ظهر خط أبيض دقيق على سطح الدائرة… وقطعها. لم يكن الخط جزءًا من الحجر، لم يخرج من داخله، ولم يُنقش عليه. بدا كأنه مر فوق الدائرة للحظة، مثل خيط من ضوء شق سطحها ثم استقر. ثبت الشيخ مو في مكانه، أما هان فمد يده غريزيًا نحو السيف المعلق عند خصره. لم يصدر أي صوت، ثم اختفى، وعادت الدائرة كما كانت. مرّت بضع لحظات، وقال هان:
— هل فُتح؟
لم يجبه الشيخ، اقترب من الباب، وضع كفه فوق الدائرة، وأغمض عينيه. بقي هكذا لثوانٍ، ثم سحب يده.
— لا.
نظر هان إليه.
— لكن شيئًا تحرك.
— ماذا؟
رفع الشيخ عينيه نحو الممر المظلم.
— لم يكن الباب، كان ما وراءه.
في صباح اليوم التالي، لم يسمح هان لأي تلميذ بدخول الجبل الشرقي. أُغلق الطريق، وضُربت صفائح حديدية صغيرة على الأعمدة الخشبية عند المدخل، ووقف عندها أربعة من حراس الطائفة. لم يفهم التلاميذ السبب، حتى الشائعات لم تتأخر. بعضهم قال إن وحشًا ظهر، وآخر قال إن مجموعة اختفت، وثالث أقسم أن أحد الشيوخ رأى شبحًا داخل الجبل… أما آزر فلم يهتم بالشائعات. كان يهتم بشيء واحد، مجموعة لم تعد، ثلاثة تلاميذ دخلوا الجبل، ولم يرجعوا مع البقية. كان يعرف ذلك بسبب الطريقة التي تغير بها وجه هان عندما سأل المسؤول عن الأسماء.
في الظهيرة، استدعى هان، آزر ،كايو ،نيرة، ورين. وجدوه في مبنى التدريب، كان الشيخ مو هناك أيضًا. وريو يقف قرب النافذة، كعادته، وكأن وجوده في المكان لا يحتاج إلى تفسير. قال هان:
— المجموعة التي لم تعد لا تزال في الداخل.
— وسندخل لنبحث عنهم؟
— نعم.
رفعت نيرة حاجبها.
— لكنك أغلقت الجبل.
— أغلقت الطريق أمام التلاميذ.
ثم نظر إلى ريو.
— أنتم لن تدخلوا وحدكم.
— وأنا لست من الطائفة.
— أعرف.
— إذن لماذا أنا هنا؟
قال هان:
— لأن الختم الذي معك سمح لك بالدخول إلى أماكن لا يُسمح لغيرك بها.
ساد الصمت، وكانت هذه أول مرة يتحدث فيها أحد أمام آزر عن ختم ريو بهذه الصراحة. نظر آزر إلى ريو، ولم يفُتْه أن أصابع الرجل شدّت على طرف ردائه للحظة. قال ريو:
— لم أتوقع أنك ستقولها بهذه السهولة.
— لم أقل شيئًا عنه، فقط قلت إن الختم يفتح الأبواب.
نظر ريو إليه طويلًا، ثم ابتسم.
— فرق جميل.
خرجوا بعد دقائق. وقبل البوابة، أعطاهم هان ساعة رملية صغيرة.
— ستدخلون مع ريو.
ثم نظر إلى آزر.
— لا تتجاوزوا العلامات.
— وماذا لو وجدنا التلاميذ؟
— أعيدوهم.
— وإذا وجدنا شيئًا آخر؟
نظر هان إلى كايو، ثم إلى آزر.
— لا تلمسوه.
لم يكن التحذير هذه المرة عاديًا. قال ريو:
— وإذا بدأ الشيء بالتحرك؟
أجاب الشيخ مو:
— ابتعدوا، ولا تنظروا خلفكم إن سمعتم أحدًا يناديكم من داخل الجبل.
رفع كايو رأسه.
— لماذا؟
لم يجب الشيخ، فتح البوابة، ودخلوا.
كان الجو في الجبل مختلفًا عن الأمس، لا أصوات طيور، ولا حفيف أوراق، وحتى الريح بدت أبطأ. قال رين:
— هل تلاحظون هذا؟
— نعم.
