في صباح اليوم التالي، استيقظ آزر قبل أن يطرق جرس الساحة. لم يكن الألم قد غادر جسده. حاول أن يمد يده إلى إبريق الماء، فشعر بوخزٍ حاد في أصابعه، فتوقف للحظة ونظر إليه وكانت آثار الضرب لا تزال واضحة. ازرَّق جانب كفه، وانتفخ مفصلان من أصابعه، وعلى فكه أثرٌ داكن لم يكن موجودًا قبل يومين. أعاد يده إلى مكانها، ثم مدها مرة أخرى. هذه المرة التقط الإبريق، وشرب. لم يكن يريد أن يعرف أحد بأنه يتألم، ولم يكن متأكدًا من السبب. ربما لأن الاعتراف بالألم لم يكن ليغير شيئًا، أو ربما لأنه لم يعد يحب الشعور بأن شيئًا ما يستطيع أن يمنعه من فعل ما يريد.
جلس على حافة سريره، وأسند ظهره إلى الحائط، ثم أغمض عينيه. استدعى المدد، وكان الأمر مختلفًا عن الأيام الماضية. لم يعد يبحث عنه في الظلام لقد عرف مكانه الآن. خيط باهت يتحرك داخل جسده، وحين حاول جذبه، اندفع قليلًا ثم ارتجف. أوقفه، و حاول مرة أخرى. تحرك المدد.. وهذه المرة ظل بين أصابعه ثلاث أنفاس كاملة ثم انقطع فتح آزر عينيه، ونظر إلى يده. لم يكن الأمر سهلًا.. ففي الأيام الماضية كان ينجح مرة من عشرات المحاولات، وحتى عندما نجح لم يكن يعرف كيف يفعل ذلك. أما الآن فقد أصبح يعرف الطريق. لكن معرفته بالطريق لم تجعل السير فيه أسهل.
رفع يده مرة أخرة وحاول ظهر الخيط وظل يتحرك مع أنفاسه ثبت، ثم مال قليلًا نحو أصابعه حافظ عليه، ثلاث ثوانٍ، خمس، عشر، وبدأ الألم ينتشر خلف عينيه. أرخى يده… اختفى المدد، وشرع يتنفس ببطء. لم يكن هناك شعور بالنصر. فقط إحساس بسيط بأنه لم يعد يقف أمام بابٍ مغلق تمامًا.
عندما وصل آزر إلى الساحة، كان معظم التلاميذ قد تجمعوا. لكن المكان لم يكن كما اعتادوه، الحواجز الخشبية أزيلت، أحجار التدريب نُقلت إلى الأطراف، وفي وسط الساحة وُضع حجر أسود كبير، مستدير الحواف، تتوسطه دائرة غائرة تشبه عينًا مغلقة. على بعد خطوات منه امتد صف من الأعمدة الخشبية. وفي الجهة الأخرى كان هناك سور منخفض يفصل الساحة عن طريق جبلي ضيق. نظر كايو إلى المكان ثم قال:
— هذا ليس اختبارًا، هذا يبدو كشيء يخيف الناس قبل أن يبدأ.
كان يمسك ذراعه المصابة ويعبس. قالت نيرة :
— أنت خائف؟
— أنا؟ لا، لكنني لا أثق بهذا الحجر.
— أنت لا تثق بشيء.
— هذا لأن الأشياء تحاول دائمًا أن تؤذينا.
ابتسمت نيرة.
— أخيرًا قلت شيئًا عاقلًا.
كان آزر يستمع إليهما بصمت، ثم لمح شخصًا يقف بعيدًا عن بقية التلاميذ. ريو، وكان جالسًا على مقعد حجري بالقرب من سور الساحة، وذراعه ملفوفة بقطعة قماش سميكة تحت ردائه. لم يكن ضمن صف التلاميذ. وكأن مكانه هنا، لكنه ليس جزءًا من هذا المكان تمامًا. .اقترب رين منه قليلًا
— هل لن تدخل؟
رفع ريو عينيه.
— لا.
