قرأ [الفارس الملكي] التقرير الختامي لفصيل الحراس. بدا له مقلقاً أن قليلا أظهرت فجأة ثقة غريبة تجاه المخلوق المجهول، وربما ترجح كفة قراره بإبعادهما بهدوء ولطف عن العاصمة لو كان يصنع قراره الآن.
وكان "المخلوق المجهول"
أفضل ما استطاع وصفه به. فشلت مطالعة عدة موسوعات للوحوش وتوجيه أسئلة مباشرة إلى بعض الخبراء في الكشف عن أي فصيلة تستطيع الاندماج مع مضيف بشري خفية دون استخدام مهارات. وأوحى ذلك بأنه معدل بطريقة ما، أو ربما مصطنع بالكامل. ومرة أخرى، أشار ذلك إلى تورط طرف ثالث، وبالتالي لكان ذلك سبباً يمنع تركها تتجول دون مراقبة. ومن جهة أخرى، استمر في إظهار سلوك حميد فحسب. كان يتجول ويتملى الأشياء.
ويصنع أضواء صغيرة. وبدا أنه يستمع إلى دروس لغة قليلا، أو على الأقل لا يهيم على وجهه ويعبث فساداً أثناء تقديمها لها. وتحدث كل تقرير أرسله الحراس عنه بود أكبر، إذ اقنعهم سلوكه بأنه ودود. وبالنتيجة، لم يجد سبباً لتعديل خطته. فوقفت الرغبة في إبقاء هايدالف متاحاً ومستعداً متى احتج المملكة إلى مهاراته في كفة، بينما ثقل التهديد الذي يمثله مخلوق مجهول الهوية في الكفة الأخرى.
وأرسل تعليمات إلى مرصد كارن لإبقائهما تحت المراقبة السرية، وأكد التقرير أنه كان محقاً في افتراض أن قليلا ست بذل الجهد لفتح قنوات الاتصال. ولم تكن هناك حاجة لاتخاذ إجراء إضافي. غير أن نقطة واحدة أثارت القلق. نقر بإصبعه على فقرة التقرير التي تصف المخلوق وهو يلقي [ضوء]. فلماذا إذن لم يرسل شخص من وزارة السجلات تقريراً عن إنجاز [التعويذة الأولى]؟أفشلتهم ملاحظته؟ ولم يكن ممن يتركون خيوطاً سائبة في أي تحقيق، فخط بسرعة رسالة للتحقق.
من بين كل أعضاء جسدها التي كانت ميستري تفتقدها في الوقت الحالي، كانت مؤخرتها آخر ما خطر ببالها. وبينما كانت عربة تهتز بشدة على الطريق الحدودي من راحة كارن إلى حراسة كارن، لكان كيليلا وهايدالف قد دفعا الكثير ليفعلا شيئاً بشأن الألم في مؤخرتيهما. عربات الركاب لم تُبْنَ للراحة عادة. الراحة تكلف مالاً، ولو امتلك الركاب المال لاستقلوا شبكة الانتقال الآني. ناهيك عن أن الطرق على الحدود لم تكن الأفضل.
إن استطاعت عربة شحنات قطعها دون أن تتضرر البضائع، فهي جيدة بما يكفي.
أقسم هايدالف: "في محطة الاستراحة القادمة، سأقوم بسحر هذه العربة اللعينة. لا يهم إن كان السائق لا يملك ثمن ذلك، سأفعلها مجاناً. لقد فقدت كل شعور أسفل خصري".
قالت كيليلا التي لم تفقد شيئاً: "يا لك من محظوظ".
ابتسم رجل أكبر سنّاً بقليل يجلس قبالتهما بابتسامة خبيثة، وله عضلتان مفتولتان في ذراعيه تضاهيان ساقي هايدالف، وساقان تضاهيان جذعه. كان الأضخم بين مجموعة من ثلاثة أفراد، يرتدون جميعاً أمتعة ثقيلة وعباءات سفر سميكة.
وقال: "أمتأكدون أن زوجين ضعيفين مثليكما يجب أن يتوجها في هذا الاتجاه؟"
قالت كيليلا التي لم تكن متأكدة: "لا".
"هاه. نحن لا نخشى بضع غوبلنز".
"بضع غوبلنز؟ هاجمت قطيع من الذئاب يضم ثلاثين ذئباً مزرعة البارحة. لهذا نتجه إلى هناك. وضعت النقابة مهمة دائمة لتقليص أعداد وحوش الغابة. هناك مال وفير يجنى".
"واحد أو مائة سيان. الوحوش الضعيفة تظل ضعيفة".