أما ريو فلم يقل شيئًا، كان ينظر إلى الأرض. قال آزر:
— آثار؟
— ليست لنا.
تبع آزر نظره، كانت هناك آثار أقدام. أربعة أزواج، وخامس أطول قليلًا، توقف عند صخرة، واختفى. لم يتحدث أحد، واصلوا السير.
بعد فترة قصيرة، وجدوا أول تلميذ. كان جالسًا عند جذع شجرة، ورأسه منخفض. اقترب كايو.
— هل أنت بخير؟
رفع الشاب رأسه، كان وجهه شاحبًا، وهناك جرح طويل يمتد من حاجبه حتى خده. قال بصعوبة:
— لا تقترب.
توقف كايو.
— أين الآخرون؟
أشار الشاب إلى الخلف.
— هناك.
— ماذا حدث؟
ظل الرجل صامتًا، ثم قال:
— سمعناهم.
— من؟
ابتلع ريقه.
— كانوا ينادوننا.
اقترب آزر قليلًا.
— من؟
نظر إليه الشاب، كانت عيناه ترتجف.
— أصواتنا.
ساد الصمت، قال كايو:
— ماذا؟
— سمعنا أصواتنا من داخل الجبل.
ضحك كايو ضحكة قصيرة غير مرتاحة.
— هذا ليس مضحكًا.
— لم أكن أمزح.
وجدوا الثاني على بعد عشرات الأمتار، كان مستندًا إلى صخرة، وكتفه ينزف. أما الثالث فلم يجدوه. قال ريو:
— أين ذهب؟
أشار الشاب الجريح إلى ممر جانبي.
— ذهب خلف الصوت.
— أي صوت؟
— صوت أمه.
توقفت نيرة، نظر كايو إلى الأرض، ولم يقل شيئًا. تقدم ريو.
— منذ متى؟
— لا أعرف، ربما ساعات.
— لقد أُصبت.
ضحك الشاب بمرارة.
— لاحظت.
اقتربت نيرة لتفحص الجرح، قالت:
— هذا ليس جرحًا من وحش.
— أعرف.
— ما الذي فعل بك هذا؟
نظر الرجل إلى الممر.
— شيء لم أره.
كلما تقدموا، أصبحت الأشجار أقل. ثم وجدوا أنفسهم أمام مساحة من الصخور السوداء، وفي المنتصف… كان هناك حجر، أسود، وأملس، توقفت خطوات ريو، وتوقف آزر أيضًا، لم يعرف لماذا، لكنه عرف الحجر. ليس هذا الحجر نفسه الذي وجدوه في القرية، لكن شكله… سطحه… حتى طريقة تجنب الجذور له… كانت مألوفة، تقدم ريو خطوة. أمسك آزر بذراعه.
— لا.
نظر إليه ريو.
— لماذا؟
— لأنني أعرف هذا.
ثبت آزر عينيه على الحجر، كانت على سطحه دائرة، ونقص منها جزء. قال كايو:
— آزر…
لكن آزر لم يسمعه. كان يتذكر، الشجرة، الحجر المدفون، النقوش، والجذور التي كانت تنحرف عنه. شيء واحد تغير، هذا الحجر… لم يكن مدفونًا، بل كان قائمًا، وكأن الجبل نفسه هو الذي وضعه هناك. قال ريو:
— لا تلمسه.
رفع آزر عينيه إليه.
— لماذا؟
لم يجب، كان صمته هذه المرة مختلفًا. ليس خوفًا، بل معرفة.
خرج صوت من خلفهم.
— آزر…
استدار الجميع. كان صوت رين، لكن رين كان واقفًا أمامهم، ولم يتحرك. تغير وجه كايو.
— لا أحد يتحرك.
جاء الصوت مرة أخرى، هذه المرة من بين الصخور.
— آزر…
كان نفس الصوت، نفس النبرة، حتى طريقة نطق اسمه. قال رين:
— هذا ليس صوتي.
ثم جاء صوت ثالث.
— كايو…
تجمد كايو، كان صوت امرأة، صوت دافئ قريب. تغير وجهه فورًا، خفض رأسه، وقال بصوت خافت:
— أمي.
أمسكت نيرة بذراعه.
— كايو.