— لماذا؟
— لأني لست تلميذًا أنا فقط ضيف.
قالها ببساطة، تذكر آزر الكلمات التي سمعها من قبل. كان وجود ريو مختلفًا منذ البداية. ليس كالتلاميذ الأربعة، ولا كالشيوخ، بل شيء بين الاثنين. قال كايو:
— وما فائدتك كضيف؟
نظر إليه ريو.
— النوم دون أن يوقظني أحد.
ضحك كايو، وحتى رين لم يستطع منع ابتسامة صغيرة. أما نيرة فقالت:
— يبدو أنك وجدت أفضل مرتبة في الطائفة.
هز ريو كتفه:
— هذا سبب بقائي.
نظر آزر إليه قليلًا. لم يصدق أن هذا هو السبب. لكنه لم يسأل.
صعد هان إلى المنصة. وقف إلى جواره رجل آخر لم يره آزر من قبل. كان أكبر سنًا من هان، نحيل الوجه، بشعر أبيض مربوط خلف رأسه. لم يكن يرتدي ثوب التلاميذ أو المدربين، وعندما مر التلاميذ أمامه، انخفضت أصواتهم تلقائيًا. قال هان:
— هذا الشيخ مو، وهو أحد شيوخ الجبل الخارجي، وسيتولى الإشراف على اختباركم.
ظل الشيخ مو صامتًا. نظر إلى الساحة، ثم قال:
قبل أن يبدأ الاختبار، هناك شيء عليكم فهمه. أنتم تلاميذ خارجيون. وذلك يعني أن أغلبكم لن يصل إلى حيث تريدون الوصول.
بدأ بعض التلاميذ يتبادلون النظرات. أكمل الشيخ:
الزراعة ليست مجرد سحب المدد إلى الجسد. كل مرحلة بعدها تحتاج إلى شيء مختلف. وبعضكم سيكتشف أن موهبته لا تكفي، وبعضكم سيكتشف أن عزيمته لا تكفي أيضًا.
رفع إصبعه.
وفي هذه الطائفة، ستسمعون عن خمس رتب أكثر من غيرها. **الأولي: **اليقظة**، الثانية: **التكوين**، الثالثة: **البحر**، الرابعة: **النقش**، والخامسة: **المجال**
قال أحد التلاميذ بحماس:
— ما رتبة زعيم الطائفة؟
نظر إليه الشيخ مو.
— المجال .
ساد همس خافت، وقال آخر:
— يعني أن زعيم الطائفة هو الأقوى؟
صمت الشيخ.
سأل آزر:
— هل هذه هي حدود الزراعة ؟
نظر إليه الشيخ مو، ثم تنهد وقال:
لم أسمع عن أحد من قبل تخطي المرتبة الخامسة، وأيضا أنت لا تملك المؤهلات لتسأل هذا السؤال.
ضحك بعض التلاميذ ونظروا إلى آزر بسخرية.
رفع هان يده، فعاد الصمت قال الشيخ مو:
لا تظنوا أن الوصول إلى رتبة أعلى يعني ببساطة أن المدد يصبح أكثر. كل انتقال بين رتبتين يغير طريقة استخدام المدد نفسه. واليوم سنرى من يستطيع أن يبدأ.
ثم نزل من المنصة.
بدأ الاختبار بالحجر الأسود. لم يقترب التلاميذ منه دفعة واحدة. كان كل واحد يقف أمامه، يضع كفه على سطحه، ثم ينتظر. ظهر أول تلميذ، أغمض عينيه، ومر وقت قصير. اشتعل خط أبيض داخل الدائرة، خط واحد. قال الشيخ مو
— بدأ اليقظة، أساس ضعيف.
ابتعد التلميذ، لم يفهم آزر معنى الكلمات كلها. لكنه فهم شيئًا واحدًا. الدائرة كانت تستجيب للمدد. تقدم الثاني، ثم الثالث، تفاوتت النتائج، بعضهم أظهر خطًا واحدًا، وآخرون خطين. أحد التلاميذ أظهر أربعة خطوط، ابتسم الشيخ مو ، ثم قال:
— بدأ اليقظة، أساس ممتاز
ضجت الساحة بإعجاب واضح. ابتسم الشاب بثقة وهو يعود إلى مكانه. قال كايو:
— الآن سيقضي بقية اليوم يخبر الجميع بأنه عبقري.
