"نعم، سيُدي الأمر على ما يرام."
خرجت أليكسا من العتمة وتلاشى الضوء الأخضر من عينيها ليسري في بقية جسدها. وسمعت سارة صطماً قادماً من الغرفة خلفها، وبالالتفات رأت سحابة غبار تتصاعد من حيث تعثر فين ووقع في الداخل.
"أتحتاج إلى يد؟"
نادت عليه.
"نعم، أو إلى ضوء،"
أجاب. عادت سارة أدراجها وقادته خارج الأجزاء العميقة من المكاتب المتهدمة حتى أصبح يرى خطواته على ضوء المستودع الرئيسي. وحين خرج مع الاثنتين، ارتد فين إلى الخلف ممدداً جسده من وضعية إبقاء رأسه منكساً أثناء تخبطه أعمى بين الظلال. ودوّر كتفيه وقفز مرتين على مشط قدميه.
"حسناً، وعدت بأن أنتظركما، فماذا الآن؟"
كانت عينا فين متسعتين، وكان ينقل وزنه بين قدميه أثناء حديثه.
"حسناً، أنت تعرف كيف نستخدم الضباب جميعاً، أليس كذلك؟"
قالت سارة.
"ألواننا، والطريقة التي أضعها بها في الأشياء، وتلتقطها أليكسا، وأظنك تركزها في الهواء."
أومأ فين واكتفى بحركة دائرية صغيرة بيديه طالباً منها المتابعة.
"حسناً، لقد فعلت ما فعلت في المستشفى. أما أنا، فانظر إلى معطفي، ألا ترى؟ أضع الضباب الأزرق فيه، بالطبع،"
قالت سارة مشيرة إلى سترة الجلد التي ترتديها. وشق توهجها الأزرق ضوء الرماد موضِحاً لفين ما تعنيه سارة. نزعت سترتها ووضعتها على الأرض وتراجعت خطوات للوراء. طوت الستر نفسَها بدقة كأنها مستقرة على رف في متجر ما. ثم انبسطت وعادت مشيةً إلى سارة مرتكزة على ذيلها ومتحركة بحركة شبيهة بحركات الغوريلا. واستخدمت السترة ذراعيها لدفع نفسها حتى بلغت ساقي سارة، فزحفت على جسدها واستقرت بنظام على كتفيها.
"هذا ما أستطيع فعله،"
قالت سارة.
"أعني، أكثر من ذلك بقليل، لكنك فهمت الفكرة، أليس كذلك؟"
كان فين قد تراجع للخور رافعاً يديه أمام صدره حين بدأ الجلد يتحرك. وانحنى للأمام حين زحف على جسد سارة وكان على وشك التقدم ليتفحصه عن قرب لولا أن تنحنحت أليكسا. تجمد في مكانه ولوى رأسه خاطفاً نظرة نحوها. التقطت أليكسا قطعة حديد تسليح قديمة من تحت كومة صدئة واستنشقت كل الضباب الأخضر الذي بان لهما وعمدت إلى لفت قضحديد التسليح في لولب محكم.
"وهذا ما أستطيع فعله،"
قالت أليكسا.
"ومع وضع هذا في الحسبان، أرجو أن تفهم لم لم نكن نود حقاً أن تعبث بالأمور. خصوصاً في سيارتي."
"نعم أفهم، لكن لهذا نحن هنا، أليس كذلك؟"
كان فين يرجح ذراعيه الآن، ذهاباً وإياباً في تناغم كأنه يمارس الإحماء مجدداً.
"ولهذا نحن هنا،"
كررت أليكسا. والتفتت تطالع العفن الأسود المتسلق على الجدران الآجرية والعوارض الفولاذية المسننة الممتدة في الأعلى وكومات النفايات والصدأ المتناثرة هنا وهناك.
وأشارت إلى باب في مؤخرة المستودع وقالت: "حسناً، هكذا سنفعل. سنذهب أنا وسارة إلى هناك، عبر الباب، لكننا سنتركه مفتوحاً لنتمكن من رؤيتك. قف قرب الباب نوعاً ما وحاول تسديد كل شيء نحو الجدار البعيد. ابدأ صغيراً، بأصغر ما تستطيع التحكم به. لا تفقد صوابك تماماً إلا حين تتاكد أنك لن تطيح بهذا المكان كله وأنت تفعل ذلك، حسناً؟"
لم تنتظر أليكسا إجابة وتوجهت مباشرة نحو الباب. لم يتحرك حين جذبت المزلاج، فعاودت الكرة ودفعته حتى أطلق صريراً وسقط عن مفصلاته. واصطدم الباب بالأرض بقوة، واستطاعت سارة رؤية خط الأشجار على مرمى حجر عبر الفتحة. لا بد أن هذا المبنى يقع على حافة المجمع مباشرة. وبإخراج رأسها إلى الخارج، أمكنها رؤية بقعة من موقف السيارات المحيط بهذا الجانب من المبنى والأشجار والتلال البعيدة.
غير أن لا سيارات أخرى ولا مبانٍ، لا شيء سوى الطبيعة. كانت أليكسا قد خرجت، وكانت الريح تعصف بشعرها إلى الجانب.
