المُتَحَرِّر الفصل 15 — المُتَحَرِّر 15

اقرأ المُتَحَرِّر الفصل 15 — المُتَحَرِّر 15 باللغة العربية على مانجا تايم.

لم يستطع آزر النوم. كلما أغمض عينيه، عاد إليه المشهد نفسه، يدٌ خرجت من الظلام، أصابع طويلة التفت حول رين، ثم سقط. لم يرَ ما حدث بعد ذلك، لم يرَ موته، ولم يرَ نجاته. وهذا النوع من الجهل كان أسوأ من الحقيقة.

جلس آزر عند حافة سريره، وحدق في الحجر الرمادي الموضوع أمامه. كان ساكنًا، لا ضوء، لا طرق، ولا ذلك الإحساس الغريب الذي اجتاحه عندما ظهرت الأحرف للمرة الأولى. أخرج آزر قطعة القماش ومسح الدم اليابس عن أصابعه. كان بعضه من رين، وبعضه من نيرة، وبعضه منه، ثم توقف عند هذه الفكرة. وقال بصوت خافت:

— كم من الأشياء أحتاج إلى أن أخسر… قبل أن أتوقف عن السؤال عما أشعر به ؟

لم يجب أحد، رفع عينيه إلى النافذة، وكان الليل قد اقترب من نهايته.

فنهض، وعندما خرج من الغرفة، وجد كايو جالسًا عند الدرج. لم يكن نائمًا، كان فقط يحدق في الظلام. قال آزر:

— أنت مستيقظ أيضًا.

رفع كايو رأسه.

— سمعت شيئًا.

— ماذا؟

تردد، ثم قال:

— ثلاث طرقات.

توقف آزر.

— أين؟

وضع كايو يده على صدره.

— هنا.

حدق آزر فيه.

— داخل صدرك؟

هز كايو رأسه.

— لا أعرف، وبعدها سمعت صوت رين.

اقترب آزر خطوة.

— ماذا قال؟

— لم يقل شيئًا، كان فقط… يتنفس.

صمت آزر، قال كايو:

ثم سمعت صوتًا آخر وقد قال… اسمي .

مر صمت طويل بينهما، ثم سأل آزر:

— من أين؟

أشار كايو إلى الجبل.

استيقظت نيرة بعد دقائق، ولم تكن سعيدة عندما أخبرها كايو بما سمع. قالت:

— سنذهب.

نظر إليها كايو.

— الآن؟

— إذا كان رين حيًا، فلن نجد وقتًا أفضل.

قال ريو من خلفهم:

— لن نعود إلى المكان نفسه.

التفت الجميع، كان واقفًا عند مدخل الممر، ملامحه شاحبة، وذراعه المصابة ملفوفة بإحكام. قال كايو:

— ولماذا؟

— لأن الجبل تغيّر.

— كيف؟

— لا أعرف.

حدق كايو فيه.

— كل إجاباتك أصبحت «لا أعرف».

ابتسم ريو بمرارة.

— لأنني بدأت أكره الكذب على نفسي.

نظر آزر إليه، تلك الجملة ذكّرته بشيء قاله ريو في القرية منذ وقت طويل. الرجل الذي يقول «لا أعلم» يقف أمام باب. لكن آزر لم يعلق، قال ريو:

— إذا دخلنا، فلن نجد المكان كما تركناه.

— إذن سنجده بشكل آخر.

نظر ريو إليه، ثم إلى آزر.

— وربما لن نجد رين.

قالت نيرة فورًا:

— لا تقل ذلك.

أخفض ريو عينيه.

— أتمنى أن أكون مخطئًا.

خرجوا قبل شروق الشمس، لم تأتِ أي مجموعة أخرى، هذه المرة فتح الحراس البوابة لهم دون كلام. كان الشيخ مو ينتظرهم، قال:

— تعودون خلال ساعتين.

— وإذا وجدناه؟

— تعيدونه.

— وإذا كان يحتاج إلى علاج؟

— عالجيه.

— وإذا وجدنا الشيء الذي أخذه؟

نظر الشيخ إليه.

