المُتَحَرِّر الفصل 16 — المُتَحَرِّر 16

اقرأ المُتَحَرِّر الفصل 16 — المُتَحَرِّر 16 باللغة العربية على مانجا تايم.

بقي آزر واقفًا أمام النافذة حتى بدأ الضوء يتسلل إلى الغرفة. لم ينم،ولم يكن السبب هذه المرة رين، ولا الجبل، ولا حتى الطرقات.

كان اسمًا لم يعرفه كاملًا بعد.

يو…

كلما حاول أن يتجاهله، عاد إلى ذهنه، ذلك الشعور الغريب الذي اجتاحه عندما رآه على الحجر. لم يكن فضولًا هذه المرة، بل كان حزنًا، حزنًا لم يفهم مصدره، ولم يعرف لماذا يظهر الآن، بعد كل ما حدث.

جلس على الأرض، وأسند ظهره إلى السرير، وضع الحجر الرمادي أمامه، وظل ينظر إليه طويلًا. ثم مد يده ولمسه، لم يحدث شيء، استدعى المدد، وظهر الخيط بين أصابعه، رفيعًا لكنه أوضح مما كان قبل أيام. أبطأه، وجعله يلتف حول الحجر، ولم يعد يحتاج إلى عشرات المحاولات ليمسكه. صار الآن يستطيع توجيهه كما يريد، وإن كان ذلك لا يزال يستنزفه سريعًا.

اقترب الخط من الدائرة، ثم توقف، ولم يسمح له بإغلاقها.

سأل نفسه بصوت خافت:

— ماذا لو كان إغلاق الدائرة هو الخطأ؟

سحب يده، واختفى المدد.

في الغرفة المجاورة أصدر أحدهم صوتًا، استدار آزر. كان رين نائمًا، ويتنفس ببطء. بقي آزر ينظر إليه للحظات.. ثم أدرك أنه كان يراقب صدره ليتأكد من ارتفاعه وانخفاضه. ابتعد بنظره، ولم يحب أن يعرف أنه يفعل ذلك.

قبل أيام كان يستطيع أن يرى شخصًا يتأذى ويفكر في القوة. أما الآن صار يفكر في غيابه.

وهذا أخطر.

لأن الإنسان الذي تخشى فقده… يمكن أن يصبح قيدًا. وقد بدأ آزر يكره القيود أكثر من الألم نفسه.

في غرفة المعالجين، كانت نيرة تغير الضماد عن كتف رين.

— لا تتحرك.

— لم أتحرك.

— كتفك يتحرك.

— هذا لأنني أتنفس.

رفعت عينيها إليه.

— إذن توقف عن التنفس.

ضحك كايو من الجهة الأخرى.

— هذه أول مرة أسمع فيها علاجًا من هذا النوع.

رمقته نيرة بنظرة حادة.

— وأنت لا تتكلم.

— لماذا؟

— لأن حاجبك ما زال ينزف.

رفع كايو يده إلى وجهه، ثم نظر إلى الدم على أصابعه.

— لم ألاحظ.

— وهذا هو سبب كونك غبيًا.

— على الأقل أنا خرجت بقدمي.

ابتسم رين.

دخل آزر، وساد الصمت للحظة. نظر إليه رين.

— جئت.

— نعم.

ثم نظر آزر إلى كتفه.

— كيف تشعر؟

— وكأن صخرة سقطت عليّ.

— صخرة لم تكن صغيرة.

لم يضحك رين هذه المرة، ونظر إليه آزر.

— هل تذكرت شيئًا آخر؟

فهم رين ما يقصده.

— لا.

—  لكنني رأيت شيئًا قبل أن أغادر المكان.

اقترب آزر.

— ماذا؟

رفع رين يده السليمة، ورسم في الهواء شكلًا تقريبيًا.

— هذا.

كانت دائرة ناقصة، وفي منتصفها خط.

توقف آزر، ولم يقل شيئًا.

لاحظ رين ذلك.

— أنت رأيتها أيضًا؟

— نعم.

— أين؟

— في أماكن كثيرة.

صمت رين، وقال كايو:

— هل هذا كل ما نعرفه؟

— لا، لكنه أول شيء يمكننا التأكد منه.

عند الظهيرة، وجد آزر نفسه أمام باب مبنى قديم في الطائفة، كان الباب أصغر من أن يكون معبدًا، وأكبر من أن يكون مخزنًا عاديًا، وعلى جانبه لوحة خشبية باهتة: سجلات الجبل الخارجي.

طرق آزر، ولم يجب أحد. طرق مرة ثانية، ثم جاءه صوت رجل مسن:

— ادخل.

كان أمين السجلات يجلس خلف طاولة مليئة بالدفاتر، ورفع عينيه عندما رأى آزر.

