قال الملك بصوت خفيض، وهو يرمق القاعة بأسرها وحدقات العيون مسسمرة على إشعار العالم غير المعقول: "أظنّ هذا يغنينا عن اختراع خطبة غريس..."
وبالنسبة لمن يتحدثون لغة أهل البلاد، فقد ظهر الاسم صحيحاً، غير أن العمر المتبقّي ظلّ مخلاً.
حذّر فارس الديوان قائلاً: "لا تكن واثقاً إلى هذا الحد. فمع حاجب التقييم الذي تملكه، ليس لديهم أي سيلة لتأكيد اسم روز. وكل ما يعتمدون عليه هو ذلك العمر المشوّه. أقترح أن تقول شيئاً، بدل تركهم لأنفسهم هكذا".
وكما كان متوقعاً، سرعان ما سرت همهمة خافتة في أرجاء القاعة، فتحولت بسرعة إلى غمغمة ثم إلى نقاش مستعر. وقبل أن يمضي وقت طويل، سترتفع الصيحات. نهض الملك، وانتشر حضوره الملكي في أرجاء القاعة ليطغى على المكان. بل إن كيليلا وريلاندرا لتفتا والتفتتا نحوه. أما ميستري فكانت لتدير رأسها، لولا أنها كانت تنظر بالفعل بفضل مهارة الرؤى المتعددة.
"دعوني أقدم تهنئتي لميستري لحصولها على إنجازها الأسطوري الأول. وأرجو أن يكون الأول من بين إنجازات عديدة. كما أتقدم بالشكر نيابة عن مملكتنا إلى ريلاندرا ليهيببورن، لمجازفتها بحياتها لمساعدة البطلة في مهمتها بوصفها عضواً أخيراً في رفقائها".
وهوى جئزاً إلى مقعده، متمتماً في طريقه للجلوس بصوت عال بما يكفي ليسمعه أي شخص يوظف مهارات الإصغاء: "وبما أن بإمكانك التحدث بلغة تلك البطلة، فرجاءً لقّني تلك البطلة شيئاً من الفطرة السليمة الملعونة".
وعادت الأصوات ترتفع مجدداً من بين الحاضرين، هذه المرة مشوبة بقدر غير يسير من الإحباط.
قال أحدهم: "لم يفاجأ أحد من فلينل بتصرف ريلاندرا. أستطيع أن تفهم احتفاظ الملك بنفسه تحت السيطرة لئلا يفشي بشيء، لكن ما لا أستطيع استيعابه هو ألا يرف لأحد الحراس حول القاعة جفن، رغم أن أحدهم ألقى تعويذة بالقرب من جماعة البطلة".
"أتظن أن هذا مدبّر؟"
"كلا. لقد تفاجأوا جميعا بإشعار العالم. حتى الملك، رغم أنه أخفى ذلك ببراعة. أعتقد أن هذا الحدث برمته كان وسيلة لتقديم البطلة إلى ذلك الفاجر الخالد الملعون".
"فاجر خالد؟ ريلاندرا؟ ومن تكون؟ أليست مجرد مبعوثة عشوائية من الوادي، إذاً؟"
"تباً لكلا. إنها إحدى أميراتهم. وهي تكاد تجمع الأبطال جمعاً. ها هي قد علقت ببطلة أخرى. وبدعم كامل من فلينل، على ما يبدو".
"لم يوجه البطلة... تبا لي إن لم يكن فعل! لقد رتب بعناية لتلتقي بمن يريدهم!"
"ليس فقط من أرادهم. لا تنسَ أن كللينا كنا هناك وتصافحنا بالأيدي. وإذا كانت ميستري هذه حقاً هي طفل كيليلا الذي لم يولد بعد وتستخد شيئاً شبيهاً بالإسقاط النجمي للمراقبة، فإن أي شخص يملك طريقة لإدراكها والقدرة على التحدث بلغتها كان بإمكانه استباق ريلاندرا".
"وكانت واثقة تماماً من أن أحداً لن يفعل، حتى أنها انتظرت حتى اللحظة الأخيرة. اللعنة. لقد خُدعنا، لكني لا أظن أن بوسعنا فعل أي شيء حيال الأمر".