— وأنت لو أظهرت خطين فقط، ستخبرهم أسبوعًا كاملًا.
— خطّان؟ سأخبرهم شهرًا.
ضحكت نيرة. ثم جاء دورها، وضعت كفها، وأغمضت عينيها. ظهرت ثلاثة خطوط واضحة، ثم استقرت. قال الشيخ مو:
— بدأ اليقظة، أساس جيد.
عادت نيرة إلى مكانها. قال كايو فورًا:
— كنت أعرف.
— ماذا كنت تعرف؟
— أنك ستفعلين شيئًا جيدًا.
— أنت تكذب.
— نعم.
ابتسمت نيرة. ثم جاء دور رين. أظهر خطين فقط، ولم ينزعج.
— أفضل مما توقعت.
أما كايو، فعندما وضع يده، ظهر خط واحد واهتز طويلًا قبل أن يستقر. لم يضحك أحد. لكن كايو نفسه أطلق زفيرًا.
— كنت أتوقع أكثر.
قال هان:
— النتيجة لا تحدد ما ستصبح عليه.
— أعرف.
لكن وجهه لم يكن مقتنعًا تمامًا.
— ثم
— آزر.
رفع رأسه، واقترب، شعر بأن عيون الساحة كلها انتقلت إليه. لم يكن الاهتمام نفسه الذي حظي به التلاميذ الموهوبون. كان شيئًا مختلفًا، فضول بعضهم يعرفه بسبب الحادثه، وبعضهم يعرف أنه كان قبل أيام غير قادر على استدعاء المدد. وضع كفه على الحجر.. كان باردًا. أغمض عينيه، ولم يحاول التفكير في النتيجة. فقط استدعى المدد. ظهر الخيط، كان ضعيفًا. لكن هذه المرة لم يتركه يتحرك وحده. تذكر الساعات الطويلة، المحاولات التي فشلت، والمدد الذي ظهر للحظة ثم اختفى. إلى أن عرف كيف يمسكه. تحرك الخيط، حتى ثبت في راحة يده، ثم انتقل إلى الحجر. ظل المكان صامتًا، ولم يظهر أي خط. مرّت ثانية، ثم أخرى. وبدأ بعض التلاميذ يبتسمون. ثم ظهر خط أبيض، واحد لم يختفِ. قال الشيخ مو:
— بدأ اليقظة أساس ضعيف.
خرج صوت متقطع من أحد الجوانب
— أهذا كل شيء؟
كان احد التلاميذ الذين تنمرو عليه قبل يوم. ولم يرد عليه أحد، فتح آزر عينيه. ظل الخط الأبيض مضيئًا، ولم يشعر بالفرح، كان هناك شيء آخر يشغله. المرة الأولى كان المدد يظهر صدفة، أما الآن… فهو من جعله يتحرك. نظر إلى كفه، ولم يعد الأمر مصادفة، هذه كانت أول خطوة حقيقية. ابتعد عن الحجر، وللمرة الأولى منذ ترك القرية، شعر أنه بدأ بالفعل يدخل الطريق الذي كان يبحث عنه.
انتهت المرحلة الأولى سريعًا. لكن الشيخ مو لم يسمح لأحد بالاحتفال. أشار إلى الأعمدة الخشبية.
المرحلة الثانية، هنا لن نهتم بالأساس. ستعبرون من هنا إلى الطرف الآخر، وفي كل خطوة ستزداد قوة الضغط، وإذا لم تستطيعوا… ستسقطون. وهذا هو الهدف.
بدأ أول تلميذ. الخطوة الأولى كانت سهلة، والثانية كذلك. عند الثالثة تباطأت حركته، والرابعة بدأ يتعرق. الخامسة ارتجفت ركبتاه، ثم سقط. قال هان:
— التالي.