لم يجب، جاء الصوت مرة أخرى.
— كايو…
رفع رأسه، وتقدّم خطوة. أمسكه ريو من كتفه.
— لا.
— إنها أمي!
— ليست هي.
— كيف تعرف؟
نظر إليه ريو.
— لأن الأحياء لا يعيدون صوتهم بهذه الطريقة.
صمت كايو، ارتجفت شفتاه. ثم قال:
— لا تعرف شيئًا عنها.
— صحيح، ولهذا عليك ألا تتبع الصوت.
لم يتحرك كايو، للحظات طويلة… لم يسمع أحد شيئًا. ثم، طرق
رفع كايو رأسه.
— هذه ليست من الخارج.
جاءت الثانية، أغمض عينيه.
— إنها خلف الحجر.
الثالثة، فتح عينيه.
— وهناك شيء آخر، الطرقة… ليست من الشيء الذي خلف الحجر، وكأنها تأتي من أعمق منه.
اهتز الحجر، وتراجع الجميع. ظهرت شقوق دقيقة على سطحه، ثم خرجت منه دفعة هواء باردة، وانطفأت الشعلات. قال ريو:
— تراجعوا!
لكن الأرض انكسرت تحت قدم رين، صرخت نيرة، أمسك آزر بيده، وانزلقت أظافر رين فوق الصخر.
— لا تتركني!
مد آزر يده الأخرى، تمسك به كايو. لكن الأرض واصلت الانهيار، سقطت نيرة على ركبتيها، وانفجر جزء من الصخر، وانهار الثلاثة تقريبًا. صرخ ريو:
— اتركوا الحافة!
— ماذا؟
— اتركوها!
ترددت نيرة، لكن آزر فهم. إن بقوا، سينهار الجزء بأكمله. سحب يده، وسقط رين، لكن بدلًا من أن يهوي إلى الأسفل، أمسكته يد من الظلام. تجمد آزر، لم تكن يد إنسان، كانت طويلة، نحيلة، وأصابعها أطول من الطبيعي. ثم سُحب رين إلى الأسفل، صرخت نيرة، وقفزت نحوه. أمسكها آزر من خصرها، لكنها أفلتت. سقطت يدها، وأمسكت حافة الصدع. صرخت:
— رين!
كان الظلام تحتها مطبقًا، ثم ظهر وجه ليس واضحًا، مجرد شيء أبيض بين السواد. نظر إليهم، ثم اختفى. بدأت نيرة تنزلق، أمسك آزر معصمها بكل قوته، وشعر بالألم الشديد في كتفه.
— لا تتركني!
— لن أفعل.
صرخ كايو:
— أنا أمسكك!
أمسك كايو آزر، وريو أمسك كايو، وصاروا سلسلة من أربعة. لكن الصخر تحت أقدام ريو بدأ يتشقق. قال ريو:
— لن نصل إلى هنا كلنا، إما أن نصعد الآن… أو نسقط جميعًا.
نظر آزر إلى رين في الأسفل، ثم إلى نيرة، وأخيرا إلى الصدع، كان هناك خياران فقط. أن يظل ممسكًا بها، أو أن يفلت، لم يفكر طويلًا. قال:
— لن أتركها.
— إذن اصعد أنت.
— ماذا؟
سحب ريو يده من كايو، ثم أمسك حافة الصخر بيده المصابة. ثبت نفسه، وقال:
— اصعد.
بدأ كايو بالصعود، ثم آزر، ثم سحب نيرة، وحين وصل الثلاثة إلى الأعلى… صدر صوت. سقط شيء من يد ريو، قطعة معدنية. الختم ارتطم بالأرض. حدق آزر فيه، ظهر على سطحه نفس الخط. اذا كان رأه هان والشيخ مو فسيتعرفان عليه: الخط الذي قطع الدائرة. رفع ريو رأسه، للمرة الأولى منذ عرفه آزر… بدا عليه الغضب.
— لا تلمسه.