"لست متأكداً من أن هناك ما نرغب في فعله أصلاً. علينا التأكد من أن الجميع في الوطن قد تلقوا إشعار العالم ذاته، ولكن بافتراض أنهم فعلوا، فيمكن اعتبار هذا أمراً جيداً. لقد شهدنا بعض النشاط المتزايد من الغابة الملعونة، لكنه لم يبلغ الحد الذي يجعلنا نصرخ معلنين ظهور سيد الشياطين. ومع ذلك فالطلة خارجة بالفعل لقتل الشياطين. وكما قال ملكهم، قد تنتهي هذه الدورة بدمار أقل بكثير من المعتاد".
"هذه نظرة متفائلة للأمور. آخشى مع الأسف أن ملكي سيغضب بغض النظر عن أي شيء".
خارج أسوار العاصمة، ارتجفت فيليث. وما كان مجرد حكة مزعجة في مؤخرة عقلها قد تحول فجأة إلى شوكة حادة مغروسة في دماغها. فرمقت ميستري بنظرة حارقة — فموقعها كان واضحاً رغم الجدران الكثيرة والتعاويذ التي تفصل بينهما — وقد انقبض وجهها مرتدياً قناعاً من الكراهية.
سأل الرجل المؤدب لكن عديم الملامح الجالس مقابلها: "أتحبين بخير يا مولاتي؟"
ولم يكن الظهور بمظهر لافت للنظر أمراً محبذاً في مجال عمله؛ فوجهه البسيط الذي لا يسترعي الانتباه يصلح تماماً كبديل جيد حين تفشل مهارات التخفي.
فأجابت من بين أسنان مطبقة: "أنا بخير".
ولم يحاسبها على كذبتها الواضحة، يرجع ذلك أساساً إلى أن معاملة العميل بمثل هذه الطريقة تعد سوء أدب، ولأنه كان منشغالاً بقراءة إشعار عالمي.
"إذن، للتوضيح فقط. الهدف هو الجنين الذي لم يولد بعد للساحرة البلاط كيليلا، والذي أسمته ميستري".
فردت فيليث باقتضاب وهي التي أمضت وقتاً كافياً في تتبع جماعة البطلة حتى صارت تعرف أسماء كل المتورطين تمام المعرفة: "نعم، نعم. لقد قلت ذلك حرفياً للتو. وكما قلت، ليس عليك الإمساك بالأم. بل اقتل طفلها فحسب. دس لها سماً يسبب إجهاضاً أو ما شابه".
أومأ حكم الموت بأدب وهو يومئ بيده تحت الطاولة. وتحولت الغرفة فوراً إلى ساحة تعج بالحركة، انتهت بسفك كمية لا بأس بها من الدماء التي كان المفترض أن تبقى داخل جسد ما.
تمتم رئيس نقابة القتلة المحليين وهو يفقس رجاله للتأكد من أن أحداً منهم ليس في خطر داهم: "يا للأسف. لو كانت كما أظن، لكان قد فاتنا بالكاد إنجاز نادر على أقل تقدير. وربما ملحمي أيضاً".
فرد نائبه: "وإن لم تكن كذلك، فهذا مبلغ طائل من المال ألقيت به أدراج الرياح".
فبصق المعلم قائلاً: "تباً. قد لا أملك ولاءً خاصاً لهذه المملكة، لكني مهتم إلى حد كبير باستمرار وجود البشرية جمعاء. وكيفما كان الحال، يتعين عليك أن تكون مهتماً كذلك، ما لم تكن ترتد مقنعاً مقنعاً حقاً".
"أترانا يجب أن نحذر أحداً، إذن؟"
"لا شكراً. لقد أدّيت واجبي المدني لهذا اليوم. وحسب ما وصفه ذلك العميل الطموح من قدراتهم، فهم كفيلون تماماً بالعناية بأنفسهم".
بدت ميستري مندهشة وهي تراقب الجنية تفحص نفسها بإعجاب، وتتحسّس زيّها الجديد بفضول، غير آبهة بالحفل ولا بالناظرين. حتى إنها حاولت التخلّص من ملابسها، لكن محاولتها باءت بالفشل بحسن حظّ الجميع. وحتّى إكليل الزهور ثُبِّت على رأسها.
"جميل أن تكون بهذه الحماسة، لكن يا إنكليزية!"
تذمّرت ميستري، قبل أن تملّ الانتظار فتطير بسرعة لترى ما فاتها.
