كان المدد في جسد آزر ضعيفًا إلى درجةٍ جعلته يشك للحظات في وجوده. خيط رفيع، بالكاد يمكن الشعور به، يمر عبر عروقه ثم يختفي. لكن آزر لم يتراجع. جلس أمام حجر التدريب منذ طلوع الشمس، وراح يكرر الأمر ذاته للمرة العاشرة، ثم العشرين، ثم فقد العدّ تمامًا. وفي كل مرة كان المدد يظهر للحظة… ثم يتلاشى. لم يغضب، ولم يلعن عجزه، فقط أعاد المحاولة.
وحين فتح عينيه أخيرًا، كانت ساحة التدريب قد امتلأت بالتلاميذ، وتوقفت قدم هان أمامه. نظر الشيخ إلى يده. كان هناك خيط باهت من المدد ينساب بين أصابعه. ثم قال هان:
— استمر.
رفع آزر عينيه إليه.
— إلى متى؟
نظر إليه هان بنظرة عابرة.
— حتى لا تحتاج إلى السؤال.
ثم مضى. راقبه آزر للحظات، ولم يفهم قصده تمامًا. لكنه لم يسأل مرة أخرى، وعاد إلى الحجر.
بعد انتهاء التدريب، وقف أحد التلاميذ أمامه. كان أحد الثلاثة الذين قاموا بأخذ حصته، وخلفه الآخران.
قال:
— أنت، أعطني حصتك اليوم.
— لا.
لم يتغير صوت آزر. أمال الشاب رأسه.
— أمازلت لا تفهم؟
— أفهم.
— إذن لماذا ترفض؟
— لأنها لي.
ضحك أحد رفيقيه.
— وهل تغير شيء منذ الأمس؟
— لا.
— إذن أنت غبي.
ثم انتزع حقيبة الطعام من يد آزر. تشبث آزر بها، وللحظة ظل الاثنان ساكنين. شد الشاب الحقيبة. ازداد قبض آزر.
قال الشاب:
— اتركها.
لم يجب. فضربه بقبضته في وجهه، مال رأس آزر إلى الجانب، وشعر بحرارة الدم عند طرف فمه. أعاد رأسه ببطء. لم يكن الألم هو ما أزعجه.
بل شيء آخر. شيء أبرد.. فكر للحظة: لو كنت أقوى منه… لما استطاع أن يأخذ شيئًا. بسيطة إلى هذا الحد.
اندفع الشاب وضربه مرة ثانية. وهذه المرة سقط آزر على ركبته، وسمع ضحكة خلفه. ثم جاءت الركلة.
أصابته في بطنه. انحنى جسده غريزيًا، ولم يستطع التقاط أنفاسه. لم يتوقفوا، ركلة أخرى في جنبه، ثم ضربة في كتفه. حاول آزر أن يرفع ذراعه ليحمي رأسه، فداس أحدهم على يده حتى ارتطم ظهرها بالأرض. توقف للحظة، ليس بسبب الخوف، بل لأن الألم بدأ يتحول إلى شيء واضح في ذهنه. هو لا يستطيع أن يوقفهم. لم يكن هذا استنتاجًا، بل كانت الحقيقة.
رفع عينيه، ورأى التلاميذ يمرون من جوارهم. بعضهم نظر، وبعضهم تجاهل. لكن لا أحد توقف. حتى المشرف الذي كان يقف عند مدخل الساحة لمح المشهد. التقت عيناه بعيني آزر. ثم أشاح بنظره. استمرت الركلات حتى سال الدم من شفتيه. وحتى بدأ جسده يفقد قدرته على الاستجابة. أمسك أحدهم شعره ورفع رأسه
— أين ذلك الكلام عن الاختيار الآن؟
لم يجب آزر.
قال الآخر:
— أعطنا ذلك الحجر أيضًا.
مد الشاب يده في رداء آزر. وجد الحجر الرمادي، وأخرجه. تأمله لحظة، ثم ابتسم.
— هذا إذن هو الشيء الذي تخفيه؟
مد يده ليأخذه. لكن أصابع آزر أغلقت عليه.
— اتركه.
— وإلا ماذا؟
لم يجب. ضربه الشاب في فكه. انفتحت أصابع آزر للحظة. كادت يد الآخر تصل إلى الحجر. ثم فجأه اندفع شخص من الجانب. اصطدمت قبضة كايو بوجه الشاب وأسقطته على الأرض.
— ابتعد عنه!
وقف كايو أمام آزر، وصدره يعلو ويهبط بعنف. كان الغضب ظاهرًا على وجهه. قال أحد الثلاثة:
— أنت مرة أخرى؟
— لم يرد.
اندفع كايو نحوه. واشتعلت الفوضى. اللكمات والصرخات اختلطت ببعضها، وسقطت حقيبة الطعام على الأرض، وتناثرت قطع الخبز في التراب. دخل رين بعدها بلحظات، ثم نيرة، ولم تكن معركة عادلة. لكن كايو لم يهتم، تلقى ضربة في فكه، ثم رد بأخرى.