تجمد آزر، كانت تلك أول مرة يسمع فيها ريو يستخدم تلك النبرة. نظر إلى الختم، ثم إلى الحجر الأسود، ثم إلى ريو، وبدأ شيء يتشكل في ذهنه. الختم، الدائرة، الحجر، والأبواب التي لا ينبغي لأحد أن يعرف عنها. لكن قبل أن يسأل، جاءت الطرقة الرابعة. طرق. هذه المرة لم يسمعها كايو وحده، سمعها الجميع. وانفتح الشق في الحجر الأسود، ليس إلى الداخل، بل إلى الخارج. خرج منه ضوء أبيض رفيع، ثم ظهر على سطح الحجر شيء لم يكن موجودًا من قبل. علامة صغيرة، تشبه نصف دائرة… وفي منتصفها خط. نظر آزر إليها، ثم إلى الحجر في جيبه، ولم يحتج إلى إخراجه، كان يعرف. الخط الذي ظهر على حجره… يطابق هذا تمامًا. قال ريو:
— اخرجوا.
لم يسأله أحد، ركضوا، لكن آزر توقف للحظة، نظر إلى الحجر الأسود، ثم إلى الصدع، وفي العمق، سمع صوتًا. صوتًا خافتًا جدًا، وكأنه شخص يهمس من خلف جدار.
— ليسوا… الأربعة
رفع آزر رأسه، لكن ريو أمسكه من ذراعه.
— آزر!
خرجوا، وعندما ابتعدوا عن المكان، انهار جزء من الجبل خلفهم، ارتفع الغبار، سقط كايو على ركبتيه، كان يتنفس بصعوبة، أما نيرة فجلست تبكي، لم يخرج رين، قال كايو بصوت متعب:
— هل… خرجنا؟
ابتسم ريو.
— للأسف.
ثم انحنى كايو، ووضع يده على صدره. سأله آزر:
— ماذا سمعت؟
ظل صامتًا قليلا، ثم قال:
لا أعرف، عندما كنت في القرية… كنت أسمع الطرقات. كنت أظن أنني الوحيد الذي يسمعها، لكن الآن… الآن أشعر أن الطرقات كانت تسمعني أنا.
لم يعلق أحد. أما آزر… فنظر إلى يده، كان الدم على أصابعه. دم رين، ودم نيرة، ودمه، ولم يخطر بباله سوي سؤال واحد: اذا مات رين، فهل سأكون انا السبب؟ رفع عينيه نحو الجبل، ولم يجد جوابًا، لكن شيئًا في داخله كان يتغير، شيء بارد، هادئ، ولا يريد التراجع.
في المساء، وقف ريو وحده أمام بوابة الطائفة. كان الشيخ مو ينتظره. قال الشيخ:
— هل فُتح؟
— لا.
— إذن ماذا حدث؟
نظر ريو إلى يده، كان الختم غير موجود. ثم قال:
— الخط ظهر.
تغير وجه الشيخ.
— من خلاله؟
صمت ريو، ثم قال:
— الفتى.
رفع الشيخ عينيه.
— آزر؟
لم يجب ريو، قال الشيخ:
— إذن وصل الأمر إليه.
نظر ريو نحو الجبل.
— لم يصل، هو الذي بدأ يقترب.
وفي غرفة آزر، بعد منتصف الليل… كان الحجر الرمادي فوق الأرض، ساكنًا. أخرج آزر قطعة قماش ومسح الدم عن يديه، ثم مد إصبعه نحو الحجر، وهذه المرة لم يكن يريد معرفة سره. كان يريد فقط أن يتأكد من شيء، وضع المدد على سطحه. ظهر الخط مستقيمًا، ثم بدأ يتحرك ببطء… حتى وصل إلى طرف الدائرة الناقصة. توقف. وفي اللحظة التي تلامس فيها الخط مع النهاية… جاءت طرقة، وكانت من داخل الحجر، واحدة، ثم الثانية، ثم الثالثة. فتح آزر عينيه، لم تأت الرابعة. ظل ينتظر، مرت دقيقة، ثم أخري، لكن شيئًا لم يحدث. وعندما كاد أن يضع الحجر جانبًا… سمع صوتًا خافتًا جدًا. ليس طرقة، ولا همسًا، بل صوتًا يشبه احتكاك حجرين. ثم ظهرت كلمة واحدة على سطح الحجر. كانت بالكاد يمكن رؤيتها: يو… اختفت. ظل آزر ينظر إليها، لم يعرف الكلمة كاملة. لكنه بطريقة ما شعر فجأه….بالحزن