فركت سارة عينيها محاولة جلاء النجوم المبثوورة فيهما. لم تسمع شيئاً سوى رنين صاخب. استلقت على الأرض في لحظة ما ولم تدر تماماً كيف وصلت إلى هناك. ألم تكن متوجهة إلى محاضرة علوم الحاسب؟ سعقت. أحرق أحدهم شيئاً ما. استشعرت طعمه في حلقها فحاولت بصرياً لفظه. كانت رائحته كريهة وتفوق في سوءها حتى رائحة البلاستيك المحترق. استنشقت تلك الرائحة أيضاً. أحسّت فجأة بيدين تحت إبطيها ترفعانها.
لو أدركت أين تقع قدماها لقفزت. انقلبت على ظهرها وجُرّت. بان سقف مغطى بالبلاط أثناء سحبها وإلى جانبه وجه شاحب. ركّزت بصرها فأدركت أن شحوب وجه الرجل ناجم عن تغطّيه بطبقة كثيفة من الغبار. ألقت نظرة على يديها فرأت أنها تكتسي بالشيء نفسه.
خفت طنين أذنيها وسمعت أليكسا تقول: "تباً، أخبرناه أن ينتظر. لم يكن لديه أدنى فكرة، الغبي الأحمق..."
استمرت أليكسا في الكلام منزلقة نحو شتائم أكثر بذاءة. كانت الفتاة الكبرى تقف على قدميها وتجوب الممر في المستشفى هنا. صحيح، أدركت سارة أنهما في المستشفى. كانتا تزوران فين وتتحدثان معه حين حاول استخدام الضباب وفعل شيئاً ما. ثم وقع حدث صاطع ومرتفع الصوت. كان رجلان يدفعان سرير فين خارج الغرفة وتتدلى منه خياسيم الخراطيم. سمعت صوت فحيح وخمنت أن أحدهم يرش مطفأة حريق بالداخل.
لعلها المساحيق التي تغطيها. استنشقت رائحة دخان في الجو — امتزجت روائح البلاستيك والمعدن المحترق في الطابق بدرجة أثارت ضيق الجميع على الأرجح. نظرت نحو نهاية الممر ورأت بوضوح أنهم يخلون جميع المرضى من غرفهم. مدت أليكسا يداً وساعدت سارة على الوقوف.
سألت أليكسا: "أبخير أنت؟"
وأردفت: "كان الأمر جنونياً بعض الشيء."
أجابت سارة: "أظن ذلك؟ ماذا جرى؟ أرايت شيئاً؟"
"تقصدين بعيني الجنيتين؟"
"ها؟"
قالت أليكسا: "ظننتك كثيرة القراءة. أجل، لكن بدا الأمر كأن صاعقة برق أصابت الجدار ولم يتقبل الجدار ذلك."
قالت سارة: "برق؟ في الداخل؟"
هزت رأسها مجدداً ولا تزال مندهشة من العالم. استمرت مترنحة رغم أن خطواتها باتت أكثر ثباتاً وهي تتبع أليكسا.
قالت أليكسا: "أخبرناه أن ينتظر، ألم نعلُف؟"
ثم تابعت: "رياضي أبله وغبي."
قالت سارة: "أوه."
توقف فجأة مدركة ما حدث بالفعل. إن الضوء الأحمر الذي جمعه فين هو ما أحدث الانفجار الكهربائي. باهرها الضوء وأصمها الانفجار. ربما قفزت من مقعدها إلى الأرض حين وقع ذلك. وفعلها فين، متسبباً بالانفجار دون أي اعتبار للعواقب.
سألت سارة: "أتظنين أنه سيعيد الكرّات؟"
قالت أليكسا: "ذاك الأحمق؟ غالباً. لعلنا محظوظون لأنه استنفد كل ما استطاع بلوغه. سيصعب عليه تكرار ذلك فوراً."