بدأ آخر، ثم آخر،بعضهم وصل إلى المنتصف، وبعضهم سقط في أول ثلاث خطوات. لم يكن الأمر متعلقًا بمن يملك أكبر قدر من المدد فقط. آزر راقب كل شخص، من يسرع يتعب، ومن يقاوم بعناد يفقد السيطرة. ومن يعرف متى يخفف المدد يستطيع أن يواصل. حين جاء دوره، وضع قدمه داخل الممر. في اللحظة الأولى شعر بثقل بسيط على كتفيه. الخطوة الثانية جعلت أنفاسه أثقل، والثالثة ضغطت على ساقيه. أما الرابعة جعلت إصابته في جانبه تؤلمه، توقف، وكان الألم واضحًا. لكنه لم يتراجع، استدعى المدد وحرّكه نحو ساقيه. وجد أنه لا يكفي، خفف استخدامه. خطا، ثم خطوة أخرى. وفي منتصف الممر أدرك شيئًا. لم يكن الاختبار يقيس القوة وحدها. بل يقيس مقدار ما يستطيع الشخص التحكم فيه دون أن يهدره. أستمر بعناد حتى وصل إلى النهاية، وكان أخر من وصل. عندما خرج لم يصفق أحد. كان ذلك اختبارًا للطائفة، لا احتفالًا لكن كايو كان ينتظره.
— رأيتك! توقفت في المنتصف.
— وأكملت.
— أبتسم كايو، وشجعه
حين انتهت المرحلة الثانية، قال هان:
— المرحلة الأخيرة ستحدد الترتيب.
تغيرت ملامح التلاميذ. أشار إلى ساحة دائرية في الجهة الأخرى. دخل أول اثنين، كانا متقاربين في المستوى. لم يسمح لهم باستخدام أسلحة حقيقية. فقط المدد والجسد، وبدأ القتال. كان آزر يتابع، لم تكن المعركة جميلة. كانت سريعة وفوضوية، ضربة، تراجع، قدم تنزلق، ثم ضربة أخرى. فاز أحدهما بعد أن أسقط الآخر. قال الشيخ مو:
— الفائز يتقدم.
توالت المواجهات، وعندما جاء دور كايو، نهض فورًا. دخل الساحة، وكان خصمه أضخم منه قليلًا. تبادل الاثنان الضربات، وتلقى كايو لكمة قوية في وجهه. ترنح، لكن عندما هجم خصمه مرة أخرى، لم يتراجع. ثبت قدميه، ثم أمسك ذراع خصمه، وسحب جسده كله معه. سقط الاثنان، ثم وقف كايو بسرعة، وبدأ ينهال عليه بالضربات. حاول خصمه الدفاع عن وجهه، ولكن قام كايو بعض يده، صرخ بشدة، ضحك كايو بقسوة وأستمر بضربه حتي اصبح وجهه مشوها.
ثم صاح:
— قلت لك!
لم يعرف أحد ما الذي قصده، لكن خصمه لم يعد قادرًا على النهوض. عاد كايو إلى مكانه ووجهه مليء بالدماء. قالت نيرة:
— أنت مجنون.
— فزت.
— وهذه إجابة؟
— نعم.
ثم نظر إلى آزر.
— أليس كذلك؟
نظر آزر إليه.
— نعم.
حين انتهت المواجهات، لم يبقَ سوى عدد قليل من التلاميذ في الساحة. لكن الشيخ مو لم ينادِ آزر. بل نادى ريو. رفع ريو رأسه.
— أنا؟
— نعم.
تبادل هان والشيخ مو نظرة قصيرة. نهض ريو ببطء. وقال كايو:
— لكنه ليس تلميذًا.
أجاب الشيخ مو:
— أعرف.
اتجه ريو نحو الحجر الأسود، وقف أمامه، ونظر إليه. ثم وضع كفه. لم يحدث شيء لثوانٍ. ثم أضاءت الدائرة. ظهر خط، ثم ثانٍ، ثم ثالث، ثم رابع، ثم خامس. أستمرت حتي توقفت عند الثامن تغير وجه بعض الشيوخ الواقفين في أطراف الساحة. قال الشيخ مو بهدوء:
— البحر .