"يا للهول، تبدو غريس وروز في أبهى حيّة! لعلّ لنظرية الفساتين الطويلة وجاهةً بعد كلّ شيء؟ لا أقول إنني اعترضت عليها؛ لكنها لا تناسب الفتيات الساحرات. ليس في ساحات القتال على الأقل. لعلّي أبتكر لهنّ هيئات أميرات، كبعض محاربات البحار؟ وليس هنّ وحدهنّ. الجميع هنا مرتدون أفخر الثياب. لا بدّ من أن الأمر مهمّ. حسناً، الملك هناك، إذن هو مهمّ بحكم وجوده. وتلك على الأرجح الملكة والأطفال. أترى سبباً لهذا الفراغ؟"
في هذه اللحظة، لاحظت ميستري أخيرًا الشبه العائلي بين غريس والثنائي الآخر من الفتيات عند الطاولة، وتذكّرت رسالة الارتقاء في المستوى التي تحدثت عن آفاق زواج أميرة معيّنة.
"انتظري... هل هي أميرة بحقّ؟! أيعني هذا أن النصف الآخر من الرسالة كان صحيحاً أيضاً؟! يا للهول! ماذا فعلت؟ أيتها الجنية، أحتاجك!"
عادت ميستري أدراجها طائرة، لكنها توقفت بغتة عند رؤية ما لا مكان له في الحفل بتاتاً.
"أترتدى هذه البزّة... بَزّاقة؟ حتى إن لها ربطة عنق صغيرة تحت... ممم... ذقنها؟ طيّة الشحم تلك؟ كيف يعمل هذا أصلاً؟ سترتها ذات أكمام وبنطال يغطي ظهرها. أو لعله بنطال مفرد؛ فليس لها سوى ساق واحدة. لكنّه يستحيل أن يحيط بها كله، وإلا كيف تمشي؟ أفترض أن كونها تبدو كالبزّاقة لا يعني بالضرورة أنها تحركت بالطريقة نفسها. وهي أكبر منّي! أعني، أكبر من إنسان عادي، نظراً لأنّ البزّاقة العادية ستكون أكبر منّي الآن."
التقت ميستري أخيرًا بكائن زيكرياني، اختار تلك اللحظة ليخرج مجساته من أحد الكمّين، ويلفّهما حول كتلة خضراء مريبة على طاولة، ثم يقذفها في فمه.
"يا للقرف"، فكرت ميستري، ثم لمحت الزيكرياني الآخر.
"معاذ السيّد"، فكرت، وهي تهرع عائدة إلى كيليلا.
"النظر إلى ذلك طويلاً سيُفسد عليّ فساتين السهرة للأبد. أرجوك! لقد علقت صورة فتاة ساحرة على شكل بزّاقة في ذهني! لا أريد هذا! آمل ألا يتداخل هذا مع التعويذة في المرة القادمة التي ألقيها فيها. لقد أفسدت حياة غريس بما فيه الكفاية دون أن أحوّلها إلى بزّاقة. لا عجب أنها بدت غاضبة دوماً."
عادت إلى كيليلا تماماً بينما كانت تنهي شرحاً لريلاندلال، وإن بدا مختصراً بعض الشيء نظراً للأجواء العدائية الخفيفة.
"إذن... هذا نوع من الزي تمنحه ميستري لحلفائها، ويوفر دفاعات سحرية وتعزيزاً للقدرات البدنية؟ لم أره مثله قطّ. يا له من أمر مشيق"، تهلّلت الجنية، سعيدة برؤيتها شيئاً جديداً حتى قبل أن تحظى بحديث لائق مع [البطل].
"إذن أبطال الإنكليزية الآخرون الذين عرفتهم لم يتحدثوا أبداً عن هذا النوع من الأزياء؟"
سالت روز، مقاومة رغبة في طلب عرض ميستري لنسختها الخاصّة. فقد بذلت غريس جهداً شاقاً لتحفر في ذهنها لماذا سيكون ذلك فكرة سيئة. ... الكثير من ذلك بدا غير ذي صلة الآن بعد أن فعله شخص آخر أولاً، لكن روز عزمت على التصرف بتعقل.
"لا، أبداً. لكن الناطق الأخير بالإنكليزية كان منذ زمن بعيد، وأنتم البشر تعيشون أعماراً قصيرة. الوقت يمضي هنا أسرع من العالم الذي أتى منه الإنكليز، ومع ذلك، ربّما تغيّر الكثير منذ ذلك الحين."
"أنسى دائماً أنك لست في سنّي"، تذمّرت روز.
"هذا المظهر غير منصف."
"هكذا تظنين، ومع ذلك لبذلت الكثير لأعود شابّة مجدداً، ولأرى العالم بعينين جديدتين."