"تحدث عن نفسك، أفضّل ألا أتعامل مع مائة من أي شيء. القدرة على الاحتمال لها حدود، كما تعلم".
"أنا ساحر. ستحمي التعويذة الجيدة المكان من الدخلاء مهما بلغ عددهم".
"حسناً، هذا عدل. يسعدني لقاؤكما. أنا بلاتوس، [ضارب الفأس]، وهذه زوجتي الجميلة".
قاطعت المرأة ضئيلة الحجم التي تجلس بجانبه: "ميلودي، [السيافة]".
"وهذه ابنتنا روز، [سيافة مبتدئة]. توقفي عن الاختباء وألقي التحية".
رفعت الفتاة المحشورة بين الزوجين المغامرين غطاء عباءة رأسها لتكشف عن مراهقة صغيرة.
حيت بهدوء قائلة: "مرحباً"، ولم تحسن النظر في أعيُنهم تماماً.
قال هايدالف مقدمًا نفسه مما جعل أعيُن العائلة المقابلة تتسع: "يسعدني لقاؤكم جميعاً. أنا هايدالف، [الساحر المعلم]".
أضافت كيليلا، مما جعل الثلاثة يكادون يسقطون من مقاعدهم: "كيليلا، [ساحرة البلاط]".
ما لم يقله الثلاثة بحذر شديد هو: "لما بحق الجحيم يوجد أشخاص مثلكم في هذه العربة?!"
مع أن تعابير وجوههم أوضحت بجلاء تام ما كانوا يفكرون فيه. في هذه الأثناء، كان سبب وجودهما في العربة يتدرب على [الإسقاط النجمي] عبر الجلوس فوق رأس كيليلا. لم تقم كيليلا بأي محاولة أخرى للتواصل طوال الرحلة، إذ لم ترد أن تبدو مجنونة تماماً أمام الركاب الآخرين، مما ترك ميستري لتصنع تسليتها الخاصة. كان الجلوس على الرأس حيلة أصعب مما تبدو عليه، نظراً لأن رأس كيليلا لم يكن ملموساً بالنسبة لروح ميستري الإسقاطية، وكان يتأرجح في كل اتجاه بفضل العربة المتقلبة.
واصلت الغطس عرضاً في المادة الدماغية بالخطأ، أو الارتداد في الهواء، أو الطرد من مؤخرة العربة في إحدى المرات مما أجبرها على الطيران بأقصى سرعة اللحاق بها. دينغ. لأجل عرض سيرك آسر، ترتقي [الإسقاط النجمي] إلى المستوى 14. لقد أخفقت في متابعة الحديث، لكنها التقطت المقدمات على الأقل. كانت تعرف شكل اسمي كيليلا وهايدالف، ومن هناك استنتجت أسماء الآخرين. بل التقطت اسم روز أيضاً؛
كانت كيليلا تزرع الورود في حديقة عاصمتهما، لذا سمعت الكلمة خلال درس اللغة الأول لها. لكن في اللحظة التي خلعت فيها غطاء رأسها، فقدت ميستري كل اهتمام بالحديث تماماً. كشفت روز عن رأس كامل من الشعر الأزرق السماوي، بعينين متطابقتين وملامح لطيفة. ولم تُترك ميستري المهووسة إلا بفكرة واحدة في ذهنها.
"إنها مادة فتاة سحرية مثالية! هذا الشعر من طراز الأبطال، وتعبيراتها المترددة والشجاعة في آن. وطريقة إزاحتها لغطاء رأسها لتكشف عن نفسها. بل إنها سيافة أيضاً! أو سيافة نسائية؛ أسماء فئات غبية متحيزة جنسياً. لكنها افسدت نظام تسميتي بالفعل! أعني، يمكن للورود أن تكون زرقاء، لكنه ليس اللون الأول الذي سيتبادر إلى أذهان الناس، وتلك التي في حديقتنا كانت حمراء تقليدية. أسيُدي استدعاؤها 'روز بلو الفتاة السحرية قاضية الشياطين' عملاً مجدياً، أم سيظن الجميع أن ذلك غبي؟ ثم مجدداً، لن تكون هوية سرية ذات بال إن حوت اسمها الحقيقي. في الواقع، لا أستطيع التفكير في أي صنف من الزهور تكون تلك الدرجة من الأزرق الفاتح خياري الأول. حسناً، لا بأس. لنكتفِ باسم أستر بلو، وإن توصلتُ إلى نظام تسميات أفضل لاحقاً فيمكنني تغييره. لست مرجحة لرؤيتها مجرد أن نغادر هذه العربة على أي حال".
تحركت ميستري في مكانها قليلاً بينما ترددت أصداء تلك التداعيات عليها.