"هذه يا سارة، انظري إلى هذا،"
قالت أليكسا. وأخرجت كيساً حريرياً صغيراً من جيبها وناولته لسارة.
"كنت أتدرب الليلة الماضية لأتأكد من قدرتي على توخي الحذر وعدم تحطيم الأشياء، وظننت أن هذا سيعجبك."
أخذت سارة الكيس وفتحته. وجدت في داخله نحو نصف دزينة من طيور البجع الورقية الصغيرة المتناقصة في الحجم. كان كل منها تاماً بطيات متقنة ونسب مثالية، ولم يكن أصغرها ليزيد عرضه عن قطعة نقد معدنية.
"أأنت من صنعت هذه؟"
"نعم،"
أجابت أليكسا.
"مجرد تمرن، لكني ظننت أنك قد ترغبين في معرفة ما إذا كان بإمكانك فعل شيء بها."
ابتسمت سارة، لكن قبل أن يتسنى لها الرد شق صوت مدوٍ جو المبنى. والتفتتا الاثنتان في الوقت المناسب لرؤية وميض الضوء الأبيض يخبو.
"رائع،"
قال فين. وبالنظر إلى الداخل، استطاعت رؤية آثار احتراق وأوراق شجر مدخنة على الأرض أمامه. ومد يده فتجمع المزيد من الضباب الأحمر في كرة مستديرة تماماً فوق أطراف أصابعه مباشرة. وقبل أن تكاد سارة تتبين الشكل، اندلعت شرارات من يده وتقوسَت مجدداً لتستقر في الأرضية. التفت فين ناظراً إلى الفتاتين اللتين ترقبانه، وكانت عيناه تتألقان ببريق ساطع في العتمة، وجمع كرة أخرى مستقداً من أبعد نقطة تستطيع سارة استشعارها.
والتفتت كل من سارة وأليكسا وأغطتا عيناها بينما اشتعل البرق مجدداً. وكان البرق هذه المرة ساطعاً لدرجة مكنت سارة من رؤية الضوء عبر يديها وجفنيها، وكان الصوت عالياً بما يكفي لطرحها أرضاً.
"آسف، آسف!"
صاح فين قبل أن تدرك سارة ما جرى. وحين فتحت سارة عينيها، لاحظت أن آثار الاحتراق الأخيرة لم تكن أبعد عنه من ذي قبل. حتى وإن كانت بعض الأعشاب والأوراق تحترق بالفعل.
"حسناً، على الأقل سيمضي ساعة قبل أن تستطيع فعل ذلك مجدداً،"
قالت أليكسا. عبس فين ومد يده مجدداً. وعرفت سارة بطريقة ما أنه كان يجذب بالقوة ذاتها السابقة، لكنه لم يفلح سوى في تكوين كرة ضوئية حمراء بالغة الصغر. واختفت الشرارة التي أفرزتها قبل أن تبتعد ست بوصات عن أصابع فين.
"أنت تستخدم عينيك، أليس كذلك؟"
سخرت أليكسا.
"عليك انتظار السحر ليعود من حيث أتى. في الواقع، لا تفعل، استمر في التمرن. الآن عليك العمل بحجم صغير ولا داعي لأن أقلق بشأن تمزق طبلة أذني."
التفتت سارة بعيداً عنهما لتتأمل البجعات الصغيرات في كفها. أخذت الأكبر حجماً وأفرغت فيها رشة من الضباب محولة إياها إلى اللون الأزرق. وتطلب الأمر ثلاث رشات إضافية لملئها تماماً، فوضعت البقية في الكيس الحريري الصغير. حرك البجع الصغير جناحيه صعوداً وهبوطاً. ثم انبسط بين يديها. رفعت الورقة نحو أليكسا مريات إياها حتى إن الطيات اختفت تاركة مربعاً نقياً من ورق الأوريغامي.
"أيمكنك طيها مجدداً؟"
مناولت سارة الورقة لأليكسا. أخذت أليكسا الورقة وعَبست لسارة هي الأخرى.
"أتعامل مع أبله واحد بالفعل، والآن تحطمين هديتي؟"
أخرجت أليكسا لسانها لسارة ثم التفتت يمنة ويسرى.
"ولاء، لا أستطيع فعل ذلك مجدداً. أحتاج إلى مكان نظيف لأضعها عليه وأطويها مرة أخرى."
"حسناً،"
قالت سارة كاتمة ابتسامة. وبدأت الورقة تتحرك مجدداً بين يدي أليكسا طوية نفسها هئية بجعة وقد عادت الطيات المتقنة إلى مواضعها.
"صحيح، بالطبع. أنت لا تحطمين هديتي فحسب، بل تتباهين،"
قالت أليكسا.
"كان حريّ بي جلب حزمة من ورق الطباعة لك."
"إنها جميلة،"
قالت سارة. وحرك بجع الأوريغامي في كفيه جناحيه مجدداً ثم أطلق نفسه في الهواء تاركاً أثراً من الضوء الأزرق وهو يدور في حلقة حول أليكسا.