ضحكت سارة بخفة حين رأت كتفي أليكسا تسترخييان ويدَيها تتدليان بفتور إلى جانبيها وهما تنظران معاً إلى كومة الخشب التالف. كان بإمكان المرء جمع أحضان من الرقاقات، غير أنها كانت برمّتها من النوع الذي أكدت أليكسا أنه سيحترق أسرع بكثير مما يتيح استخدامه في الطهي. وكانت سارة ما زالت تمسك بغصن طويل مستقيم التقطته مسبقاً. حدقت أليكسا في سارة لتثير موجة أخرى من الضحك. وبدلاً من الاكتفاء بالسخرية من أليكسا وجهاً لوجه، استدارت سارة وخطت عائدة نحو الغابات.
فقد لاحظت مسبقاً وجود الكثير من الخشب الأفضل بالقرب من الطريق، تماماً داخل جدران الشجيرات التي تصطف بمحاذاة الممر الترابي. وفي النهاية، لم تستغرق الأمور سوى نحو ساعة قبل أن تعلن أليكسا أنهما امتلكتا ما يكفي من حطب التدفئة. ولم تستطع سارة إلا أن تشتبه في أن السبب الحقيقي لتوقفهما كان بدء الطقس بالازدياد برودة. فقد غابت الشمس، وكانت الظلال تزداد عمقاً تحت الأشجار، رغم أن الفرصة ظلت سانحة أمام سارة لمواصلة العثور على العصي.
لكن حرارة اليوم قد زالت، وستبدو النار مريحة. أفرغت سارة حمولتها الأخيرة على الكومة التي جمعتاها، ثم جلست على العشب لمراقبة أليكسا وهي تعمل. كانت تنتقي بين الأغصان، مبنيةً شيئاً معقداً يشبه كوخاً خشبيّاً مخروطياً. كانت الطيور ما زالت تغرد، غير أن كل الأصوات الصغيرة لحركة الحيوانات قد توقفت، من المفترض لليل. وبدت سارة قادرة على سماع الشاحنات على الطريق السريع بين الحين والآخر، وربما كانت تتخيل فقط محركاتها الهدّارة وهي تعبر.
وكان الضباب في المرج قد عاد تقريباً إلى توهجه الأبيض النقي، بيد أن سارة استطاعت رؤية الحافة حيث نزعت أليكسا كل اللون الأخضر في وقت سابق. وكان الخط يكاد يختفي، ولم يتبقَ سوى فارق طفيف في درجات البياض يحدد المكان الذي توقف فيه سحب أليكسا. واستطاعت تبين انحناءة خفيفة للغاية فيه وافترضت أن المنطقة الملونة كانت دائرة ضخمة تتمحور حول المكان الذي كانت تقف فيه أليكسا.
بعد أن جلست سارة، أدارت أليكسا رأسها وقالت: "حسناً سارة، دورك الآن. سأحاول مرة أخرى بعدك".
قالت سارة: "لا أعلم".
قالت أليكسا: "أهلكِ هذا ما جئنا من أجله إلى هنا، أليس كذلك؟ أعني، يسرني وجود صحبة، لكنك أنت من أراد قدراً من السرية. هيا، فرصتك الآن لتسحبي بقدر ما استطعتِ، أليس كذلك؟".
اكتفت سارة بالإيماء وهي تنظر إلى يديها. لقد كان الأمر منطقيّاً. كانت أليكسا تعلم بالفعل، لذا فقد انكشف المستور تماماً. وكانت تتجاهل طوال اليوم الضغط المتنامي في عقلها. بل وكات تستطيع الإحساس بالطريقة التي أصبحت بها الأصوات أكثر حدة قليلاً مما كانت عليه منذ الصباح حين لعبت بذبابته. لذا رفعت رأسها، ورفعتا يديها في الهواء، وركزت على الضغط، على الرغبة في جعل تلك الإزعاجات الصغيرة تتلاشى.
واستجاب الضباب في ومضة. واستطاعت الإحساس بالضوء الأزرق الدافئ يتوهج في يديها، وكان التوهج ساطعاً لدرجة أنه كان سيعميها لو كان ضوءاً حقيقيّاً. وكان الأمر مبهجاً، وأمعنت النظر في الطريقة التي التوى بها حول يديها. لم تكن الحركة حين دار حولها دقيقة كما كانت في الليلة السابقة، بل تحركت بدوامات وفتلت في لوالب مبرمة، متخللة أصابعها وملفة حول معصميها، وواصلة إلى مرفقيها.
اتسعت عيناها، وقد نسيت الحرارة بطريقة ما. ومع امتداد الضوء نحو كتفيها كان يحترق كالنار والجليد، مثل ملايين لدغات النمل الصغيرة. التفتت باحثة عن مكان لتضعه فيه. أخذ بنطالها وقميصها بعضاً منه، لكنه بالكاد كان قطرة من القوة المجمعة قبل أن يفيضا بالازرقاق. لمست صخرة ضخمة بجانبها، فلم تأخذ سوى أقل مما أخذه قميصها. مدت يدها ولمست أليكسا، لكن القوة تجاهلت الفتاة ببساطة، مواصلة التدفق صعوداً على ذراعي سارة.
