⟦1 تفضّل غروفر بمنح كلّ منا كيس حفظ، لذا لم أضطر لحمل سبائك الميثريل الثماني عشرة التي جنيتها خلال الساعات الستّ الماضية. تبيّن، لحسن الحظّ، أنّ الرتبة الرابعة لا تمنح تلك القوة السخيفة التي تمكّنه من الهرولة بجانب سيّد النقابة وهو يحمل وزن ثلاثة آلاف سبيكة، وأنّ هذه الأحقاد تخفض وزن محتواها بنسبة تسعين بالمائة فعلياً. يعني ذلك بالطبع أنه كان يهرول حاملاً وزن ثلاثمائة سبيكة، وهو أمر أقل سخافة بفارق طفيف.
كان الميثريل أخف بكثير من الفضة أو الصلب. لم ألاحظ ذلك حقاً مع خواتمي التي كانت خفيفة على أي حال، لكن الأمر بدا واضحاً جلياً الآن. تبيّن أنه سبيكة من الفضة والمانا، ولا وزن للمانا، لذا بدا ذلك منطقياً طالما تجاهلت حقيقة أن السبائك لم تتمدد أثناء عملية المزج وأن الكتلة الزائدة اختفت في مكان ما. وفقاً للفيزياء كما عرفتها، لم يكن مفترضاً للكتلة أن تختفي هكذا، وإن فعلت، وجب أن تتحول إلى طاقة وتتسبب في انفجار كبير يكفي لتفجير الكوكب.
وعلى عكس الميثريل، لم يكن الصلب المشبع بالمانا أخف من الصلب العادي، لأنه من يحتاج إلى الاتساق أصلاً؟ كانت محاولة تطبيق أي قوانين فيزيائية في مواجهة المانا كفيلة بدفع أي شخص إلى الجنون. دخلنا غرفة زعيم الطابق العاشر، وفتحت كلّ من كاري وإسلا عيناهما على وسعهما دهشة. من الواضح أن إسلا لم تبلغ هذا العمق قط. حتى غروفر بدا متفاجئاً. ثم قام سيّد النقابة بفعله المعهود، واختفى الجيش.
ظننت أن كاري تبدو مذهولة من قبل، لكن ذلك العرض حطمها، ووقفت هناك مترنحة. منحتها تربيتة ودودة.
"ويظن المرء أنه تذمر عندما نعتته بالوحش".
"عَمَّ تتحدث أيها الغلام؟ هذا الطابق العاشر فقط. انتظر حتى تبلغ الطابق الخامسين، حيث يمكن لوحش إحداث ذلك القدر من الضرر بمجرد الشخير".
تأفف سيّد النقابة وانطلق هاضماً نحو جهاز الانتقال، لكن غروفر أوقفه.
"أليس المفترض وجود غرفة خفيفة أخرى هنا؟"
نظرت نحو مؤخرة الغرفة، حيث كان الباب مفتوحاً. لم أكن متأكداً مما إذا كان عليّ تشجيع هذا أم لا...
"توجد واحدة، لكن ليس فيها الكثير ما لم تكن تعشق معارض الفنون".
أعاد سيّد النقابة التأفف.
"ولا تنس الصوت الغامض. لا أودّ إزعاج أي وحش تخاطري كان هناك، سيما بعد إلحاق هذا القدر من الضرر بالزنزانة".
تفتّت نظراتي في أرجاء الغرفة التي رمّمت نصف نفسها بالفعل، إذ كان الأرضية المتضررة تلتوي وتنمو مجدداً كأنها حية.
"لا أظن أنك فعلت شيئاً لا رجعة فيه".
هزّ غروفر رأسه، لتتأرجح لحيته كبندول.
"أنا مهتم أكثر بطريقة إخفائها".
"سحر الروح".
"هكذا سمعت، لكنك لم تذكر وجود وحوش هنا، مما يعني وجود تعويذة. أودّ معاينة ذلك بنفسي".
ألم تكن تعويذات سحر الروح شيئاً موجوداً؟ بلى، لا بدّ أنها كذلك، فقط كانت مهارة [صناعة الرونيّات الأساسية] قد منحتني وصفات لمقويات الخصائص العقلية... وبصدفة الحديث، لم أمانع التخلي عن المال، لكني لم أرد تجاهل الغرض السحرِيّ. لكن ماذا أفعل مع هذا الصانع المتحمس أكثر من اللزوم؟
"كيف تنوي معاينة الأمر بنفسك حين يكون مخفياً عنك تماماً؟"
"ربما يكون مرئياً من الجانب الآخر؟ تستحق المحاولة".