سقط، نهض، ثم عاد، حتى تمكن اثنان من تثبيته، وحاول آزر النهوض، فشعر بأحدهم يركله في صدره. وعاد إلى الأرض.
سمع كايو يصرخ:
— آزر!
رفع آزر عينيه، رأى ثلاثة أشخاص فوقه. ورأى الحجر في يد أحدهم. اقترب الشاب منه.
— هل ستدافع عنه الآن؟
قال كايو وهو يحاول التخلص من قبضتهم:
— اتركه!
ضحك الشاب، ثم نظر إلى آزر.
— قل له إذن أن يتوقف عن اللعب كبطل.
مد يده بالحجر أمام وجهه.
— خذه.
مد آزر يده، وتوقف الشاب. ابتسم، ثم أفلت الحجر من بين أصابعه. سقط على الأرض. ودارت عيناه نحوه. ثم قام بالدوس عليه بحذائه. لم ينكسر الحجر. لكن آزر سمع صوتًا خافتًا. طَق. رفع عينيه، وكانت تلك الطرقة مختلفة. لم يسمعها من أذنه، بل شعر بها في صدره. تجمدت يده. رفع الشاب قدمه.
— انتهى اللعب.
ثم جاءت الضربة الأخيرة.
لكن صوتًا حادًا قطع الفوضى:
— كفى!
كان الشيخ هان. تجمد الجميع. و ابتعد التلاميذ بسرعة. نزل هان إلى الساحة، نظر إلى كايو أولًا، ثم إلى رين ونيرة، وأخيرا إلى آزر الملقى على الأرض. قال:
— ماذا حدث؟
تكلم أحد التلاميذ فورًا:
— هاجمونا.
نظر هان إلى كايو، ثم إلى آزر. لم يقل شيئًا للحظات.. حتى قال أخيرًا:
— إلى مكتب العقوبات.
قال كايو:
— لكنهم
— قلت إلى مكتب العقوبات!
لم يرفع هان صوته، لكن كايو صمت.
كان مكتب العقوبات أصغر مما توقع آزر.
طاولة، كرسيان، وسجل سميك على أحد الرفوف. قرأ المشرف الأسماء، ثم كتب، عقوبة لكايو، عقوبة أخف لرين ونيرة.
أما آزر، فحصل على تحذير فقط بسبب «عدم الاقتراب من النزاع».
كان آزر يجلس على الكرسي ودمه لم يجف بعد. راقب القلم وهو يتحرك فوق الورق.
ثم قال:
— وماذا عنهم؟
لم يرفع المشرف رأسه.
— ماذا عنهم؟
— هم الذين بدأوا.
توقف القلم، ورفع المشرف عينيه إليه.
— وهل تريدني أن أغيّر ما حدث؟
— أريد أن أعرف ما العقوبة.
عاد الرجل إلى السجل.
— الأمر سيُرفع لاحقًا.
— ومتى؟
— عندما يحين وقته.
ظل آزر صامتًا. خرجوا.
في الممر، انفجر كايو:
— هذا غير عادل!
لم يجبه أحد.. ضرب كايو الجدار بقبضته
— كنا أربعة وهم ثلاثة وازدادوا ليصبحوا سبعة، ومع ذلك
قاطعته نيرة:
— لأنك بدأت العراك.
— لأنهم كانوا يضربونه!
— وأنا أعرف
صمت كايو، أما رين فنظر إلى آزر.
— هل أنت بخير؟
— نعم.
نظر إلى وجهه المتورم.
— تكذب.
مسح آزر الدم من فمه.
— الألم سيذهب.
— وليس هذا ما أسألك عنه.
رفع آزر عينيه إليه. ولم يعرف ماذا يقول، فصمت.
في الليل لم يأكل آزر. جلست نيرة أمامه، ووضعت إناء الماء على الأرض.
— إذا لم تأكل، فلن تلتئم إصابتك جيدًا.
— لست جائعًا.
نظر كايو إليه.
ثم قال:
— أنا جائع بدلًا منك.
لم يضحك أحد، لكن كايو ابتسم ابتسامة قصيرة، كأنه يحاول أن يخفف شيئًا لا يعرف كيف يخففه. مد يده وأخذ قطعة خبز من حصته، ثم وضعها أمام آزر.
— هذه لك.
نظر آزر إلى الخبز، ثم رفع عينيه إلى كايو.
— لماذا؟
— لأنني لا أحتاجها.
كانت كذبة واضحة، نظر آزر إلى معدته. ثم إليه، ولم يقل شيئًا، دفع الخبز نحوه.
— كلها.
— قلت لك لا
— كايو.
صمت، وأخذ الخبز، وفي تلك اللحظة فقط، فهم آزر شيئًا لم يكن يراه من قبل. كايو يريد القوة لأنه لا يريد أن يكون عاجزًا. هو أيضًا يريد القوة، ولكن السبب مختلف. كايو يريدها كي يحمي من حوله.