— ماذا تريد؟

— أبحث عن سجل قديم.

— عن ماذا؟

تردد آزر للحظة، ثم قال:

— قرية بعيدة غرب الطائفة.

ضاقت عينا الرجل.

— اسمها؟

ذكر آزر الاسم، وظل الرجل صامتًا، ثم أغلق دفترًا أمامه.

— لماذا؟

— أريد أن أعرف ما حدث فيها.

— هذا ليس من عمل التلاميذ.

أخرج آزر قطعة معدنية صغيرة من جيبه، لم تكن لها قيمة كبيرة، لكنها كانت آخر ما بقي معه من بعض مكافأة الاختبار، ثم وضعها على الطاولة. نظر الرجل إلى القطعة، ثم إلى آزر.

— ماذا تعرف؟

— قليلًا.

— هذا أسوأ من أن تعرف شيئًا.

أخذ القطعة، ثم نهض. اختفى بين الرفوف، بينما بقي آزر واقفًا.

بعد دقائق عاد الرجل بدفتر سميك، وضعه على الطاولة، وكانت صفحاته صفراء. فتحها ، ثم قلب عدة صفحات. وتوقف.

— هنا.

اقترب آزر، كانت هناك ملاحظة قصيرة. الطريق الغربي، بلاغ عن جسم حجري غير مسجل. قرأ آزر السطر التالي: وجود شجرة قديمة في الموقع، والجذور لا تتجاوز منطقة الحجر. توقفت أنفاسه لحظة، الشجرة. تابع، شوهد أربعة غرباء بالقرب من الموقع. ثم: أحد أبناء القرية رفض تسليم الحجر. لم يكن الاسم مكتوبًا، لكن آزر لم يحتج إليه. كان يعرف من يكون… سورا قال:

— ماذا بعد؟

قلب أمين السجلات الصفحة، كانت ممزقة من المنتصف، ولم يبقَ سوى نصف سطر: بعد حلول الليل، وقع اضطراب قرب الشجرة… ثم انقطع كل شيء. قال آزر:

— هل هناك نسخة أخرى؟

— لا.

— متأكد؟

رفع الرجل عينيه إليه.

— لو كانت هناك نسخة أخرى، لما كنت أبحث عنها أنا منذ عشرون سنة.

صمت آزر، ثم سأل:

— الأربعة، من كانوا؟

هز الرجل رأسه.

— لم يُسجل شيء.

— لكنكم سجلتم أنهم كانوا أربعة.

— لأن شخصًا أبلغ عن أربعة.

— ومن كتب السجل؟

— رجل من الطائفة.

— هل رأى الأربعة؟

— لا أعرف.

— إذن ربما لم يكونوا أربعة.

نظر الرجل إليه طويلًا.

— ربما.

أغلق الدفتر، ثم قال:

— ولكن هناك شيء آخر.

فتح صفحة في آخر السجل، قصاصة صغيرة كانت عالقة بين الصفحات، وجملة واحدة. عاد ثلاثة. توقف آزر، ورفع رأسه.

— والرابع؟

لم يجب الرجل، وكان ينظر إلى الكلمة التي تحتها.

مفقود.

خرج آزر من المبنى والدفتر في رأسه، ثلاثة عادوا، وواحد اختفى. بعدها ظهرت قصص عن رجل يدعى يوهان، ثم بعد سنوات… بدأ الطريق من جديد. جلس على الدرج الحجري خارج المبنى، ولم يشعر بالراحة، بل على العكس، كل معلومة جديدة جعلت الصورة أكثر ضبابية.

فكر في سورا، لم يكن سورا خائفًا من الحجر فقط. ربما كان خائفًا من أن يعود الأشخاص الذين تركوا القرية خلفهم، أو من أن يعرف أحد ما حدث تلك الليلة، ثم فكر في الرجل الغريب. الرجل الذي دخل القرية ذات مرة وسأل عن الحجر، لماذا كان يعرف عنه؟ همس: وإذا كان واحدًا من أولئك الأربعة… فأين الثلاثة الآخرون؟ ولماذا عاد ثلاثة فقط؟

قال صوت خلفه:

— لأنك لا تنظر إلى الشيء الصحيح.

التفت آزر، وكان ريو. وقف هناك وذراعه ما زالت ملفوفة. قال آزر:

— ماذا تقصد؟

جلس ريو إلى جواره.

— أنت تنظر إلى الأربعة على أنهم أشخاص.

— أليسوا كذلك؟

— ربما، لكن أحيانًا الرقم لا يصف الأشخاص.

صمت آزر.

— ماذا يمكن أن يصف إذن؟

— الأماكن.

ثم نهض.

— تعال.

