المُتَحَرِّر الفصل 17 — المُتَحَرِّر 17

اقرأ المُتَحَرِّر الفصل 17 — المُتَحَرِّر 17 باللغة العربية على مانجا تايم.

في الصباح، لم يذهب آزر إلى ساحة التدريب. جلس وحده في غرفته، وظل يتذكر الصفحات. كانت القصاصة الأخيرة التي قرأها بالأمس لا تزال في رأسه. عاد ثلاثة، وأسفلها: مفقود.

ثم الكلمات التي قالها ريو: ما الذي تركه؟ رفع آزر رأسه، ولم يعد يفكر في يوهان باعتباره اسمًا ظهر على الحجر، بل صار يفكر فيه باعتباره شخصًا مر من هذا العالم، وترك وراءه شيئًا. لكن ماذا؟ حجر؟ طريقًا؟ علامة؟ أم شيئًا لم يفهمه أحد بعد؟

كان يود العودة، ومشاهدة القصص التي ذكرته في السجل،ولكن نفذت نقاط اختباره،ولم يسمح له سوي بمشاهدة الجزء الذي أراده، القرية. وحين سأل أمين السجلات عن شراء حق الاطلاع من جديد، أخبره بوضوح:

— لا نقاط، لا سجل.

— يمكنني العمل.

ضحك الرجل العجوز.

— ومن قال إنني أبيع السجلات بالعمل؟

— إذن ماذا أحتاج؟

— نقاط.

لم يعجبه الجواب، ولكنه حفظه.

عندما خرج من المبنى، كانت الشمس قد ارتفعت. وفي ساحة التدريب، كان هان قد بدأ الدرس. توقف آزر عند المدخل.

— ادخل.

نظر إليه هان.

— ظننت أنك لن تأتي.

— كنت مشغولًا.

— بماذا؟

تردد آزر، ثم قال:

— أبحث عن إجابة.

نظر هان إليه للحظة، ثم قال:

— في هذه الطائفة، ستحتاج إلى نقاط قبل أن تحتاج إلى إجابة.

دخل آزر، ولم يسأل كيف عرف. كان تدريب اليوم مختلفًا، لم يقف التلاميذ أمام حجر واحد، بل اصطفت عشرة أهداف خشبية في الطرف الآخر من الساحة. قال هان:

المدد ليس شيئًا تخزنه في جسدك فقط، جسدك هو المكان الذي تتعلم فيه التحكم به. إذا لم تستطع إخراجه من جسدك، فلن تستخدمه في القتال.

بدأ التلاميذ واحدًا تلو الآخر، خرج المدد من أيديهم. بعضهم كان قادرًا على دفع الخشب، وبعضهم بالكاد يحركه. وعندما جاء دور كايو، ظهر المدد حول قبضته أكثر وضوحًا من الأيام الماضية. لكنه انقطع سريعًا، قال هان:

— القوة موجودة.

نظر كايو إلى يده.

— لكنها لا تثبت.

— لأنك تحاول دفعها بالقوة.

— وما المشكلة؟

— أن المدد ليس حصانًا.

فكر كايو.

— أنا لم أركبه من قبل.

ضحك بعض التلاميذ، حتى هان ابتسم لحظة. ثم قال:

— لا تحاول أن تجعله يفعل ما تريد، لكن تعلم أولًا كيف يتحرك.

تأمل كايو كلامه، أما آزر… فشعر أن الجملة أصابته هو أيضًا. وحين جاء دوره، وقف أمام الهدف. استدعى المدد، ثم ظهر الخيط، حاول دفعه، تحرك، ووصل إلى أطراف أصابعه. ثم توقف، وأعاد المحاولة. كان الخيط يخرج بسهولة أكبر الآن، لكن بمجرد أن حاول جعله أكثر قوة. ارتجف، ثم انقطع. قال أحد التلاميذ:

— ما زال ضعيفًا.

لم يلتفت آزر، أعاد المحاولة، مرة، ثم ثانية، ثم خامسة، وفي المحاولة الثامنة، لم يدفع المدد إلى الهدف. بدلًا من ذلك، جعله يلتف حول حافة الخشب. تغير توازن الهدف، مال، ثم سقط. ساد الصمت.. نظر هان إلى آزر.

— ماذا فعلت؟

— لم أكن أحاول دفعه.

— إذن ماذا كنت تحاول؟

نظر آزر إلى الهدف الساقط.

— أن أجعله يسقط وحده.

صمت هان، ثم قال:

— استمر.

بعد التدريب، كانت هناك قائمة جديدة على اللوح: مهام التلاميذ الخارجيين.

تجمع الناس أمامها، وكان معظمها قد اختفى سريعًا. وبقيت ثلاث. الأولى: نقل صندوق أدوية إلى قرية قريبة ، عشر نقاط. الثانية: جمع عشبة الجليد من الوادي الشمالي ،  خمس عشرة نقطة. الثالثة: البحث عن ثلاثة تلاميذ لم يعودوا من ممر السحاب الرمادي ، خمس وأربعون نقطة.

لم يعد آزر ينظر إلى لوحة المهام بالطريقة نفسها.