قال أحد التلاميذ بصوت مرتفع :
— الرتبة الثالثة!
التفت إليه هان.
— اخفض صوتك.
أما ريو فسحب يده، كان وجهه هادئًا. لكن آزر لاحظ شيئًا آخر، الخطوط لم تكن مستقرة تمامًا. كانت ترتجف كما لو أن شيئًا في داخله يمنع المدد من الوصول إلى كامل قوته. قال الشيخ مو:
— إصابتك أسوأ مما توقعت.
رفع ريو عينيه إليه.
— لا أعتقد أنني سأشكرك على الملاحظة.
— لم أمدحك.
— وهذا أفضل.
صمت الشيخ قليلًا، ثم قال:
— على حالتك الحالية، لا تحاول تجاوز البحر.
ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه ريو.
— لم أكن أنوي ذلك.
ابتعد، ولم يقل أكثر. لكن آزر ظل ينظر إليه. الرتبة الثالثة البحر، إذن كان ريو أقوى بكثير من كل تلميذ رآه آزر هنا. ومع ذلك… لم يكن مرتاحًا. كانت هناك إصابة لا يستطيع آزر فهمها، شيء جعل المدد داخل جسده غير مستقر. وسؤال آخر ظهر في ذهنه: إذا كانت الإصابة تستطيع أن تُسقط مزارعًا من مستوى إلى آخر… فإلى أي مدى يمكن أن تسقط الإنسان؟
انتهى الاختبار قبل غروب الشمس. أُعلنت النتائج، كان أحد التلاميذ في المركز الأول، ونيرة ضمن المراكز المتقدمة. رين في الوسط، وكايو جاء أفضل مما توقع الكثيرون. أما آزر فكان ترتيبه منخفضًا. لكنه لم يهتم كثيرًا، فهو لم يدخل الاختبار ليكون الأول. كان يريد أن يعرف أين يقف. والآن عرف.
اليقظة ، المرتبة الأولى، أول باب، ولا يزال خلف الباب طريق طويل لا يعرف طوله.
حين تفرق التلاميذ، بقي آزر في الساحة قليلًا. اقترب منه هان.
— هل تشعر بالخيبة؟
هز آزر رأسه.
— لا.
— جيد.
ثم نظر هان إلى الحجر الرمادي في يده. وتوقفت عيناه عليه للحظة أطول من اللازم.
— من أين حصلت عليه؟
رفع آزر نظره إليه.
— أعطاني إياه رجل.
— أي رجل؟
صمت آزر. ثم قال:
— يان.
للحظة لم يتغير وجه هان، لكن عينيه تغيرتا. كانت حركة صغيرة جدًا. لو لم يكن آزر يراقبه لما لاحظها، قال هان:
— احتفظ به جيدًا.
ثم استدار، ولم يسأله من هو يان، ولم يسأل عن سبب إعطائه الحجر. وكأن الاسم وحده كان كافيًا.
في الليل جلس الأربعة خارج السكن. كانت السماء صافية، ثم قال كايو:
— أعطني يدك.
نظر إليه آزر.
— لماذا؟
— أريد أن أرى مدى قدرتك.
مد آزر يده، وأمسك كايو معصمه، ثم قال:
— ما زلت ضعيفًا.
— أعرف.
— لكنك تتعلم بسرعة.
سحبت نيرة يد كايو بعيدًا.
— لا تعبث بإصابته.
— كنت فقط
— أعرف ماذا كنت تفعل.
جلس رين إلى جانبهم.
— هل أنت سعيد؟
فكر آزر، ثم قال:
— لا أعرف.
— لقد أصبحت مزارعًا
نظر آزر إلى كفه.
— ربما.
صرخ كايو، وقال:
— أنا سعيد.
ضحكت نيرة.
