وكما كان متوقعاً، استحال العثور على فستان في المتجر. أخذت والدة سارة ابنتها إلى عشرة متاجر مختلفة، وحتى إلى بعض محلات فساتين الزفاف تحسباً لعل فستان وصيفة عروش ينفع. ولم يجدن بالكاد شيئاً يناسب مقاسها، فضلاً عن شيء تبدو ملامحه جيدة. امتلكت أليكسا فستاناً واحداً قد يفي بالغرض، وكان قطعة بيضاء مطرزة بالترتر وذات تنورة منتفخة وكبيرة؛ وللأسف، كانت فتحة العنق أجرأ بكثير مما تراه سارة مريحاً لنفسها.
وقالت أليكسا إن بإمكانها ارتداء شال، ورغم أن سارة بدت رائعة فيه بالتأكيد، إلا أنها لم تستطع تخيل الخروج به إلى الشام. ولحسن الحظ، لم تكن أليكسا مبالغة، إذ امتلكت جیل خزانة ضخمة يمكن التفتيش فيها. واجتمعن جميعهن في غرفة جيل الواسعة، رافعات فستاناً تلو الآخر. وكانت سارة تستمتع بوقتها، حتى وإن امتلأت غرفة جيل بمزيج مزعج من الروائح. تنافست المستحضرات والعطور والشموع ومن يدري ما غيرها على لفت الانتباه في أنف سارة.
وقفت جيل بأناقة، متباهية بالفستان الذي تخطط لارتدائه في الحفل الراقص، وهو فستان قصير يشبه السترة الواسعة ويصل مباشرة إلى رققتها لكنه يترك كتفيها عاريتين. وشكت سارة في أنه لو رفعت جيل ذراعيها أو مشت في نسيم هواء، فلن تكون كتفاها وحدها العاريتين. لكن على قصر فستانه، كان على سارة أن تشيد بذوق جيل وهي تراك الفتاة الطويلة تدور بمرح مستعرضة الفستان. لقد جعلها بالفعل تبدو رائعة، سيقان وحركة في كل مكان.
قالت جيل وهي تتخذ وضعية تصوير ضاحكة: "أليس هذا أروع شيء رأيته قط؟ في بعض الأحيان يؤتي الطول ثماره! ومع الكعب العالي سأتسبب في حوادث مرور!"
ووافقتها الرأي سارة وأليكسا. ومع ذلك، تحول انتباههما بسرعة إلى العثور على فستان لسارة.
قالت أليكسا وهي تخرج تشكيلة مبهرة من الفساتين من خزانة جيل: "حسناً يا سارة، دورك الآن!"
والتقطت واحداً ومدته إلى سارة مضيفة: "قيسيه!"
ترددت سارة وشعرت بنوع من الخجل من نفسها.
ولاحظت جيل قلق صديقتها فمنحتها ابتسامة مطمئنة وقالت: "لا تقلقي، سيكون بعضه رهيباً، لكن سيكون هناك شيء رائع هنا".
كان الفستان الأول الذي قيسته رهيباً حقاً. وكان قطعة برتقالية مطرزة بالترتر تنتفخ في أماكن لا تنتفخ فيها سارة. أما الثاني فجاء مقاسه مناسباً تماماً، لكنه استرسل وتدلى على الأرض. وفي غضون ذلك، لم تستطع أليكسا وجيل منع نفسيهما من سؤالها عن دعوة فين.
قالت جيل: "إذن، هل سألها هكذا أثناء حصة الفن؟"
ردت سارة: "بالكاد. لم يسأل حتى حقاً، بل قال وحسب إن علينا الذهاب معاً".
سألت جيل: "وماذا بعد؟"
قالت: "مثل ماذا؟ قال إني تأكدت من فهمي له، وأنه يطلب مني موعداً، فسألت عن بري، فقال إنهما انفصلا، فقلت إنني سأرد عليه لاحقاً".
عقبت أليكسا: "ثم جريت إلي لأن الخروج مع فين مخيف".
قالت سارة: "الأمر ليس مخيفاً، إنه فقط..."، لكن قاطعوها قبل أن تتابع.
قالت جيل: "لا، أنا أفهم، الخروج مع فين مخيف نوعاً ما. إنه مجرد أحمق كبير، أليس كذلك؟ لكني سمعت أنه يجيد التقبيل".