— لا تقتربوا منه.

— ولماذا؟

رفع الشيخ مو عينيه إليه.

لأن الشيء الذي يستطيع تقليد صوت شخص… لا تحتاج إلى أن تعرفه كي تعرف أنه خطر. وإذا سمعتم رين يناديكم… فلا تجيبوا.

دخلوا، وأُغلقت البوابة خلفهم.

كان الجبل أشد صمتًا من الليلة السابقة، ساروا دقائق طويلة. ثم قال كايو:

— هنا.

توقف الجميع.

— ماذا؟

أشار إلى الأرض.

— سمعت الطرقات.

نظر آزر، لا شيء، أغصان، حجارة، أرض رطبة. قال ريو:

— إلى اليمين.

التفت آزر إليه.

— كيف عرفت؟

— لأن الصوت لم يأتِ من أمامنا.

— أنا سمعته من اليمين أيضًا.

لم يسأل آزر كيف، ذهبوا، ووجدوا الصدع، كان أوسع الآن، والحجارة حوله محطمة. انحنت نيرة.

— دم.

كان هناك أثر داكن على الصخر، تتبعت العلامة بإصبعها.

— جديد.

تقدم آزر، في أسفل الجدار كانت قطعة من ثوب رين، انتزعها، وظل ينظر إليها. قال كايو:

— إنه حي.

— أو كان حيًا.

انخفض صوت كايو.

— لا تقل هذا.

— يجب أن نعرف الاحتمالين.

اقترب آزر من الحافة، نظر إلى الظلام، ثم قال:

— سننزل.

— قال كايو:

— المكان غير مستقر.

— أعرف.

— قد لا نستطيع العودة.

نظر إليه آزر.

ثم نزل.

كان الصدع أضيق في البداية، اضطروا إلى السير واحدًا خلف الآخر. الحجارة تنزلق تحت أقدامهم، وكلما نزلوا، انخفضت الحرارة، ثم سمعوا صوتًا. تنفس، خفيف، ومتقطع. توقف كايو.

— رين.

أسرع وتيرته، أمسكه آزر.

— لا.

— إنه هو!

— انتظر.

أغمض كايو عينيه، ركز، ثم قال:

— نعم، هذه المرة أنا متأكد.

ساروا ببطء، وصلوا إلى مساحة واسعة، وفي الطرف الآخر… كان رين ملقى على الأرض. ظهره إلى الجدار، وجهه شاحب، وعلى صدره خدش طويل، لكنه كان حيًا. صرخت نيرة باسمه، اندفعت إليه، ركعت بجواره، ووضعت يدها على عنقه. بعد لحظة قالت:

— نبضه موجود.

تنفس كايو بقوة، ثم ضحك، ضحكة قصيرة خرجت من بين توتره.

— أخبرتك.

أما آزر… فلم يقل شيئًا، ظل ينظر إلى رين، وقد كان حيًا. وهذا وحده كان كافيًا ليشعر بشيء ارتفع داخل صدره. شيء لم يعرف اسمه، اقترب، مد يده، ثم سحبها.. لم يكن يعرف ماذا يفعل، قال رين بصوت ضعيف:

— لا… تنظر إليّ هكذا.

تجمد آزر، فتح رين عينيه بصعوبة، ابتسم.

— ظننت أنك لا تقلق.

— لم أقل إنني لا أقلق.

نظر رين إليه لحظة، ثم أغمض عينيه.

— جيد.

عالجت نيرة جرحه، كان هناك كسر بسيط في كتفه، وعدة جروح سطحية. لكن الجرح الأكبر لم يكن في جسده، بل كان في الخوف الذي لم يتحدث عنه. بعد أن انتهت، سألت:

— ماذا حدث؟

فتح رين عينيه.

— سقطت.

— أعرف أنك سقطت، ماذا رأيت؟

نظر إلى كايو، ثم إلى آزر.

— لا أعرف.

— الجميع يقول هذا.