التفتّ إلى سيّد النقابة.
"الأمر لك، لكن جهاز الانتقال اختفى فور نبشناه المرة الفائتة، لذا أقترح أن ينسحب كلّ من لا يهمه الأمر الآن".
أطلق سيّد النقابةخَشْشَةً من أنفه.
"كلا، أنا خارج من هنا. يمكنك أنت وغروفر نبشه وحدكما إن كنتما يائسين إلى هذا الحد".
هوى غروفر على رأس سيّد النقابة بضربة، وبدت تلك خطوة شجاعة بالنظر إلى ما فعله للتو بالغرفة.
"أين ذهبت حسّ المغامرة لديك؟ لقد أمضيت وقتاً أطول بكثير جالساً خلف..."
صار العالم أبيض، ومع تكيّف عينائي، تبيّنت تماثيل العفاريت والجدار المحيط بالسطح.
"... مكتب. ما هذا بحق الجحيم؟"
أصدر شيء ما رنيناً على الأرض أمامي. تميمة حماية الأرض (الرتبة ٢) حسناً، كان ذلك لطيفاً؛ لم أفتح الصندوق حتى. لكنه ليس شيئاً احتجته الآن.
"أصطُلت الزنزانة للتو تميمة حماية الأرض، إن أرادها أحد".
"انتظر، ماذا حدث للتو؟"
"طُردنا من الزنزانة. لقد طابق ذلك تماماً حين أُخرجنا من الغرفة السرية المرة الفائتة".
تمتم غروفر. بدا أقلّ مرحاً بكثير مما توقعت أن يكون عليه قزم يحوز بضع مئات من سبائك الميثريل. لابدّ أنه أراد حقاً فك طلاسم تلك التعويذة. أتخيل أن إرين لم ترغب في أن يفك غروفر طلاسم تلك التعويذة، وإلا لما تكبدت عناء استخدامها في المقام الأول. لم ألمح أي رونيّات في الأسفل، لكنني لم أكن أبحث عنها حقاً. ربما كانت صغيرة للغاية؟ عادت إسلا إلى الواقع بعد تجمدها لفترة. وبدا أن استيعابها للأمر برمته ينص على أنه بما أن الأمر يفوق مستواها بكثير ولا تفقه منه شيئاً، فالأفضل تجاهله.
"امم... أودّ حقاً نيل تلك التيمة إن لم يردها أحد".
قذفتها إليها؛ لم تكن لي بها حاجة، لذا لم تكن هناك اعتراضات من جهتي. وقفت كاري مكانها، هزّت رأسها.
"لم أكن مهتمة بالزنزانات قط، وأرى الآن أنني أحسنت الاختيار... حسناً، سررت بلقاء الجميع، لكن عليّ التوجه نحو المنزل قبل فوات الأوان".
لم يبدُ غروفر مستسلماً.
"حسناً، علينا اقتحامها غداً إذن، قبل أن..."
تفرّغ وجهه، ومثله فعلت إسلا وسيّد النقابة. حتى كاري توقفت عن السير، واقفة بلا حركة غير بعيد عن بوابات المدينة. ثم استأنف الجميع المسير، وواصلت كاري المشي كأن شيئاً لم يكن. كانت إسلا أول المتحدثين.
"ينبغي لي المغادرة أيضاً. ألا زلت ترغب بوجودي غداً؟ لقد كسبت مستوى مهارة اليوم، لكني ما زلت عاجزة عن صنع الميثريل".
أعاجزة هي؟ كانت على مسافة مستوى واحد فقط خلف ما بلغته حين صنعته لأول مرة. بدا أنني كنت على الحافة تماماً... أجابها غروفر، وبدا صوته أسعد حالاً بكثير الآن.
"أجل، أرجوك. تحويل الصلب مفيد أيضاً".