"العنة، لن أراها مجدداً أبداً! إن تركتها تذهب الآن... أعني، هذه هي المرة الأولى التي أخرج فيها من الجزء المتعجرف من تلك المدنية الكبيرة، والمنطق يقتضي وجود الكثير من الأطفال في سن مناسبة في مكان ما. وبما أن أول من رأيتها مثالية هكذا، فالاحتمالات عالية لأصادف أخريات... آه، لا مكان للمطق هنا. هذا قدر، اللعنة. قدر!"
استمرت ميستري في التحديق في روز، متخلية عن مهارتها في التوازن ومحلقة في الهواء لتلقي نظرة جيدة على قوامها.
"نبتة الأستر لها بتلات أكثر من اللوتس، لكنها أرفع. كما أنها تبدو مسطحة أكثر عادة، لذا فهي ليست على شكل تنورة طبيعياً. هممم. ربما يعمل النوع ذاته من التنانير ذات البتلات لو كانت البتلات مستقيمة لا منحنية؟ أم سيجعلها ذلك تبدو كأنها مخروط مبالغ فيه؟ وقميص تريكو أصفر؟ أم سيكون مشابهاً جداً لتصميمي 'لوتس بينك'؟ يحتاج الفريق إلى ميزة تصميم موحدة حقاً... تب، ليتني امتلكت فريقاً كاملاً مجتمعاً الآن، لكان بإمكاني تصميم الأشياء بشكل صحيح وثابت".
بالعودة إلى العالم الحقيقي، كانت عائلة المغامرين لا تزال تتخبط. لم تكن [ساحرة البلاط] فئة يمكن للمرء الحصول عليها مباشرة، بل تطلبت تعييناً في المنصب. شخص يمتلك تلك الفئة كان نبيلًا تلقائياً. كان ثمة نبيل معهم في العربة. كيف يفترض بهم التفاعل مع ذلك؟
قال هايدالف محاولاً الطمأنة: "لا داعي للقلق بشأن الإتيكيت وكل تلك الخزعبلات. لقد تلقينا ما يكفي وأكثر من ذلك في العاصمة. لسنا سوى زوج آخر من النكرة المتوجهين لبدء حياة جديدة على الحدود".
تأمل بلاتوس للحظات أخرى قبل أن ينفجر ضاحكاً بجلجلة.
"حسناً، أنا أتراجع عن كل شيء. لا جدوى من علاج مؤلمة متقرحة إن كانت هذه هي المرة الأولى التي تمتطي فيها عربة عامة، لكنكم لستم لينة قط، إذ تتنازلون عن حياة رغيدة في العاصمة للتوجه طوال هذا الطريق إلى هنا".
وباعتبار ميلودي المفكرة في المجموعة، فلم تجهر بسؤالها عن سبب استقلالهما لعربة بدلاً من الانتقال الآني. وعلى عكس بلاتوس، خمنت بنجاح أن الرحيل لم يكن خيارهما بالكامل. فات روز التبادل برمته، إذ كانت مركزة على أمر أهم بكثير فوراً. وبعد أن رمشت بضع مرات وفركت عينيها مؤكدة أن ما كانت تنظر إليه كان حقيقياً بالفعل، صرخت، وهي تخمش ملابسها محاولة تمزيقها.
"روز؟ ما الذي يجري... ملابسك تتوهج!"
"أستطيع رؤية ذلك! لا تقف هكذا وتذكر الواضح وساعدني!"
قالت كيليلا وهي تركز مانا الخاصة بها بالفعل: "انتظري. لا يلمسها أحد، وروز، ابقي ساكنة ولا تفزعي. لا يبدو أنه أي نوع من الهجوم".
بدأت ترتل تعويذة بصيرة، آملة في معرفة ما كان عليه الأمر حقاً، لكن روز لم تكن بارعة جداً في تجنب الفزع. ولإنصافها، كان وجود توهج غير مفسر ينتشر على جلدها ويغطي يديها مادة جيدة للفزع تماماً. بل بدأ يتسلق عنقها ويلامس وجهها. طال شعرها لبضع بوصات، وخف البهتان الناجم عن أوساخ السفر قليلاً. قبضت روز على مقعدها، وتكسر الخشب في يديها. ثم انقطع كل شيء فجأة.
سأل هايدالف: "ما الجحيم؟"
أتمت كيليلا تعويذتها، وتدحرجت موجة من مانا فوق العربة.
وخلصت قائلة: "سحر تحوير، لكن السحر فشل قبل الاكتمال... ربما كان عنصراً سحرياً أحرق نفسه بنفسه... أتحملين أي شيء غير معتاد؟"
عبس هايدالف، وهو يعلم تماماً أنه كان سيلحظ أي عناصر تحمل ذلك النوع من السحر.
