امتلت القاعة عن آخرها تقريباً بينما كان فين يتحدث. صار الوسط مزدحماً تماماً وبقيت مقاعد شاغرة قليلة. بدت الأطراف خاوية بعض الشيء، غير أن بضعة أشخاص جلسوا في كل صف وصولاً إلى المؤخرة. بدأت الموسيقى فور انطفاء الأنوار. لم ينضم فتى لا تعرفه سارة إلى البقية على المدرجات، بل توقف قرب مقدمة المسرح وشرع يغني بمفرده. كانت سارة قد سمعت الأغنية من قبل، وبدت مألوفة حتى وإن عجزت عن تحديد هويتها.
جمعت الأغنية بين الحيوية والشجن في آن، بينما كان يغني عن قراءة الصحيفة. انضمت الجوقة بأسرها حين عادت الأغنية وكررت مقطعها، لتضفي طبقات متوافقة وعمقاً على اللحن. ومع أنها لم تعد قادرة على تمييز المغني الفرد، فقد تمكنت من سماع تآلف العناصر معاً. أغمقت سارة عينيها وتركت الموسيقى الحية تغمرها. توقفت الموسيقى لحظة، ثم انطلقت في أغنية تتبادل فيها أصوات عدة أدوار الغناء.
شعرت سارة بقدميها تنقران الأرض، ووجدت نفسها تكاد تشارك في غناء اللازمة وهي تتردد في الأرجاء — مترنمة بعبارة «خجول للغاية»
ليرد عليها صوت «أرجوك لا تتركيني يا فتاة».
لم تلمس معاني الأغنية مشاعرها قط، غير أن الكلمات بدت معدية. في الأغنية الثالثة، تميزت سارة صوت أليكسا وهي تؤدي المنفرد. كانت أغنية محلقة باللغة الإيطالية، ترافقها الجوقة بأصوات همهمات وتناغمات هادئة. تردد صوت أليكسا صعوداً وهبوطاً عبر الطبقات، واستطاعت سارة سماع كل نبرة بوضوح تام فوق بقية الأصوات. ابتسمت سارة، فقد رأت الطاقة الخضراء في صوت أليكسا، وكانت مركزة بوضوح حول حنجرتها وصدرها.
وتجمعت أيضاً، على نحو غريب بالنسبة لسارة، في أذني أليكسا — حيث ظهر ومض اخضر ضئيل بدا أشبه بسماعة بلوتوث صغيرة في كل أذن من أذني أليكسا. وما إن كادت أغنية أليكسا تنتهي حتى انتقلت الجوقة إلى إيقاع سريع — أغنية لإلتون جون تعرفها سارة حقاً. اعتادت أمها تشغيل هذه الأغنية أحياناً أثناء التنظيف. وغالباً ما كانت تدفع سارة للفرار إلى غرفتها، إن لم تقم من البيت بأسره. وبدل أن تنكمش ألماً، وجدت سارة نفسها تنقر برأسها وتمايله طرباً مع الموسيقى.
وحين انتقلوا إلى أغنية ثانية لإلتون جون، صفقت سارة بحماس مع بقية الحضور. صمت قصير، ثم شرعوا في أغنية أبطأ وأكثر عاطفية.
تعرفت سارة على هذه أيضاً، بدرجة جعلتها تكبح نفسها عن مشاركتهم غناء اللازمة في البداية — فكلمات «يوم مشمس مشرق»
يكاد يكون من المستحيل عدم إنشادها بصوت عالٍ. لم تكن وحدها، فقد ردد الجميع الكلمات مع اللازمة الختامية. كانت سارة تضحك متأثرة بالموقف، وبالطريقة التي انصب فيها تركيز كل شخص في القاعة على الموسيقى وحدها. لم تكن التجمعات الحماسية والعروض المدرسية التي أُجبرت على حضورها في الماضي تشبه هذا قط. وسط التصفيق والهتافات التي عقبت كل عرض، لم تستطع سارة منع نفسها من التساؤل عن شعور الوقوف على ذلك المسرح.