لم يكن الأمر متعلقاً بمستوى المهارة فحسب؛ فقد اكتسبت مستوى صنف. ومثلها فعلت كاري. لقد نال اثنتيهما جزاء وفير نظير عمل اليوم. لكن ذلك بدا أقل أهمية فجأة؛ لأراهننّ بمخزوني من الميثريل على أن إرين فعلت شيئاً برؤوس الجميع للتو، ولم أكن متأكدة كيف شعرت حيال ذلك. لمَ نَجَوْتُ؟ وماذا فعلت هي للتو بحق الجحيم؟ ولماذا شعرت بسوء حيال ذلك أكثر من أمور كجوهر الزنزانة؟ لا ينبغي أن يشكل الأمر فرقاً سواء كان العبث بذكرياتهم مخطّطاً له سلفاً أم لا.
خاطبت سيّد النقابة.
"ما آخر شيء تتذكره قبل مغادرة الزنزانة؟"
"هاه؟ أأخلدت إلى النوم أو ما شابه؟ لقد ذبحت العفاريت، وغادرنا الزنزانة. هذا كل ما في الأمر".
"أنهبت الصندوق؟"
"ماذا، بالطبع لم تفعل. نحن... هاه؟ أظن أنك فعلت لا بد... متى؟ حسناً، تلك خدعة بارعة. لم ألمحك حتى".
رأيت وجهه يستقر بينما لاحظ ثم برر التناقضات في ذاكرته. بدا أن كل الحديث عن الباب الآخر والانتقال الإجباري اللاحق قد حُذِف. ربما نسوا وجود الباب أصلاً. كيف أصوغ سؤالاً عنه كي لا أبدو مجنوناً؟ أوه، لا بأس، لقد مشى سيّد النقابة مبتعداً دون حتى أن يودعني. سأنتظر حتى الغد وأرى إن كان أحد يأتي على ذكره. كانت إسلا أكثر أدباً، إذ لوحت ثم استدارت لتغادر هي الأخرى. تركني ذلك وحدي مع غروفر.
"شكراً جزيلاً لك أيها الصبي. ومع توفر إمدادات الميثريل، سنتمكن أخيراً من طرح سلع مسحورة ملائمة في السوق".
همم؟ لقد تلفظ للتو بأمر مثير للاهتمام.
"لماذا يتيح لك الميثريل بيع سلع مسحورة؟"
"حقيقة قليلة الإحاطة، لكنه المادة الوحيدة القادرة إلى ما لا نهاية على حمل التعويذة. لا يود الناس شراء أشياء تتداعى بعد أسبوعين".
"هاه. كنت محقاً إذن. افترضت أن الأمر كذلك، لأن عناصر الزنزانات منقوشة برونيّات على صفائح ميثريل دقيقة، ولم أسمع بانحلالها قط".
"أوه، ألاحظت ذلك؟ عيناك حادتان أيها الصبي. حاولنا تفكيكها واستخراج الميثريل من قبل، لكن الأمر ينتهي دائماً بالتلوث".
"في الواقع، حدده لي صديق حدّاد، لذا لا تبالغ في مدح عيني".
"أراهن أنها كانت فكرتك مع ذلك. يجعلك تتساءل عن الحقائق الواضحة الأخرى التي نفوتها تماماً. لو امتلك عالمك السابق مانا، فلربما وجدت حفنة أخرى من الأمور التي أشرت إليها".
لربما وُجدت.
عاد ذلك ليطرح سؤال «أيمكنني ممارسة السحر بلا النظام».
كنت أواصل التدرب على استشعار المانا بلا مهارات من حين لآخر، ولم أكن أفضل حالا مقارنة ببدء فحسب، بل كنت أتحسن بوضوح أيضاً. لقلت إنني أضاهي مستوى [استشعار المانا] المتوسط. لكن حين تعلق الأمر بالتحكم في المانا، أو إلقاء التعويذات، لم أفلح بشيء. كان محتملاً أن يكون الأمر سهلاً، وكنت أجهل الكيفية فقط. وإن كان شيئاً خبرته على الأرض، فكم كنت سأغدو فائق القوة هنا بحق الجحيم؟
بعد أن لوحت مودعاً للقزم، توجهت نحو مسكني لتدبير أمر المساء. انتظرني المزيد من التجارب. آن الأوان لأرقى لمستوى سمتي [باحث]؛ كنت سأخضع النظام للبحث العلمي حتى الموت وأحول نفسي إلى بطل إيسيكاي فائق القوة على الأصول. أولاً؛ أيمكنني إعادة تعبئة مخزوني من المانا يدوياً؟ جلست على سريري، مغمض العينين، مكرراً تعويذات الرتبة الأولى حتى فرغ نصف مخزوني، ثم حاولت نقل مانا المحيط إلى جسدي يدوياً.