ضحك رين بضعف، ثم قال:

— عندما سحبتني اليد، لم أشعر أنها تمسك بي، بل شعرت وكأنني… كنت أسقط وحدي.

نظرت نيرة إليه.

— كيف؟

لا أعرف، لكنني رأيت شيئًا… كان ممرًا طويلًا جدًا، وفي نهايته باب.

تجمد ريو، لاحظ آزر ذلك، لم يقل رين شيئًا أكثر. قال كايو:

— هل رأيت من خلف الباب؟

هز رين رأسه.

— لا، لكن سمعت صوتًا.

— صوت من؟

نظر رين إلى آزر.

— صوتك.

ساد الصمت، قال آزر:

— ماذا قال؟

— لم يقل شيئًا، كان يطرق.

كان هناك صوت… طرق،  هذه المرة من داخل الجبل. رفع الجميع رؤوسهم، قال كايو:

— ثلاثة.

جاءت الثانية.

— أربع.

ثم الثالثة.

— خمسة.

نظر إليه آزر.

— ماذا؟

— الطريقة تغيرت. تجمد ريو، ثم قال:

— لا، ليس الطريقة فحسب بل المكان.

بدأ شيء يتحرك في الجهة المقابلة، صخرة، ثم أخرى. تقدّم ريو بسرعة.

— علينا الخروج.

— الآن؟

— نعم.

— لكننا لم نعرف

— لم نأتِ لنعرف كل شيء اليوم.

أمسك رين، ساعدته نيرة، وتحركوا، لكن قبل أن يصلوا إلى الصدع، خرج صوت من الظلام:

— كايو…

توقف كايو، ثم جاء الصوت مرة أخرى.

— أمّي…

أغمض كايو عينيه، هذه المرة لم يتحرك، قال آزر:

— جيد.

فتح كايو عينيه.

— لماذا؟

— لأنك لم تجب.

ابتسم كايو ابتسامة متعبة.

— بدأت أتعلم.

وصلوا إلى الصدع، ولكن الأرض اهتزت. سقطت حجارة، أصيب ريو في كتفه، وسقط رين. أمسك آزر به.

— صرخ ريو:

— اتركه!

— ماذا؟

— إذا انهار المكان، لن يخرج أحد.

نظر آزر إلى رين، ثم إلى الطريق، قال ريو:

— اختر.

لم يجب آزر، أمسك رين بكلتا يديه، حاول رفعه، فشل، حاول مرة أخرى، ثم بدأ جرح ذراعه ينفتح، وسالت الدماء. قالت نيرة:

— آزر، توقف!

لم يتوقف، رفع رين، كانت ساقاه ترتجفان، وقال:

— إن لم أستطع حمله… فسأحاول حتى أستطيع.

نظر كايو إليه، ثم اقترب، وضع يده تحت رين.

— إذن لن تحمله وحدك.

أمسكاه معًا، تحركوا، وخرجوا من الصدع قبل أن ينهار، سقط كايو على الأرض ورين بين ذراعيه. نيرة جلست تبكي دون أن تشعر. أما آزر فظل واقفًا ينظر إلى الجبل، كان يتنفس بصعوبة، يده تنزف، وكتفه يؤلمه، لكن عقله كان في مكان آخر. قال ريو:

— ماذا تفكر؟

— عندما قال الشيء… «ليسوا الأربعة».

صمت ريو، قال آزر:

— كنا خمسة، لكنه قال أربعة.

كايو اقترب.

— ماذا يعني ذلك؟

— ربما لم يكن يعدنا جميعًا.

نظر آزر إليه.

— لماذا؟

توقف ريو، ثم قال:

— لأنني ربما لم أكن واحدًا منهم.

ساد الصمت، كانت تلك أول مرة يقول فيها ريو شيئًا يشبه الإجابة. لكنها لم تكن إجابة، كانت مجرد احتمال. ومع ذلك… كان كافيًا ليغير كل شيء.

في طريق العودة، كان رين يمشي مستندًا إلى كايو. بعد وقت طويل، قال:

— آزر.