شعرت سارة بأن وجهها يشتعل ناراً، ولم يجعلها الفستان الأحمر الذي كانت ترتديه تشعر بتحسن قط. كان ضيقاً للغاية لدرجة جعلت التنفس صعباً. ومدت يدها نحو الفستان التالي في الكومة وعادت بخطواتها إلى داخل الخزانة. وتخلصت من الفستان الأحمر متمايلة لترتدي التالي، وهو فستان رمادي باهت تخللته قطع من الدانتيل.
وتحدثت بصوت عال من داخل الخزانة محاولة تغيير الموضوع: "على أي حال، أين بري الليلة؟"
قالت جيل: "مع شاب جديد. جون؟ جيمس؟"
قالت أليكسا: "جوش. جوش، إنه معها في حصة الخطابة".
وخرجت سارة مرتدية فستاناً يصل إلى الركبة بقصة واسعة تبرز جمال قوامها، ومزخرفاً بتفاصيل رقيقة من الدانتيل حول الخصر والكتفين. وتحت أضواء غرفة جيل الساطعة، تحول الدانتيل إلى لون أزرق باهت متقزح يتغير بتغير درجاته كلما تحركت. وأثناء دورانها أمام المرآة، اتخذت سارة وضعيات تصوير وتأملت نفسها في الفستان.
هتفت سارة وهي تبتسم لتعكس صورتها بسعادة: "أعتقد أن هذا هو المطلوب!"
وصفقت أليكسا وجيل.
وقالت جيل وهي تعانقها: "تبدين مذهلة يا سارة!"
وصعوبة بالغة واجهتها سارة في تحويل عينيها عن نفسها في المرآة. فقد أبرز الفستان الأزرق السماوي قوامها وجعلها تشعر بالجمال. ووجدت نفسها بالفعل تتطلع بشوق إلى الذهاب للرقص. وأشرقت وجوه جيل وأليكسا بالرضا، وشعرت سارة بالامتنان لطريقة تجاهلهما لارتجافاتها واهتزازاتها الصغيرة كلما وقع بصرها على ضوء أو اصطدم شيء ما أو أحدث جلبة بالجوار. وبمجرد حسم أمر الفستان، انتقلت الثلاثة إلى الإكسسوارات.
وفتشن في تشكيلة جيل الواسعة من المجوهرات والأحذية والحقائب، مجربات تركيبات مختلفة حتى عثرن على المطابقة المثالية. وأكملت قلادة فضية رقيقة تزينها حجر ياقوت أزرق صغير الفستان تماماً. ولم يسبق لها أن ارتدت مثل هذا النوع من المجوهرات من قبل، لكن جيل أكدت لها أنها تبدو أجمل بكثير مما هي عليه حقاً. وقد تشبثت برأيها حقاً، حرفياً، عندما حاولت الاثنتان إقناعها بقياس حذاء بكعب عال.
كانت جيل تملك حذاءً فضياً لامعاً بكعب مدبب بدا لسارة بطول قدم كاملة. بينما امتلكت أليكسا حذاء صندل أسود بكعب بنفس الارتفاع تقريباً، لكن مقدمته استقرت على نعل سميك خاص به أيضاً. واعتقدت سارة أنهما ستبدوان وكأنهما ركيزتان للمشي. لكن لا، فهي تمتلك أحذية مسطحة في المنزل. قد لا تكون لامعة، لكنها لن تقتل نفسها أيضاً. وسيكون الفستان والمجوهرات فاخرين بما يكفي لها.
قالت أليكسا: "أوه، سيكون ذلك مثالياً لك".
وكانت تنقب في كومة من حقائب اليد الصغيرة فرفعت واحدة بانتصار.
ومدتها إلى سارة قائلة: "فقط احرصي على انتعال حذاء أسود معها".
صُنعت الحقيبة الصغيرة من الجلد الأسود، وحُفّت وحُشيت بمسامير من الكروم اللامع. وعلى مقدمتها، نُفرت على الجلد صورة جمجمة وعظمتين متقاطعتين تبتسمان. ولم تكن متأكدة من السبب، لكن سارة أعجبتها الحقيبة حقاً. وأدارت سارة فستانها دورة أخرى أمام المرآة مبتسمة لنفسها.
قالت أليكسا بينما كانت جيل تومئ برأسها: "أجل، مثالي".
وأضافت: "بقي أمر أخير واحد، حتى وإن كنت ستكرهينه".
قالت: "ما هو؟"
وعقدت سارة ذراعيها ناظرة إليهما.
قالت أليكسا: "الرقص".
وقالت جيل في اللحظة نفسها: "المكياج".