لم يسِر الأمر على ما يرام؛ وفور وضعي ضغطاً على المانا، زهر إحساس حارق مؤلم في صدري، شبيه بنوبة حرقة معدة. توقفت فوراً، لكن الألم بقي، ولاحظت بذعر انخفاض بضع نقاط من صحتي. حسناً، كان ذلك أقل نجاحاً... ماذا حدث؟ لم أكن أحاول تحريك الكثير من المانا على الإطلاق. ربما ليس بالقدر الكافي للفت الانتباه مقابل معدل التجدد الطبيعي. ألم أكن أحاول فرض الكثير من القوة حقاً؟ أم كان أمراً متعلقاً بالنظام لإجبار الناس على استخدام التجدد الطبيعي؟
لكن أسلوب إرين المعتاد تمثل في مرشح سحر الروح لمنع أي شخص حتى من محاولة ذلك. هل كان شيئاً متبقياً من النظام الذي سبق إرين إذن؟ لم أقتنع؛ كان الأرجح أنني ارتكبت خطأ ما. كيف، بالتحديد، امتصصت المانا طبيعياً؟ ربما وُجدت تفاصيل عجز إدراكي عن رصدها بدقة كافية. لم تكن مانا المحيط المنتقلة إلى عضوي الغامض متجانسة؛ وبدت كأنها تشكل تيارات منفصلة. لربما وُجدت مداخل من نوع ما، وقمت بما يعادل محاولة دفع الدم إلى قلبي عبر الجدار عوضاً عن الأوعية الدموية.
ويا لحسن حظي أنني دفعت بخفة فقط... حان وقت مزيد من العلم. إن حولت المانا خلال جسدي، فلربما أنجز نوعاً من الأشعة السينية للمانا. إن استطعت تحديد شكل هذا العضو، فسترتفع فرص نجاح هذه العملية. أو بوسعي الذهاب والعثور على جثة بشرية لتشريحها... أو ربما السؤال؟ تركز الشفاء بغالبيته على إلقاء [شفاء]، وتجديد المانا، والتكرار، لكن ريتشارد عرف بعض التشريح حقاً. في الواقع، كانت تلك نقطة جيدة؛
تذكرت دهشتي لكون الجميع هنا يدركون الغاية من الدماغ، ثم التعمق لاحقاً واكتشاف أن غايات الأعضاء الداخلية كانت معرفة شائعة. ورغم ذلك، لم يذكر أحد قط عضواً إضافياً. أكان ذلك لأنني كنت أوجّه المحادثات نحو الأعضاء التي عرفتها، أم لم يكن ذلك جزءاً مادياً من جسدي في الأصل؟ كشفت بعض التجارب عن بيضة موجهة عمودياً، مع بروزات تموضع معظمها بمحاذاة أوعية المانا التي تراءت لي.
ولم تتماشى بضع بروزات منها، وبدت مقترنة بتيارات مانا المحيط. لربما كانت تلك بغيتي. احتملت طاقتي بضع نقاط صحة إضافية، لذا أعددت لمحاولة أخرى. غاب الاحتراق هذه المرة، ومع استمراري في ذلك، راقبت تصاعد مانا الخاص بي بوتيرة أسرع قليلاً من المعتاد. لم يبلغ مستوى ألحظه دون الدقة الإضافية من [دقة المانا]، لكني تيقنت تماماً من نجاحه. دفعت بقوة أكبر، وتصاعد تجددي أكثر. ثم دفعت بكل قوتي الممكنة، وقفز تجددي بأكثر من النصف.
لم يضاهي [التأمل]، لكن ماذا لو فعلت ذلك داخل زنزانة؟ رنّت مهارة [إدراك المانا] لتتقدم إلى المستوى ٨ رنّت مهارة [التحكم الأعظم في المانا] لتتقدم إلى المستوى ٩ نظير أبحاثك في طبيعة المانا، تمنحك [باحث] نقطتي روح. نظير أداء إنجاز مرتبط بالصنف، تكسب نقطة روح واحدة تقدم صنف [ساحر الجسد] إلى المستوى ١١