفز آزر فوق الأوراق ووصل إليها قبله، التقط الورقة واستدار. توقفت عيناه أمام الرجل، وللحظة لم يتحرك أحد.
قال الرجل، وصوته هذه المرة يحمل شيئًا غير الغموض، بل شيئًا أقرب إلى الإلحاح:
— أعطني إياها.
نظر آزر إلى الرسم ثم إليه:
— لماذا؟
ساد صمت قصير. قال الرجل، وكأنه يختار كلماته بعناية:
— لأنكم تنظرون إلى شيء لا تعرفون ثمنه، وأنا أعرف ما يكفي لأكره أن أراه يُفتح مرة أخرى.
— ماذا تعرف؟
لم يجب، وكان ذلك كافيًا.
اقترب شين:
— إلى أين تنتمي؟
أجاب الرجل، وصوته أصبح أخفض:
— إلى المكان الذي تركتموه مفتوحًا.
اتسعت عينا آزر قليلًا، الجملة نفسها لم تكن كافية، ولكن كلمة واحدة علقت في ذهنه.
مفتوحًا.
قال:
— البوابة الغربية؟
صمت الرجل، وتغيرت عيناه. رآها آزر، كانت مجرد لحظة، لكنها كانت كافية. الغرب.. إذن الرجل يعرف المكان، ربما كان منه، وربما كان يبحث عما بقي فيه.
قبل أن يتكلم أحد، ارتجفت الأرض، وجاء صوت من أسفل الغرفة.
طَق .
تجمد الجميع.
طَق .
رفع كايو رأسه، ثم الثالثة.
طَق .
قال رين بصوت مبحوح:
— ثلاث…
انتظروا، ولم تأتِ الرابعة. مرّت ثانية، ثم ثانية أخرى، كان الجميع صامتًا، وحتى الرجل الغامض لم يتحرك.
ثم جاء الصوت، لكن هذه المرة لم يكن من الأرض، بل كان من داخل الجدار.
طَق .
صوت عميق، ثقيل. ارتجفت معه الرفوف، وسقطت عدة كتب. ثم ظهر خط أسود بين حجرتين في الجدار.
تراجع شين:
— ما هذا؟
قال رين بصوت مبحوح:
— هو نفسه…
اقترب آزر خطوة، رفع الورقة. كانت الدوائر الأربع مرسومة حول نقطة سوداء.. توقف، ونظر إلى الرسم، ثم إلى الجدار، وأخيرا إلى يد الرجل.
كانت على ظهر كفه علامة: دائرة ناقصة، وفي وسطها خط أبيض.
لم يشعر آزر إلا والحجر الرمادي في جيبه يرتجف. أخرجه، وفي اللحظة التي ظهرت فيها اتسعت عينا الرجل.
— لا..
كانت أول مرة يبدو عليه الخوف الحقيقي.
قال آزر:
— أنت كنت تعرف أن هذا سيحدث.
تراجع الرجل:
— أخفها.
— لماذا؟
— الآن!
لم يتحرك آزر، قال كايو:
— آزر، ماذا يحدث؟
لم يجب، كان ينظر إلى الرسم. أربع دوائر، ثم إلى الحجر، ثم إلى الشق الأسود، وأخيرا إلى يد الرجل.
أربعة أشياء تتكرر، لكن ماذا تعني؟
جاء صوت هان من الممر:
— ابتعدوا عن الجدار!
وصل في اللحظة نفسها، وكان وراءه ثلاثة من الحراس. رأى الحجر الرمادي، ثم الشق، وتغير وجهه.
— من لمس الجدار؟
أشار أحدهم إلى الرجل:
— هو.
نظر هان إليه:
— ابتعد عن الحجر.
ضحك الرجل، لكن الضحكة هذه المرة كانت مريرة:
— فات الاوان.
ثم تحرك، وهذه المرة لم يتجه إلى آزر، بل اتجه إلى الجدار.
أطلق شين سيفه في طريقه، صد الرجل الضربة، واندفع كايو وضربه في صدره. تراجع الرجل، ثم تقدم تشاو وأمسك بذراعه. دار الرجل وكسر قبضة تشاو، ثم ضربه في صدره. شهق تشاو وسقط على ركبتيه.
— تشاو!
اندفعت نيرة، لكنها توقفت حين رأت الدم الذي خرج من فمه. صرخت:
— لا تتحرك!
ضحك تشاو رغم الألم:
— من قال إنني أستطيع؟
أمسكت نيرة بكتفه، ضخت المدد في جسده، وهذه المرة لم يكن متقطعًا. جرى في عروقها بهدوء، وثبات. لم تعد تضطر إلى البحث عنه في كل لحظة، وكانت هذه أول مرة يحدث فيها ذلك. رفعت رأسها:
— كايو، خذه بعيدًا.