لمست عصا كانت أليكسا تمسك بها، فأخذت المزيد، الكثير والكثير أكثر مما أخذته ملابسها. أفرغت بقدر ما تستطيع، ثم استدارت وبدأت تدفع المزيد إلى كومة الحطب بالسرعة القصوى. لكن كان هناك الكثير، ولم تكن هناك حاويات كافية لوضعه فيها. واصل الاحتراق الأزرق امتداده على جسد سارة، ليملأ أخيراً فمها وأذنيها وعينيها حين انهارت على الأرض، عاجزة عن الاستمرار في تحمل الألم.
حين استيقظت سارة هذه المرة، كانت ملتفة في كيس نوم ومستلقية بجانب نار. أفضل بكثير من المستشفى. لا زقزقة طيور، بل صوت هدير خفيف من النار وحدها. ألم يُفترض بالنار أن تُفرقع؟ لا بد من أن في الخشب شيئاً ما، لم تكن سارة قد حضرت نيران مخيمات كثيرة جداً. كانت تشعر بدفء النار على وجهها، في تناقض مع الهواء المنعش الذي تستنشقه. ولا رائحة لدخان الخشب أيضاً. فتحت عينيها لترى المرج وقد استعاد لونه البنفسجي، لا بد أن أليكسا كانت تُجري تجارب أثناء غيابها عن الوعي.
كانت النار تشتعل بوهج، وتُلقي بألسنتها نحو السماء.
استطاعت سارة سماع تنفس أليكسا بجانبها، فسألت دون أن تلتفت برأسها: "كم مدة غيبوبتي؟"
تنهدت أليكسا قائلة: "ليست طويلة. ساعة؟ هكذا؟ لم يخطر ببالي النظر إلى ساعة فوراً، ولا أعرف متى غربت الشمس. يا للهول، كم أنا سعيدة لأنك استيقظت بسرعة. كنت أظن أنك ستفعلين، فلم أُصب بالعمى قط لأكثر من نصف ساعة تقريباً، وأعرف أن فين كان يستيقظ سريعاً جداً، وظننتك ستفعلين أنت أيضاً، أو هكذا رغبت. لكنك بدوتِ تتنفسين بشكل جيد، وتوقفت التشنجات بسرعة. أمم، جلبت المزيد من الطاقة، واحتجت فقط إلى المساعدة في تغطيتك. ومنذ ذلك الحين وأنا أركز على الجلوس ساكنة وحبسها فحسب، تابعت أليكسا. انظري، إنها تبقى لفترة طويلة إن لم أفعل شيئاً. يا للأسف لأنك الشخص الوحيد القادر على رؤيتها، وإلا لكنت تنكرت في زي فتاة فضائية في الهالوين. أوه، عليك النظر إلى النار بالمناسبة".
كانت سارة لا تزال تجمع أفكارها. لم تكن تشعر بالانزعاج، ومثلما حدث في المستشفى، لم يكن هناك ما يُؤلم؛ كأن الألم لم يحدث أبداً. لكنها ما زالت تشعر قليلاً وكأنها استيقظت من قيلولة مبكراً ببضع دقائق. حاولت تبلل ريقها الجاف، فجلست وألقت نظرة حولها. كانت النار حارة، وبدت تماماً كما تخيلت أن تكون النار. ألسنة برتقالية تلعس السماء، وتتوهج بلون أصفر برتقالي ساطع، بينما يميل إلى حمرة أعمق عند الحطب الأزرق.
كان الحطب أزرق، لا بد أن أليكسا استعملت خشباً حاولت ضخ القوة فيه.
هزت سارة كتفيها وقالت: "حسناً، إذن الحطب الأزرق يحترق. رائع، على ما أظن".
قالت أليكسا: "كلا. حاولي مجدداً".
تمعنت سارة النظر. كان الحطب مُكدساً على شكل كوخ مخروطي كما كان غالباً من قبل. لا بد أن أليكسا أعادت ترتيبه بعد أن بعثرت سارة كل شيء قبلاً.
"لا أفهم. إنه جميل؟ شكراً لإشعاله، لا أظن أن التخييم سيكون ممتعاً للغاية بلا نار".
قالت أليكسا بلطف: "يا فتاة، نحتاج حقاً إلى إخراجك أكثر".
بدا وكأنها تريد أن تضحك، لكنها حافظت على هدوء صوتها ونعومته.
"لقد رأيت ناراً من قبل، أصحيف؟ شموعاً على الأقل؟ فكري في الفتائل لثانية، وانظري إلى حطبك مجدداً".
نظرت سارة. لم يكن الحطب ساطع الزرقة مثل الحطب المُكدس جنباً. إن كان عليها التخمين، فقد فقد نصف طاقته ربما. أم أكثر؟ حدثت نفسها وهي تتابع بأنها تستطيع رؤية الطاقة وهي تتسرب ببطء أثناء احتراقها. واصلت المراقبة لدقائق طويلة حتى تنحنحت أليكسا وقاطعتها.
أشارت قائلة: "إنها لا تحترق، أترين؟"
وأدركت سارة. كان موقد النار مليئاً بالرماد من النيران السابقة، لكن العصي الزرقاء لم تبدو حتى متفحمة. ولا دخان ينبعث من اللهب أيضاً - كانت سارة تعرف رائحة الدخان جيداً، ولم يكن شيء يصدر من هذه النار. ظل اللهب يُطلق ضوءه البهيج وحرارته، لكن الحطب لم يكن يحترق في الواقع.