أخذه ريو إلى مكان أعلى من مباني الطائفة، ومن هناك كانت القمم الشرقية تظهر خلف الضباب. قال ريو:

— عندما رأيت العلامة في القرية، ماذا ظننت أنها؟

— علامة.

— وأنا أيضًا، لكنني كنت مخطئًا.

نظر إليه آزر.

— ماذا كانت؟

— لا أعرف.

ابتسم آزر قليلًا.

— بدأت تعود.

— لأننا نقترب.

ثم أشار إلى الجبل.

— العلامة لا تحدد شيئًا واحدًا، بل هي تظهر عندما يصل الطريق إلى نقطة معينة.

— أي طريق؟

لم يجب ريو، وفكر آزر:

— طريق يوهان؟

تغير وجه ريو، لكن هذه المرة لم يتهرب.

— ربما.

اقترب آزر.

— إذن أنت تعرف يوهان.

— أعرف ما يكفي لأعرف أنني لا أعرف كل شيء.

— هل كان واحدًا من الأربعة؟

صمت ريو، ثم قال:

— ربما كان.

— وهذا يعني؟

نظر إليه ريو.

— يعني أن السؤال الخطأ ليس: أين ذهب يوهان؟ بل ماذا ترك خلفه؟

بقيت الجملة في ذهن آزر، ماذا ترك؟ الحجر؟ العلامة؟ الطريق؟ أو شيئًا آخر؟

وفي تلك اللحظة، جاء صوت من أسفل الجبل. صرخة، ثم أخرى. استدار ريو، وتغير وجهه.

— ماذا حدث؟

لم يجب، وركض الاثنان. كانت الفوضى تعم الجزء السفلي من الطائفة. تلاميذ يتجمعون، حراس يركضون، وبينهم رجل مغطى بالدم.. كان أحد الحراس، وحمله اثنان من التلاميذ.

قال هان:

— أين حدث هذا؟

— عند البوابة الشرقية.

— كم عددهم؟

— لم نرَ أحدًا.

— ماذا تقصد لم تروا أحدًا؟

رفع الحارس يده المرتجفة.

— سمعنا طرقًا.

توقف الجميع، ثم قال كايو من خلف آزر:

— كم؟

نظر الحارس إليه.

— أربع.

صمت كايو، ثم قال:

— لا.

اقترب منه آزر.

— ماذا؟

هز كايو رأسه.

— لم تكن أربع.

— ماذا سمعت؟

— أربع… ثم واحدة.

تبادل هان والشيخ مو نظرة، لم ينتبه كثيرون، ولكن آزر لاحظ. أرسل هان الحراس إلى البوابة الشرقية. ثم التفت إلى آزر ورفاقه.

— ابقوا هنا.

لكن آزر لم يتحرك، ثم قال:

— أريد أن أرى المكان.

— قلت ابقوا هنا.

— لماذا؟

نظر هان إليه.

— لأنك لست مستعدًا.

كانت الجملة كافية، لكن آزر لم يتحرك. تابع:

— إذا كان الشيء الذي عند البوابة مرتبطًا بالجبل، فبقائي هنا لن يجعلني أكثر استعدادًا عندما يصل إليّ.

ساد الصمت، ونظر هان إليه طويلًا. ثم قال:

— ريو، خذهم.

غادروا، وكانت البوابة الشرقية على بعد دقائق، ثم وجدوا الحراس الثلاثة. اثنان واقفان، والثالث مستلقٍ على الأرض، لم يكن ميتًا، لكنه فقد وعيه، وكان على صدره جرح طويل. اقتربت نيرة فورًا، وبدأت تعالجه، أما آزر فانتبه إلى الأرض. هناك… حجر صغير. ليس من حجارة الطائفة. أسود، أملس، وعليه دائرة. اقترب. قال ريو:

— لا.

توقف، ثم نظر إليه.

— لماذا أوقفتني؟

— لأنك كنت ستلمسه.

لمس آزر جيبه، الحجر الرمادي كان ساخنًا، ولكن هذه المرة لم يكن هناك خط أبيض، بل كان هناك شيء آخر. اهتزاز خفيف مثل نبضة قال كايو:

— اسمعوا.

رفعوا رؤوسهم، صمت. ثم طق. جاء الصوت من تحت الأرض، ثم الثانية. اقترب كايو من الحارس المصاب، ففتح الرجل عينيه للحظة. همس:

— الباب …

ثم أغلقهما، قال آزر:

— ماذا قال؟

— لم يقل أي شيء واضح.

لكن كايو كان قد اتجه نحو الجدار، وضع يده عليه، وكان وجهه شاحبًا. قال:

— هناك أحد.

تجمد الجميع.

— أين؟

أشار كايو إلى الجدار.

— خلفه.