أما آزر… فلماذا يريدها؟
أغلق عينيه. وعاد إليه المشهد، قدم فوق يده، قبضة على وجهه، حجر في يد شخص آخر. والمشرف ينظر ثم يدير وجهه. ولسبب ما لم يشعر بالغضب. وهذا ما أقلقه. لقد توقع أن يغضب، وأن يكرههم، لكنه لم يفعل. كل ما شعر به كان سؤالًا واحدًا: لو كنت أقوى… هل كان أيٌّ من هذا سيحدث؟ كانت الإجابة واضحة. ثم جاء السؤال الثاني. وماذا لو كان الشيء الذي أريده أكثر أهمية من الشخص الذي يقف في طريقي؟ فتح عينيه. لم يكن السؤال مكتملًا، ولم يحب الفكرة. لكنه لم يطردها أيضًا، وبدون أن يشعر آزر بدأ شيء بداخله يتغير.
وفي صباح اليوم التالي، ذهب آزر إلى ساحة التدريب رغم إصاباته. نظر إليه هان.
— لم يطلب منك أحد الحضور.
— أعرف.
— فلماذا جئت؟
نظر آزر إلى حجر التدريب.
— لأنني لم أتعلم ما يكفي.
ساد الصمت للحظة.
ثم قال هان:
— بعد ما حدث أمس، كان بإمكانك أن تطلب إجازة.
— لماذا؟
رفع هان حاجبه.
— لأنك مصاب.
نظر آزر إلى يده، وكانت متورمة.
— هذا لا يغير ما أريده.
وللمرة الأولى، لم يعقب هان فورًا.
ثم قال:
— اجلس.
جلس آزر. وبدأ التدريب.. كان الألم يقطع تركيزه، وكلما حاول استدعاء المدد، تشتت، وفشل، ثم حاول مرة أخرى، فشل، ثم ثالثة، ورابعة. بدأ بعض التلاميذ يرمقونه بسخرية، لكنه لم يهتم. مر وقت طويل. ثم ظهر الخيط، ضئيلًا، وأضعف من الأمس. لكنه لم يختفِ. فتح آزر عينيه، وهذه المرة لم يشعر بالفرح، بل بشيء أقرب إلى اليقين. همس وقال:
— لن يتغير شيء إن بقيت كما أنا.
بعد انتهاء التدريب، مر هان بجانب آزر، وقال دون أن يتوقف
— لديكم أختبار غدًا.
ثم تابع سيره، ورفع آزر رأسه
في الجهة الأخرى من الساحة، كان الحجر الذي سيجري فوقه الاختبار قد وضع حديثًا، وبجانبه علامة حمراء، ممنوع تجاوزها.
لم تكن العلامة مهمة في نظر أغلب التلاميذ. لكن آزر ظل ينظر إليها، ثم نظر إلى الحجر الرمادي في يده. تذكر كلمات يان: الطريق الذي تبحث عنه لا يبدأ من بوابة المدينة، ولا يبدأ من الطائفة، لكنه يبدأ عندما تختار شيئًا لا يخدمك إلا لأنك تريد أن تعرف. في ذلك الوقت، ظن أن الرجل يتحدث عن المعرفة. أما الآن… فقد بدأ يشك في أن الاختيار نفسه قد يكون جزءًا من الطريق.
قبض على الحجر. وفجأة طق.
مرة واحدة. رفع آزر رأسه، لم يسمع أحد شيئًا. التفت نحو كايو، وكان كايو ينظر إلى الجبل. قال بصوت منخفض:
— هل شعرت بها؟
لم يجب آزر، فقد كان ينظر إلى شيء آخر. في الطرف البعيد من الساحة، خلف أحد المباني القديمة، كان هناك تلميذ يخرج من ممر ضيق. توقف للحظة، ثم انحنى والتقط شيئًا من الأرض، شيئًا صغيرًا لم يره آزر بوضوح، لكن التلميذ أخفاه داخل ثوبه، و عاد إلى السير. ثبت آزر عينيه عليه.
ثم سمع صوت رين خلفه:
— آزر.
التفت.
— ماذا؟
أشار رين إلى يده. نظر آزر إلى الحجر، كان دافئًا، ولكن هذه المرة لم يكن الدفء هو الغريب. كانت هناك علامة دقيقة على سطحه. خط صغير… لم يكن موجودًا من قبل. تأمله آزر طويلًا، لم يعرف معناها، ولم يحاول تخمينها.
فقط مرر إصبعه فوقها.
وفي مكان بعيد عن الساحة، خلف طبقات من الحجر والجبل، انطفأت شعلة في ممر قديم، ثم أضاءت وحدها دون أن يقترب منها أحد. لم يرَ أحد ذلك، ولم يعرف أحد أنه حدث. أما آزر، فلم يكن يعرف سوى شيء واحد: لقد بدأ يريد القوة أكثر من الأمس. لكن ليس لأنه يريد أن ينتصر.
بل لأنه بدأ يخشى فكرة أخرى… أن يأتي يومٌ يعرف فيه ما يريد، ثم يعجز عن أخذه .