في السابق كان يرى فيها مجرد وسيلة للحصول على النقاط، وربما فرصة للخروج من حدود الساحة الخارجية. أما الآن… فقد كان يبحث عن شيء آخر.

توقفت عيناه عند ورقة معلقة في الطرف السفلي من اللوحة.

مهمة: فحص اضطراب غير معتاد في الجبل الشرقي. الموقع: المنطقة الشمالية من الجبل. البلاغ: يتضمن وجود جسم حجري أسود غير مسجل المكافأه: عشرون نقطة.

ثبت نظره عليها، قرأ السطر مرة، ثم ثانية، ولم يكن الحجر وحده هو ما لفت انتباهه. بل الموقع، الجبل الشرقي. نفس الجهة التي أغلقت فيها الطائفة الطريق قبل أسابيع، ونفس الجهة التي وجدوا فيها الحجر ذا الدائرة الناقصة.

مد يده إلى الورقة، لكنه توقف قبل أن ينتزعها. تذكّر سجل القرية، جسم حجري غير مسجل، شجرة قديمة، وجذور لا تتجاوز الحجر. أربعة غرباء، وثلاثة عادوا، ثم تذكّر ما قاله ريو:

— ربما العدد لا يصف الأشخاص .

أنزل آزر يده ببطء، ولأول مرة منذ بدأ يبحث، شعر أن الطريق لم يعد بعيدًا كما ظن. لم يكن يعرف إن كان الحجر في الجبل هو الحجر نفسه، ولم يكن يعرف إن كان يوهان قد مر من هناك فعلًا. لكنه عرف شيئًا واحدًا: لن يستطيع أن يعرف ما لم يذهب.

اقتلع الورقة من اللوحة، ورفع كايو رأسه من خلفه.

— مهمة؟

نظر آزر إلى الورقة.

— نعم.

— بسبب النقاط؟

صمت آزر لحظة، ثم قال:

— لا.

التفت إليه كايو.

— إذن لماذا؟

أعاد آزر النظر إلى وصف المهمة.

— لأنني أظن أنني رأيت هذا من قبل.

لم يفهم كايو، أما آزر فلم يشرح. فحتى هو لم يكن متأكدًا بعد. لكن إن كان الحجر الموجود في الجبل يشبه حجر قريته… وإن كان الطريق الذي ترك آثاره بالقرب من قريته. قد ظهر هنا أيضًا… فقد لا تكون المسألة صدفة، وربما كانت هذه المرة الأولى التي يستطيع فيها أن يتبع الخيط بدل أن ينتظر أن يقوده الخيط إليه.

ضم الورقة إلى يده.

— سأذهب.

وهذه المرة لم يكن ذاهبًا من أجل الطائفة.

بل كان ذاهبًا من أجل إجابته.

لم يكن معهم تلاميذ كثيرون، فقط الخمسة. آزر، كايو، نيرة، رين. وتلميذ آخر يدعى تشاو ،  لم يكن يحب الكلام. وهذا جعل كايو يحاول التحدث معه أكثر.

— هل تخاف؟

— لا.

— ممتاز.

— لكنني لا أثق بك.

— هذا أفضل.

نظر رين إليهما.

— لماذا تتحدثون وكأن هذا طبيعي؟

— لأننا ذاهبون إلى مكان قد يموت فيه أحد.

رد تشاو ببرود:

— وهذا هو الجزء الذي يجعله طبيعي.

ضحكت نيرة رغمًا عنها، أما آزر فابتسم ابتسامة خفيفة، ثم واصلوا السير.

كان الجبل الشرقي هادئا أكثر مما توقعوا. صخور شاحبة، أشجار منخفضة، وضباب ينساب بين الجبال. قال تشاو:

— هناك شيء غريب.

توقف آزر.

— ماذا؟

أشار إلى الشجرة، وكانت الأغصان تنمو في اتجاه واحد فقط. نحو الجنوب. قال رين:

— الريح لا تهب من هناك.

لم يجب أحد، ثم لمح آزر شيئًا على الأرض، آثار أقدام. ثلاثة، ثم أربعة، وتوقف. قال كايو:

— هل تعرف شيئا ؟

هز آزر رأسه.

— لا.

لكن نظرته بقيت على الأثر الرابع، لم يكن أثر قدم كاملًا، بل نصفه فقط. كأن شخصًا وضع قدمه… ثم اختفى.

وجدوا  شخصا قبل الغروب، كان فاقد الوعي، ظهره إلى صخرة، وساقه تنزف. أسرعت نيرة إليه.

— حي.

رفع التلميذ رأسه بصعوبة.

— أنقذوهم.

— ماذا؟

ارتجفت شفتاه.

— أنقذوا رفاقي… لقد سمعوا صوتا وتبعوه الي الداخل.

— ماذا، ألم يقولوا أنه ممنوع دخول التلاميذ؟

لم يجب، وقال آزر:

— طرقات؟

رفع الرجل عينيه إليه، ثم أومأ. تبادل الأربعة نظرات، وقال رين:

— يجب أن نعود.