لم تسأل كيف عرفت أن المدد استقر، كانت تشعر بذلك فقط.
حين حاول الرجل توجيه ضربة أخرى، اندفع كايو دون أن يفكر. وصل قبل الضربة، رفع ذراعه، وضربته الموجة. تراجع مترًا، لكن جسده لم يسقط، ثبت قدميه بكل قوته، والمدد الذي كان يحتاج إلى تركيزه طوال الوقت… تحرك وحده لأول مرة.
قال شين بدهشة:
— كايو…
لم يجب، كان يلهث، لكن ابتسامة صغيرة ظهرت على وجهه:
— أظن أنني فهمت.
في الجهة الأخرى حاول الرجل كسر الحاجز الذي أقامته نيرة. ضغط، وارتجف الخط، ثم تعزز. كانت يداها ترتجفان، لكن المدد بقي ثابتًا.
قال هان:
— جيد.
ثم اندفع، كانت تلك أول ضربة حقيقية يوجهها، ولم ير آزر سوى أثرها. اصطدم الرجل بالجدار، تهشم جزء من الحجر، وسال الدم من فمه، ولكن بدلًا من السقوط… ابتسم.
— إذن ما زالت الطائفة تحتفظ بأحدهم.
لم يفهم آزر، أحدهم؟ من؟ لكن الرجل لم يمنحهم فرصة. أمسك بأحد الرفوف وحطمه ثم ألقاه، تطايرت الأوراق. سقطت الورقة القديمة من يد آزر، واقتربت من الأرض، فجأه…توقفت قبل أن تلامسها.
كان تحتها خط محفور في البلاط. خط واحد، ثم خطان، ثم أربعة. أربع علامات صغيرة، ولم تكن دوائر، بل كانت مواضع أقدام.
تجمد آزر، وتذكر شيئًا.. الممر القديم، الآثار الأربعة، والخامس الذي امتد واختفى. ثم نظر إلى الدوائر في الرسم.
لم يكن يملك الإجابة، لكن الاحتمال أصبح أوضح.
ربما الرقم أربعة لم يكن دائمًا يعني أشخاصًا، بل ربما كان يعني أماكن بالفعل.
صرخ:
— شين!
استدار شين:
— ماذا؟
— لا تدعهم يخرجون من الغرفة.
— لماذا؟
أشار آزر إلى البلاط:
— الدوائر… ربما ليست للزينة.
نظر شين، ثم إلى الجدار، وأخيرا إلى الرجل.. فهم هان قبله، وقال بصوت منخفض:
— الأربعة.
رفع الرجل عينيه، ولأول مرة اختفت الضحكة من وجهه تمامًا. قال، وصوته يحمل شيئًا يشبه الندم، بدا وكأنه يتحدث إلى نفسه أكثر مما يتحدث إليهم:
— لا، لا.. تفعلوا ذلك، أنتم لا تعرفون ما تفتحونه!
كان قد تأخر.
تحرك شين إلى الدائرة الأولى، كايو إلى الثانية، نيرة إلى الثالثة. رين تردد لحظة، ثم خطى خارج الغرفة مع الباقين، أما الدائرة الرابعة… فكانت خالية.
نظر آزر إليها، ثم إلى الحجر، ثم إلى الرجل. همس لنفسه أكثر مما قالها بصوت:
— الرابعة… ربما ليست شخصًا.
ارتجف الجدار.. جاءت الطرقة الأولى. بطيئة، ثقيلة، وكأن شيئًا يختبر الأرض من تحتها، ثم الثانية، أقرب قليلًا، ثم الثالثة، حتى شعر آزر بالاهتزاز يصل إلى قدميه.
صاح كايو:
— ابقوا مكانكم!
وأخيرا جاءت الرابعة.
لم ينفجر الجدار دفعة واحدة، بل بدأ الشق يظهر ببطء، كتمزق في قماش قديم. خط أسود رفيع امتد بين الحجرتين، ثم اتسع. سمعوا صوت الجدار وهو ينفتح على نفسه، صوتًا جافًا يشبه كسر العظم.
ومن الداخل خرجت أصابع أولًا. طويلة، سوداء، بأظافر حادة تشبه تلك التي رآها آزر في الجبل. ثم الكف، ثم الرسغ، وأخيرا الذراع بأكمله.
شهقت نيرة:
— لا…
اندفعت اليد، لكنها لم تتجه إلى آزر، ولا إلى كايو، ولا إلى أيٍّ منهم. اتجهت مباشرة إلى الرجل الملثم.
تجمد جسده، حاول التراجع خطوة، لكن أصابع اليد أمسكت بكتفه قبل أن يبتعد. صرخ للمرة الأولى، صوتًا حقيقيًا مليئًا بالخوف، صوت إنسان لا يريد أن يموت:
— لا! انتظروا… أنتم لا تفهمون!