أكدت روز باهتزاز: "لا".
"لا أحد هنا يلقي تعاويذ أيضاً".
قال بلاتوس وهو يحدق في الرف الخشبي الذي كانوا يجلسون عليه: "انتظر لحظة. قبل كل ذلك...".
ثم قبض عليه بنفسه وعصره. لم يحدث شيء. عصره بقوة أكبر، وبارزت العروق فوق معصميه، وأصدر أخيراً صوت تصدع. أفلت يده وانتزع بضع شظايا خشبية من يده النازفة.
سألتي ميلودي بقلق: "عزيزي؟"
سأل بلاتوس متجاهلاً زوجته وجروحه: "روز؟ يدكِ؟"
أمدت روز يدها السليمة وغير المصابة بأذى.
سأل بتعثر: "أتأكدين أن ذلك كان سحراً تحويرياً؟ لا تعزيزاً؟"
وافقت كيليلا بتردد: "يبدو أن ذلك تأثير تعزيز جسدي قوي... لكن التعويذة كانت تحويرية بالتأكيد".
تمتم هايدالف: "أه، لأجل الخير. تعرفين تماماً كما أعرف أن تلك كانت ميستري اللعينة مجددًا. لكن إن أردت دليلاً فعلياً، فقد توقف [كشف التجسس] عن الإصدار لحظة انقطاع التأثير".
"... حسناً. أجل، غالباً كانت هي مجدداً".
فقد بلاتوس أي لياقة اجتماعية فجأة منفعلاً: "ذاك؟ أتخبرينني أن ما حدث لابنتي للتو كان خطأك؟"
اعترف هايدالف: "الأمر... معقد. نوع من الأشياء الشبيهة بالأشباح تقيم مع كيليلا. ليست لدينا فكرة عن مصدرها، لكنها ذكية، ولا تتكلم أي لغة جربناها حتى الآن، ولديها عادة سيئة تتمثل في إحداث الفوضى أينما ذهبت. ويبدو أنها تستطيع استخدام السحر الآن".
خمست ميلودي: "لذا لهذا السبب طردتم من العاصمة إذن".
"حسناً، لسنا مطرودين. ليس رسمياً. على أي حال، عذراً للفوضى".
قالت ميلودي: "أظن أننا سنحتاج لأكثر من مجرد اعتذار قليلاً. ما الذي حدث للتو، وهل روز في أي خطر؟"
بالطبع، لم تكن لدى كيليلا أي فكرة، مما جعل استرضاء عائلة المغامرين أمراً عسيراً. أما تلك التي تستطيع الإجابة عن السؤال فقد غادرت العربة بالفعل، كما ادعى هايدالف، لكن ليس لأنها ركضت عائدة إلى جسدها في البيت. بل كانت ترفرف خلف العربة، مسحوبة على طول مقودها. كان إلقاء تعويذة لا تملك لأجلها ما يكفي من المانا خيار حياة سيئاً عموماً. لم يكن محاولة إلقاء [تحويل الفتاة السحرية]
متعمدة بالكامل، لكن ذلك لم يغير حقيقة أن المستويين اللذين تملكهما من [زيادة الخصائص] لم يكونا كافيين لإدارتها بنجاح. كان الساحر البشري العادي ليُشتت تركيزه، أو ليغشى عليه مع التركيز الخارق.
لم تكن ميستري ساحرة «عادية»
بأي شكل، وقد فرغت روحها عرضاً من المانا تماماً. واتضح أن ذلك له تأثيرات مدمرة على قدرتها في التحكم بحركتها، مما تركها معلقة في نهاية مقودها وعاجزة عن العودة إلى جسدها.
تأوهت: "هذا مؤلم. تعاويذ غبية. أ حقاً أحتاج لأن أكون حذرة كي لا أفكر كثيراً في أمر ما تحسباً لحدوثه؟"
لحسن الحظ، كانت مانا الخاصة بها تتعافى بسرعة. لقد كانتا قريبتين بما يكفي من الغابة الشيطانية لتبدأ مستويات المانا الخلفية في الارتفاع، وتجرعت روح ميستري المانا بنهم. لن يتطلب الأمر سوى دقيقة أو دقتين قبل أن تمتص ما يكفي من المانا لتجر نفسها عائدة إلى جنينها لتتعافى بشكل صحيح. للأسف، يمكن للكثير أن يحدث في دقيقة أو دقتين. على سبيل المثال، يمكن لعربة أن تقود فوق نتوء سيء للغاية، مهتزة بشدة لكل من بداخلها.
انقطع المقود.