لكن تشاو كان قد وصل إلى موضع آخر.

— هنا.

كان هناك سلاح مكسور، وعليه دم. تقدم كايو.

— ربما هوجموا.

— أو قاتلوا شيئًا.

فجأة… صدر صوت. طق، واحدة، ثم الثانية، ثم الثالثة.

تجمد كايو، وقال:

— ليست من الأمام.

رفع آزر عينيه.

— أين؟

أشار كايو إلى الجانب، ثم إلى الصخور خلفهم.

— من هناك.

— لا نرى شيئًا. ارتجف صوت كايو:

—  أنا أراه.

لم يفهم أحد، ولكن هذه المرة لم يجادلوا. تحركوا، وخرج الوحش من الضباب، لم يكن كبيرًا. بل كان أسوأ.. سريعًا. شيء نحيل بأطراف طويلة، وفك ضيق، وعين واحدة في منتصف وجهه. قفز على تشاو، ودفعه إلى الأرض.

حاول كايو الوصول إليه، لكن الوحش غيّر اتجاهه، ومزق ذراع كايو، صرخ. تراجع كايو وهو ينظر إلى الدم، وفي اللحظة نفسها، اندفع آزر. استدعى المدد، خيط واحد ضعيف، لكنه لفّه حول ساق الوحش، سحب، وتعثرت حركته.

انقض كايو، وغرس سيفه في كتفه. صرخ الوحش، وضرب كايو في صدره. طار للخلف، ثم اصطدم بصخرة، وسعل دمًا. صرخت نيرة:

— كايو!

اندفع آزر، وهذه المرة لم يحاول أن يقاتله من الأمام. دفع المدد إلى الأرض، والتقط حجرًا، ثم آخر، ثم ثالثًا. ارتفعت الحجارة، وانطلقت. أصابت الوحش في عينه، تراجع، ثم انقض رين من الجانب. وضربه في رقبته. وأخيرا جاء تشاو، وغرس سلاحه المكسور في موضع الجرح. صرخ الوحش، وسقط، بقي جسده يرتجف ثم سكن.

كان كايو يضغط على جرح ذراعه. عندما قالت نيرة:

— اجلس.

— لا أحتاج.

— اجلس!

جلس، ونزعت قطعة من ثوبه وربطت بها ذراعه، نظر آزر إلى الدم، ثم إلى يده. كان المدد لا يزال يشعره بوخز في عروقه. قال كايو:

— هذه المرة أنقذتني.

— لا، بل نحن أنقذنا بعضنا.

ابتسم كايو.

— هذه إجابة أفضل.

بعد أن عادوا بالتلميذ والدواء، حصلوا على بعض النقاط. لكن آزر لم يذهب إلى لوحة النقاط، ذهب إلى رين، وكان يجلس وحده. قال آزر:

— ماذا رأيت؟

رفع رين عينيه.

— في القتال؟

— قبل ذلك.

صمت رين، ثم قال:

— عندما سمع كايو الطرقات… لم أسمعها.

نظر آزر إليه.

— ماذا سمعت إذن؟

— شيئًا آخر، كأن… شخصًا ينادي.

— من؟

رفع رين عينيه.

— لا أعرف، لكنه قال شيئًا عن شجرة، « لم تكن هي الأولى .»

صمت آزر، وشعر بأن شيئًا قد انغلق في صدره. ثم سأل:

— شجرة؟

أومأ رين.

— نعم.

وفي تلك الليلة، عاد آزر إلى غرفته. أخرج الحجر الرمادي، وجلس طويلًا… فكر في السجل، في الأربعة، في الثلاثة الذين عادوا. وفي كل شئ..

ثم فهم شيئًا. ربما كان يبحث عن إجابة خاطئة، كان يسأل: من هو يوهان؟ لكن ربما كان السؤال الأهم: لماذا مرّ يوهان من هناك أصلًا؟

رفع الحجر، وقال:

— إذا كان قد ترك الطريق… فأين يبدأ؟

وفي صباح اليوم التالي… كان هناك شخص يقف عند البوابة الخارجية للطائفة. ثوب أسود، وجه مغطى جزئيًا، وعلى يده علامة قديمة. دائرة ناقصة، وفي وسطها… خط أبيض. كان أحد الحراس يستجوبه.

— من أين جئت؟

رفع الرجل عينيه.

— من الغرب.

— ماذا تريد؟

صمت لحظة، ثم قال:

— شخصًا يحمل حجرًا رماديًا.

تغير وجه الحارس، ولم يلاحظ الرجل ذلك، ولكن من بعيد… كان ريو يقف عند أحد الأعمدة. سمع الجملة، فأغمض عينيه للحظة.

ابتسم وقال بصوت لا يكاد يسمع:

— تأخرتم…

وفي مكان آخر، داخل غرفة صغيرة، استيقظ آزر، وكان الحجر الرمادي في يده.

لم يكن دافئًا، كان باردًا، باردًا جدًا. كأنه لم يعد ينتظر أن يفتح أحد الباب.

بل… كان ينتظر أن يعرف آزر أين يذهب بعده.