— لأنك نجحت في الاختبار؟
لا، بل لأنني للمرة الأولى أشعر أنني أستطيع أن أصبح أقوى فعلًا. حتى لو أخذ مني الأمر سنوات.
نظر إليه آزر، ولم يقل شيئًا لكنه كان يفهم هذه الرغبة الآن. أكثر مما كان يفهمها قبل أيام. لكن ما لم يعرفه كايو… أن آزر بدأ يفكر في القوة بطريقة مختلفة. لم يعد يريدها فقط حتى يستطيع الاختيار.
بدأ يتسائل: ماذا لو اضطررت إلى الاختيار بين ما أريده… وبين شخص آخر؟ ماذا لو كان الطريق لا يترك للإنسان دائمًا الخيار الصحيح؟ وماذا لو لم يكن هناك أصلًا شيء اسمه «الصحيح»؟ فتح آزر عينيه. كان السؤال مزعجًا، لكنه بقي.
وفي الجهة الأخرى من الجبل، كان ريو يسير وحده. كان المكان مظلمًا توقف عند درج حجري يقود إلى مبنى قديم، ثم وضع يده على الحائط. أخذ نفسًا، وخرج المدد من جسده. كان ضعيفًا، ومتقطعًا. رفع يده بسرعة. واختفى المدد. حدق في أصابعه، وتمتم
— ليس الآن .
ثم سمع صوتًا خلفه.
— سمعت أنك أظهرت البحر أمام الشيخ مو.
استدار، وكان أحد شيوخ الطائفة. لم يكن آزر يعرف اسمه، قال ريو:
— يبدو أن أخبار الطائفة أسرع من الريح.
— الطائفة تهتم بما يدخل أبوابها.
— وأنا دخلت بابها.
— ومعك شيء آخر.
توقفت عين ريو، ثم لمعت عين الشيخ للحظة.
— لا أعرف عما تتحدث.
ابتسم الشيخ.
— جيد، احتفظ بهذه الإجابة.
ثم مر بجانبه، ظل ريو مكانه ولم يتحرك. وبعد أن ابتعد الشيخ نظر ريو إلى الدرج القديم أمامه. كان في آخره باب حجري مغلق. وعلى سطحه… دائرة ناقصة. لم يقترب منه، فقط وقف ينظر إليه. ثم غادر.
وفي مكان آخر من الطائفة، كان آزر قد عاد إلى غرفته. جلس على الأرض، ووضع الحجر الرمادي أمامه، ثم أغمض عينيه. استدعى المدد، ظهر خيط واحد بدأ يتحرك مع أنفاسه. ثبته، مرة، ثم ثانية، ثم ثالثة. وهذه المرة لم يختفِ. حركه من كفه إلى ساعده، ثم أعاده. كان الأمر متعبًا، ومؤلمًا، لكن المدد أطاعه. فتح آزر عينيه، ونظر إلى الخيط الباهت بين أصابعه. في الماضي، عندما كان يسقط شيء من يده، كان يمد يده ويلتقطه. الآن كان قد تعلم شيئًا مختلفًا. يمكنه أن يجعل الشيء الذي يريده… يأتي إليه. لم تكن قوة كبيرة، ولم تكن كافية لحمايته من خمسة أشخاص. ولا حتى ثلاثة، ولكنها كانت البداية. وهذا وحده كان كافيًا.
أوقف المدد، وحدق في الحجر، ثم وضعه بجانبه. وقبل أن ينام، عاد إليه المشهد الذي لم يستطع التخلص منه منذ الأمس. الحذاء فوق يده، المشرف الذي أشاح بنظره، كايو الذي اندفع نحوه، والسؤال الذي لم يجد له جوابًا: كم يجب أن أصبح قويًا… حتى لا يملك الآخرون حق تقرير ما يحدث لي؟ ظل مستيقظًا حتى وقت متأخر. وفي مكان بعيد، خلف الجبل الشرقي، خرج صوت معدني خافت من أعماق الأرض. لم يسمعه أحد، ثم جاء صوت آخر أقصر..
كأنه.. شيء في الظلام… يحاول أن يتذكر كيف يُفتح باب .