اقترب آزر، واستدعى المدد، الخيط خرج من جسده، ثم تحرك ولمس الجدار. وفي البداية لم يحدث شيء، ثم شعر بمقاومة. توقف، وقال:

— هناك فراغ.

نظر ريو إلى الجدار، ثم إليه.

— ابتعد.

لكن آزر لم يفعل، استخدم المدد مرة أخرى، وهذه المرة كان أقوى. صدر صوت طقطقة خافت، وتشققت قطعة من الجدار. ظهرت خلفها مساحة سوداء صغيرة، لم تكن غرفة بل فجوة ضيقة. وفي داخلها… قطعة خشبية. نصف دائرة وفوقها خط، تجمد ريو، ولم يمد يده. آزر أيضًا لم يلمسها. قال كايو:

— لماذا تشبه حجرك؟

نظر آزر إلى الحجر الرمادي في يده، ثم إلى القطعة الخشبية، لم تكن مطابقة. لكن العلامة… كانت نفسها تقريبًا. قال ريو بهدوء:

— لأنها ليست لحجرك وحده.

— ماذا تقصد؟

لم يجب، بل كان ينظر إلى القطعة الخشبية. ثم قال:

— هذه القطعة كانت مع شخص أعرفه. رجل اسمه… يوهان.

ساد الصمت، لكن قبل أن يستوعب آزر الجملة، جاء صوت من الجهة الأخرى للجدار. طق، طق،   طق.

كان كايو شاحبًا، ونظر إلى آزر.

— هذه المرة… أعرف من يطرق.

— من؟

رفع كايو عينيه إلى الجدار.

— رين.

انتشر الصمت، وقالت نيرة:

— مستحيل.

— لا أحد يتحرك.

جاءت الطرقة الرابعة، ثم صوت خافت.

— كايو…

تراجع كايو، ولكنه لم يجب. نظر آزر إلى الباب المخفي، ثم إلى الحجر الرمادي، كان الخط الأبيض فوق سطحه قد تحرك، ببطء شديد… نظر آزر إليه، ثم قال:

— لن أفتح.

لم يكن خوفًا، بل كان قرارًا. اقترب كايو.

— لماذا؟

نظر آزر إلى الباب.

— لأنني لا أريد أن أصبح شخصًا يفتح كل باب لمجرد أنه يريد أن يعرف ما وراءه. أريد أن أكون الشخص الذي يقرر متى يفتح .

نظر إليه ريو طويلًا. وفي تلك اللحظة… فهم آزر شيئًا آخر، ربما كانت القوة فعلًا تمنحه الاختيار. لكن القدرة على التراجع… كانت أيضًا نوعًا من القوة. ابتعد عن الجدار، ومد يده إلى الحجر. توقف الخط. ثم… اختفى.

وفي غرفة الشيخ مو، وُضعت القطعة الخشبية فوق الطاولة. كان هان واقفًا أمامه. تنهد وقال:

— إذا كان هذا هو ما أظنه…

رفع الشيخ يده.

— لا تقلها.

— لكنه ظهر مرة أخرى.

— أعرف.

— والفتى رآه.

— أعرف.

صمت هان، ثم قال:

— هل كان يوهان واحدًا منهم؟

ظل الشيخ ينظر إلى القطعة، ثم قال:

— لا أعرف.

— وهل عاد أحد بعده؟

توقفت عين الشيخ عند الخط الموجود فوق نصف الدائرة.

— نعم.

رفع هان رأسه.

— من؟

أغلق الشيخ الصندوق.

— الرجل الذي عاد… لم يعد إنسانًا بالمعنى الذي نعرفه.

وفي آخر الليل، عاد آزر إلى غرفته، ولم يفكر في النوم. أخرج الحجر، كان ساكنًا. لكن عندما وضعه على الأرض، لمح نفس الشئ. في أسفل الدائرة… كان هناك أثر لحرف صغير، حرف واحد فقط. ر مرر إصبعه فوقه، ولم يعرف إن كان جزءًا من كتابة قديمة… أم بداية اسم. فكر في ريو، ثم في رين، ثم في الرجل الذي عاد، وأخيرا في يوهان.

أعاد يده، لم يحاول التخمين، ولكن للمرة الأولى، لم يكن مجهولًا تمامًا. صار لديه احتمال. والاحتمال… كان بداية الطريق.

وفي مكان بعيد، عند الشجرة القديمة التي تركها خلفه منذ زمن لا يعرفه أحد… تحركت ورقتها كأنها تنهيدةٌ صامتة صعدت من أعماق الجذور، ثم سقطت الورقة على الأرض، وعندما لامست التراب… ظهر تحتها جزء صغير من حجر أسود وعليه دائرة ناقصة وفي داخلها.. خط أبيض..