— ماذا؟

— عندما ظننت أنني مت… هل حزنت؟

صمت آزر، نظر إلى الطريق أمامه، ولم يجد في نفسه رغبة في الكذب.

— نعم.

كانت الكلمة بسيطة، لكنها خرجت بصعوبة. ابتسم رين.

— كنت أعرف.

— كيف؟

— لأنك عدت.

لم يجب آزر، لكن شيئًا في داخله تحرك، ولم يعد يرى البشر كما كان يراهم من قبل. ليسوا مجرد أجساد تمضي نحو الموت، وليسوا مجرد أدوات. كل إنسان يحمل شيئًا لا يمكن استبداله بسهولة، ذكرى، خوفًا، رغبة، وعدًا، وربما… سببًا يجعل شخصًا آخر يعود من أجل إنقاذه. لكن هذا لم يجعله يتراجع عن فكره، على العكس، جعله يفهمه بصورة أعمق. إذا كانت الحياة قصيرة إلى هذا الحد، فلماذا أترك حياتي تُقاد بما يريده الآخرون؟ ولماذا أسمح للخوف على شخص آخر أن يمنعني من الوصول إلى الحقيقة؟ أخفض رأسه، وكان يعرف شيئًا واحدًا الآن. لن يطلب من الآخرين أن يدفعوا ثمن طريقه قبل أن يدفعه هو بنفسه. لكن إذا جاء يوم واضطر فيه إلى الاختيار… فلن يهرب، حتى لو كلفه ذلك شيئًا سيكرهه.

عندما عادوا إلى الطائفة، كان الشيخ مو ينتظر. نظر أولًا إلى رين، ثم إلى الجروح، ثم إلى ريو، وأخيرًا إلى آزر. قال:

— هل رأيتم شيئًا؟

صمت ريو، لكن آزر أجاب:

— نعم.

تغيرت عين الشيخ قليلًا.

— ماذا؟

— بابًا.

لم يتحرك الشيخ.

— أين؟

— لم أره.

— من رآه؟

نظر آزر إلى رين، ثم إلى الشيخ.

— رين.

تغير وجه الشيخ هذه المرة فعلًا، كانت لحظة قصيرة، ولكن آزر لاحظها. قال الشيخ:

— خذوا رين إلى المعالجين، وأنت معي.

تحرك ريو، لكن قبل أن يذهب، نظر إلى آزر، نظرة قصيرة. ولم يفهم آزر معناها.

في الليل، عاد آزر إلى غرفته، ثم أخرج الحجر. كان ساكنًا ولم تظهر أي كتابة. لكنه عندما قلبه… لاحظ شيئًا. الحرف المحفور على ظهره لم يعد وحده، كان هناك أثر ثانٍ تحته، نصف دائرة صغيرة. مطابقة تقريبًا للنصف الموجود على ختم ريو. مرر أصبعه فوقها، ثم توقف.

في الجهة الأخرى من الطائفة، كان كايو مستلقيًا. وفجأة… فتح عينيه. لم يسمع طرقة.. هذه المرة سمع اسمه من مكان قريب جدًا، ثم اقترب من النافذة،لا أحد، وجاء الصوت مرة أخرى.

— كايو…

لكنه لم يكن صوت أمه، ولا صوت رين، ولا صوت أي شخص يعرفه.. كان صوتًا أقدم، وأبطأ. وكأنه لم يستخدم لسنوات طويلة، قال كايو:

— من أنت؟

لم يأته جواب، فقط ثلاث طرقات، ثم صوت واحد:

— افتح .

وفي الغرفة الأخرى… رفع آزر رأسه في اللحظة نفسها، كان الحجر في يده قد أصبح دافئًا. وعلى سطحه، فوق نصف الدائرة القديمة، بدأ خط أبيض رفيع يمتد ببطء، هذه المرة لم يتوقف في المنتصف. استمر، حتى كاد أن يغلق الدائرة. وكان الشيء الوحيد الذي منعه من الاكتمال… جزء صغير مفقود. كأن الدائرة نفسها… كانت تنتظر شخصًا ليكملها.