تعلقت أصابعه بالأرض، انغرزت أظافره في البلاط حتى سال الدم من تحتها. لكن اليد لم ترحمه،شدت ببطء، وكأن شيئًا كان يجره إلى عالم لا يريد أن يعود إليه. صرخ الرجل مرة أخرى، وهذه المرة بصوت مبحوح ومتقطع:
— لم يحن الوقت… أقسم لكم… لم يحن الوقت بعد!
حاول الإمساك بحافة الرف، فانكسر الرف في يده، وتساقطت الأوراق حوله. شدت اليد أكثر، انزلق جسده نصف متر نحو الشق، نظر إليهم، وعيناه فوق القناع كانت مليئة بشيء لم يروه من قبل: ليس الغضب، ولا التهديد، بل رعب رجل يعرف ما ينتظره.
— أخرجوا أنفسكم من الدائرة! اسمعوني… إذا بقيتم هنا ستصبحون جزءًا منه!
نظرت عينا آزر إلى الخطوط الأربعة. الدائرة، الحجر، الرابعة، ثم اليد.
فهم شيئًا، ليس كله، لكن شيئًا مهمًا.
هذه اليد لم تأتِ من أجلهم. وظهورها لم يكن عشوائيًا، لقد ظهرت بعد الرابعة. وبعد أن اكتملت المواضع الأربعة.
لم تكن الرابعة طرقًا جديدة، بل أشبه بالجواب.
همس رين، وصوته يرتجف:
— لذلك…
التفت إليه آزر.. كان رين ينظر إلى اليد التي أمسكت به في الجبل:
— في الجبل… عندما أمسكت بي…
توقف، ثم قال بصوت خافت:
— لم تكن تريد قتلي، ربما.. لأنني كنت واقفًا على أحد الخطوط.
لم يجب أحد. كانت الفكرة مرعبة ببساطتها. اليد لم تكن تختار ضحايا، كانت فقط تستجيب للمكان، ومن يعبر الموضع الخطأ… يصبح جزءًا من الحدث.
صرخ الرجل مرة ثالثة، وهو ينزف الآن من الكتف واليد:
— أخرجوا أنفسكم… أرجوكم!
نظر آزر إليه، ثم إلى اليد التي تسحبه ببطء.. الرجل يحاول النجاة، والحقيقة أمامهم.
للحظة خطر لآزر أن يساعده. هذا الرجل يعرف شيئًا، ربما يعرف عن الشجرة، أو عن يوهان، أو عن الطريق. ربما كانت تلك اليد تحمل جوابًا عن كل شيء، وربما كان الرجل نفسه يحمل جزءًا من الجواب.
خطا آزر نصف خطوة نحو الدائرة، ثم توقف.
نظر إلى كايو الذي كان يلهث، إلى تشاو المصاب الذي ما زال يضغط على صدره، إلى نيرة التي كانت خارج الغرفة وترتجف يداها من الإبقاء على الحاجز. وأخيرا إلى رين الذي كان وجهه أبيض كالموت.
لو حرر الرجل الآن… قد يحصل على جواب، ولكن قد يفتح شيئًا آخر، شيئًا ربما قد لا يستطيعون إغلاقه هذه المرة.
شد آزر الحجر في قبضته، وسحب كايو بعيدًا عن الدائرة الثانية بقوة:
— لنهرب!
نظر كايو إليه بدهشة:
— ماذا عن الرجل؟
لم ينظر إليه آزر، وقال بصوت هادئ، لكنه كان يحمل قرارًا نهائيًا:
— دعه.
كانت اليد قد سحبت الرجل إلى نصف جسده، وصرخ الرجل مرة أخيرة، بصوت مختنق:
— أنتم… لا تفهمون ما فعلتموه…
ثم اختفى، انغلق الشق ببطء، وكأن الحجر يبتلع ما خرج منه.
ساد الصمت..
بقيت قطرات الدم على الأرض، ولم يبقَ من الرجل سوى قطعة من قماشه الأسود الممزق. وعليها العلامة: دائرة ناقصة، وخط أبيض باهت.
استمر الصمت لثوانٍ طويلة، ثم جلس تشاو على الأرض، ووضع يده على صدره:
— أكره هذه الطائفة.
ضحكت نيرة رغم التعب، بصوت مبحوح:
— نحن لم نفعل شيئًا.
— ولهذا أكرهها أكثر.
ابتسم كايو ابتسامة قصيرة، أما رين فبقي واقفًا، عيناه لا تزالان على الجدار الذي انغلق.
قال هان، وصوته يحمل إرهاقًا لم يظهره من قبل:
— الجميع بخير؟
هز شين رأسه:
— إصابات سطحية، هو الأسوأ.
أشار إلى تشاو.