كانت الطريقة التي يقف بها الجميع، وتحديداً أليكسا، متألقين على المسرح أمام الجمهور أمراً مذهلاً، ولم تتخيل قط إمكانية استقطاب الانتباه بهذه الكافية. ليس مجرد استقطاب الانتباه، بل اختراق كل المشتتات والسيطرة عليه. خلال الأغنية الأخيرة، تخيلت سارة نفسها تقف هناك، مرتدية ذات الثياب اللامعة التي تلتقط أضواء المسرح في ومضات براقة صغيرة. بوسعها فعل ذلك، الوقوف على المدرجات أمام الجميع.
وربما يعجبها الأمر أيضاً. ومع خفوت الأغنية الأخيرة، تخيلت سارة وقوفها في المقدمة تحت بقعة ضوء منشودة لتغني وحدها، فتوقفت فجأة عن التصفيق. صارت القاعة دافئة، وتصبب العرق على جبهتها. شبكت يديها إحداهما بالأخرى لكبح ارتعاشهما، فهي حقاً غير معتادة على التصفيق طويلاً. كان بعض المغنين ينزلون باتجاه الممرات، بينما وقف الحضور ليمتزجوا بأعضاء الجوقة. نهضت سارة بدورها، ملاحظة أن فين قد وضع ذراعه فوق مسند مقعدها في غمرة العرض.
وبدون أن تلتفت للوراء، شقت طريقها وسط الحشد حتى عثرت على أليكسا. لمحت أليكسا سارة فوراً وعانقتها قبل أن تشير إلى الأشخاص الذين كانت تتحدث إليهم.
قالت أليكسا: "هذان أبي وأمي، وهذا أخي روب، وتلك صديقته، وهذا أخي الآخر ستيفن، إنه بلا صديقة".
قال ستيفن: "أخرسي يا أليكسا، سررت بلقائك يا سارة".
اكتفت سارة بإيماءة نحوه. كانت تحاول تقدير الجهد الذي تحتاجه لتذكر أسمائهما. وقبل أن تستطيع النطق بشيء، استأذنا بالانصراف، مكتفيين بمطالبة أليكسا بالعودة إلى البيت بحلول الحادية عشرة.
بحلول ذلك الوقت، كان فين قد شق طريقه، لكن قبل أن ينطق بكلمة، انطلق صوت هاتفاً: "فين! لقد أتيت!".
دفعت بري أليكسا وسارة لتلف ذراعيها حول فين في عانق حار.
قال فين: "أهلاً يا بري".
ربت بخفة على ظهر بري للحظات حتى ابتعدت.
سألت قائلة: "هل ستأتي معنا بعد العرض؟ عادة ما نذهب إلى مقهى آلما بعد العروض أو التمرينات المتأخرة".
قاطعت سارة: "آلما؟".
أجابت أليكسا: "آلما هو ذلك المطعم، تعلمينه، الذي يقع بالقرب من الشارع الرابع؟ على بعد كتلة سكنية من المدرسة".
قالت سارة: "أوه، نعم"، رغم أنها لم تلاحظ أي مطعم بالقرب من المدرسة قط.
قال فين: "لقد أكلت نوعاً ما".
قالت بري: "لا تقلق! نحن لا نطلب سوى البطاطس المقلية أو الفطائر وما شابه. ليس الأمر كأن هناك مكاناً آخر لنقضي فيه الوقت ليلاً".
تخطى فين خطوة جانبية مبتعداً عن بري ومقترباً من سارة.
وقال: "حسن الأمر يعود إلى سارة، فأنا مرافقها هذه الليلة".
قالت سارة: "كنت أنوي الذهاب. لقد قالت أليكسا إنها ستوصلني إلى البيت على أي حال".
كانت بري تحدق في سارة باهتمام شديد يكاد يطلق شراراً إن تلاقت نظراتهما، لذا أبقت سارة نظراتها مطأطأة. لم يكن لزاماً على فين الذهاب إلى المطعم، ولم تمانع سارة إن قرر العودة إلى بيته فحسب.
"يمكنك الذهاب يا فين إذا أردت".
تحول اهتمام بري فوراً: "يجب أن تأتي يا فين! هل يمكنك إيصالي أيضاً؟".
اكتفى فين بتبادل النظرات بين سارة وبري قبل أن يجيب بصوت هادئ: "حسناً، سأوصلك".