"أهلاً بك معنا"، قالت غريس، مقيمة جداراً من الآجر فجاظةً أمام تلك النقطة.
"أتطلع إلى العمل معك."
"وأنا معك. سيحسن العالم صنعاً إن قضى على جحافل الشياطين مرة أخرى، وما رأيت قطّ [بطلاً] بهذه... السرعة. قد يكون هذا الدور فريداً حقّاً، وهو ما عجزتُ عن قوله منذ زمن بعيد جداً. واأسفاه، يبدو أن حليفنا غير المولود قد بدأ يفقد صوابه."
وبالفعل، كانت ميستري قد ملّت الانتظار، وشرعت تومض باللون الأبيض وسط مجموعة فتياتها الساحرات (غالباً).
"ميستري، أعلم أنك متحمسة، لكن عليك الانتظار"، قالت كيليلا، مع علمها التام بأنها لن تفهم.
"سيحوذ وفير الوقت للحديث حين ينتهي هذا الحفل."
"أتريدينني أن أكتب ذلك بالإنكليزية؟"
سألت ريلاندلال.
"أرجوك نعم. أو في الحقيقة، فكرة أفضل. اكتبي إن التعويذة التي أوشك على إلقائها هي سحر الترجمة، وعليها تخيل 'المعنى' وهو يتسلل إلى رأسها كلما سمعت اللغة أو نظرت إليها. المهم ألا تتخيل نفسها تقرأ بصوت عالٍ. لا ينبغي لها محاولة فهم الأصوات، بل السماح لنفسها بالتعرض للغة أخرى ليطفو المعنى في ذهنها تلقائياً."
فكرت ريلاندلال ملياً فيما إذا كنّ يحاولن الاستغناء عنها، لكن الحقيقة كانت أنها تمتلك بالفعل [عضو فرقة البطل]. وفوق ذلك، وبفضل الإعلان العالمي، عرف كل من أدرك شروط [البطل المجتهد] أمرها. وهذا إنجاز لم تره منذ أمد بعيد أيضاً. فلقد مرّت فترات تاريخية، حين ضعفت الممالك المحيطة بالغابة الشيطانية بسبب الحروب أو الأمراض أو المجاعات، أدى اليأس فيها إلى دفع أبطال لا تتجاوز أعمارهم السادسة إلى خطوط القتال الأمامية، أما في هذه الأوقات المترفة، فكان يُدلل الأبطال، حسب رأيها.
غير أنها لم ترَ قطّ أحداً بحداثة سنّ ميستري يخوض القتال. كان ذلك أمراً غير مسبوق، حتى بالنسبة إليها. دوّنت الرسالة، فتمتّ ميستري بوميض أخضر، قبل أن تطير مستقرة فوق رأس كيليلا. وألقت التعويذة كما وعدت، فانكبت ميستري، بصورتها وكلماتها السحرية، على التدرب بهدوء. وبقسط يسير من التركيز على رؤيتها الشاملة، راقبت طاولة طعام تُفرش وتُلتهم في التو. تواصل الرقص، فغادر الأمراء والأميرات منصاتهم المرتفعة للمشاركة، لكن الفتيات الساحرات حاولن الابتعاد عن الساحة قدر الإمكان، لإحباط كل من دعاهنّ للرقص.
وحين وطأ الملك والملكة حلبة الرقص، كانت جهود ميستري قد أثمرت. دينغبجهودك المتواصلة، فتحت مهارة [الترجمة].
"أهتدى أحد إلى مغزى ذلك العمر بعد؟"
سمعت أحدهم يقول.
"لا، لكنه يستحيل أن يكون العمر الحقيقي. فحتى أقدم الخالدين المعروفين لا يمتلكون هذا العدد من الخانات. ليس قريباً حتى."
"على أحدهم أن يعلّمهن البرمجة، وكيف تعمل الأعداد الصحيحة ذات الإشارة والتفاف الأعداد"، تمتمت ميستري ضاحكة لنفسها، ظانّة أنهن يتحدثن عن إنجازها، ثم استحضرت حالتها لتحدق فيها.
بعد فترة طويلة بلا مهارات جديدة، نجحت في تحقيق أربع دفعة واحدة! ثم تنبّهت للمشكلة في حالتها. ليست بالمشكلة العظيمة بحد ذاتها. ليس بعد. لكن ميستري لم تكن ترغب في تفاقم الأمر بتاتاً.
"أظن آن الأوان لأتوقف عن حصد الإنجازات..."
*Spoiler*