نظرت سارة حولها. خلت الغرفة التي تواجدتا فيها من الضباب وبدا كل ما رأت في الممر بلون مخضرّ. سحب فين اللون الأحمر من الضباب. لم يخلق الأحمق برقاً فحسب بل جعله بقوة بالغة القدر المستطاع داخل غرفته الضيقة بالمستشفى. انتظرت أليكسا بجانب المصاعد مراقبة المكان الذي تنقل فيه الممرضات بقية المرضى وهم يخرجونهم من الغرف. طبقتين إلى الأسفل على ما يبدو. التفتت الفتاتان وسلكتا السلالم.
اجتازت سارة رحلة درج واحدة واضطرت للجلوس ههنا للحظة. غشاها الدوار جراء الجهد وما زالت تشعر بالذهول. تقدمتهما أليكسا. التقطت سارة أنفاسها وتبعتهما بخطى أبطأ. وحين وصلت إلى الأسفل كانت أليكسا قد اختفت تماماً عن البصر. اختارت سارة اتجاهًا ومشيت في الممر لكنها لم تر أحداً ولم تسمع صوتاً محدداً وسط ضوضاء المستشفى. بدت الممرات كأنها متاهة وبدأت تخشى مجرد العثور على طريق العودة إلى السلالم.
انتشرت لافتات في كل مكان ترشدها نحو شتى البقع لكنها لم تعنِ لها شيئاً. بل زادت الأمور سوءاً إن جاز التعبير. تفرست في الممرات طولاً وعرضاً ولاحظت بقعاً من الضباب الأزرق الخالص وسط ذاك اللون المخضرّ. لابد أن أليكسا كانت تسحب اللون الأخضر من الضباب أثناء سيرها. لم تدر سارة أكانت أليكسا تفعل ذلك عمداً أم كانت تسحب قطعاً صغيرة لتساعدها على التعافي من الانفجار، لكنها خلّفت مساراً مثالياً لتتبعه سارة.
تمكنت سارة قريباً جداً من تمييز صوت أليكسا وهي تزأر في وجه فين.
"ليست مجرد أضواء جميلة، ولو انتظرتنا لنشرح لك لقلنا ذلك. لكنك عجزت عن كبح نفسك، أليس كذلك؟ اضطررت لغرس أصابعك في محمصة الخبز بغض النظر عن سوء تلك الفكرة. نحن محظوظون لأننا على قيد الحياة أيها الأحمق."
بصق فين الكلام متعتعاً لكن أليكسا واصلت: "ليس لديك أدنى فكرة عما تستطيع سارة فعله وعمّا أفعله أنا، أبداً! ولا أحد منا يدري ما تفعله أنت. إذن إياك وفعل أي شيء غبي! لا يعقل أن يكون ذلك صعباً."
انعطفت سارة أخيراً نحو الممر حيث أُلقي بفين. لم يغطي وجهه مسحوق أبيض بقدر ما غطى وجه سارة وأليكسا لكنه حمل بقعاً داكنة من السخام على وجهه واختفت حواجبه واحترق الكثير من شعره. لعل تلك كانت مصدر تلك الرائحة الكريهة. لم تستطع سارة منع نفسها من استنشاق الهواء؛ أجل، تلك كانت رائحة السوء بعينيه. مدت يدها فلمست وجهها ورأسها وسحبت طرف ذيل حصانها لتراه. بدا شعرها قذراً كبقية جسدها لكنه بدا سليماً فيما عدا ذلك.
قالت أليكسا: "استمع واهتم لما يقال حقاً. لن يدعونا نبقى الآن قط. تصرف بتعقل. أقلع عن ارتكاب الحماقات ليوم أو يومين وسيدعونك تذهب. اتصل بي أو بسارة وسنساعدك في تدبر الأمور. لكن كف عن التصرف كالأبله."
أومأت سارة موافقة وانطلقت الاثنتان عاصفتين. كانت سارة محظوظة بمرافقة أليكسا لهما لترشدا طريقهما نحو العودة للسلالم.