ثم قال تشاو:
— أنا بخير.
قالت نيرة:
— أنت تنزف.
— قلت بخير.
— وهذه أسوأ كذبة سمعتها اليوم.
ابتسم تشاو، وللمرة الأولى منذ بدء القتال ضحك كايو، كانت ضحكة قصيرة، متعبة، لكنها حقيقية.
أما آزر فكان ينظر إلى الأرض. إلى الدوائر، أربع مواضع، أربع اتجاهات، ثم تذكر السجل: أربعة من الحراس.
لم يعد الرقم يبدو كما كان، ربما كانوا أربعة اشخاص، وربما كانوا يقفون في أربعة أماكن، وربما السجل نفسه لم يفهم ما حدث، وهذا يعني أن جزءًا من التاريخ الذي قرأه لم يكن تاريخًا كاملًا، بل كان مجرد شهادة شخص رأى النتيجة، وليس السبب.
رفع آزر الورقة القديمة، وفي أسفل الرسم كانت هناك عبارة باهتة لم ينتبه إليها أول مرة:
« لا يستجيب المركز إلا إذا اكتملت المواضع .»
قرأها مرة، ثم ثانية، ولم يقل شيئًا. هذه المرة لم يحتج إلى تفسير كامل، الحجر جزء من الآلية، والأربعة… هم المواضع. أما الطرقة الرابعة… فهي لحظة الاستجابة.
ظل ينظر إلى العبارة، ثم طوى الورقة. كان يشعر بأن شيئًا انزاح من مكانه في رأسه، وليس لأن لغزًا كاملًا انكشف، بل لأن جزءًا منه لم يعد مجهولًا. وكان ذلك أخطر.
في اليوم التالي عاد التدريب كالمعتاد، وكأن الطائفة أرادت أن تتظاهر بأن شيئًا لم يحدث. لكن أجسادهم كانت تقول العكس، كان شين يعرج، وتشاو يضع يده على صدره كلما سعل، نيرة لم تعد قادرة على إبقاء المدد ثابتًا طويلًا بعد أن أتعبت نفسها. ورين لم يتحدث كثيرًا.
أما كايو فكان مختلفًا، وقف أمام هان، وأغلق عينيه، تنفس، ثم حرّك المدد. لم يضطر إلى تتبع كل قطرة، وقد جرى وحده.
قال هان:
— الاستقرار .
فتح كايو عينيه وابتسم، لم يقل شيئًا.
وفي الطرف الآخر جلست نيرة وحدها، أعادت الدورة نفسها. أبطأ، لكن أكثر ثباتًا، نظر هان إليها، ثم إلى تشاو، ثم إلى رين:
— أنتم جميعًا تتقدمون.
رفع تشاو حاجبه:
— حتى أنا؟
— لا تغتر.
ضحك، وابتسم رين للمرة الأولى منذ ساعات.
أما آزر فكان في الطرف البعيد.. يحاول، مرة، مرتين، عشر مرات، وفي المرة الثالثة والعشرين انهار تدفق المدد. وفي الرابعة والعشرين وصل إلى ما قبل النهاية ثم انقطع. جلس على الأرض، تعرق جبينه، وكانت يداه ترتجفان.
قال كايو من بعيد:
— آزر.
رفع رأسه:
— ماذا؟
— أنت لم تتوقف؟
نظر آزر إلى الساحة، كايو وصل الى الاستقرار، نيرة تقدمت، تشاو تحسن، ورين أيضًا. أما هو… فما زال في الخلف. نظر إلى يده، ثم أغمض عينيه:
— لم أنتهي بعد.
ثم أعاد المحاولة، وهذه المرة وصل إلى الدورة الخامسة والعشرين، ثم السادسة والعشرين، ثم السابعة والعشرين. وفي الثامنة والعشرين… لم يحتج إلى إجبار المدد على العودة. عاد وحده.
لم تكن استقرارًا، ولا حتى قريبًا منه، لكنها كانت أول مرة لا يشعر فيها أنه يطارد المدد… بل يشعر أنه، وللحظة قصيرة، يمشي معه.
فتح آزر عينيه، لم يبتسم. لكنه لم يُحبط أيضًا.
وفي مكان آخر من عقله بقيت صورة الرجل وهو يُسحب إلى الظلام. كان يمكن أن ينقذه، ولكنه لم يفعل.
لم يشعر بالندم، وهذا هو الشيء الذي أزعجه، لأنه.. بدأ يكتشف شيئًا عن نفسه لم يكن مستعدًا للاعتراف به.
ظل صامتًا.. ثم نظر إلى الحجر الرمادي، ولأول مرة لم يسأل إن كان ما فعله صوابًا.
سأل فقط إن كان ضروريًا..
ثم توقف، ذلك لأن السؤالين… لم يعودا الشيء نفسه .