مقر فرقة "ستارلينغ".
كان المقر الصاخب دائماً في الآونة الأخيرة بسبب ازدياد عدد أعضائه، يلفه صمتٌ غير معتاد للمرة الأولى منذ فترة طويلة. لقد بدأت العطلة الصيفية!
فتح "ديزير"—الذي بقي بمفرده في المقر—دفتر ملاحظاته، ورسم خطاً يشطب به تاريخ اليوم في التقويم.
(أظن أنه قد أبقِ لي ستة عشر شهراً وفقاً للجدول الزمني الذي أعرفه).
كان "ديزير" حريصاً ومواظباً على تتبع المقدار المتبقي له من الوقت كل يوم. كان هوساً وعادةً لم ينقطع عنها منذ لحظة عودته.
وكُلمَا زاد عدد الخطوط على التقويم، وجد نفسه يزداد اضطراباً وقلقاً: (قد يكون التاريخ الذي تظهر فيه متاهة الظل قد تغير).
على مدى الأشهر الستة الماضية، وقعت الأحداث في أوقاتٍ كثيرة بأساليب لم يتوقعها "ديزير". لقد أحدث تغييراتٍ كثيرة جداً في هذا الجدول الزمني، واستمرت تبعات تلك الأفعال في إبعاد المستقبل أكثر فأكثر عما يذكره.
كانت معرفة المستقبل هي السلاح الأكبر والمتاح تحت تصرفه؛ وكان جلياً الآن أنه كلما استخدمه أكثر، فقد القدرة على التنبؤ به أسرع.
وفوق كل شيء، شعر بالحاجة إلى الاستعداد لاحتمالية وقوع متاهة الظل في وقتٍ أقرب مما كان يتوقع.
وبهذا المعدل، لن يكون مستغرباً حتى لو ظهرت متاهة الظل في زمنٍ مختلف. لقد أعد الكثير، لكنه ما زال يتوجب عليه فعل الشيء الكثير.
(أولاً وقبل كل شيء، يجب عليّ التأكد من القضاء على الأوتسايدرز).
كان "الأوتسايدرز" هم السبب الأكبر للتغيير في التاريخ الذي يذكره "ديزير"، وقبل كل شيء، كان من المرجح جداً أن يعيقوا خطته لتطهير متاهة الظل.
لذا، وضع "ديزير" التخلص من الأوتسايدرز على رأس أولوياته من بين الأمور التي يتوجب عليه إنجازها الآن.
لقد كان واثقاً من أن الأوتسايدرز ومملكة "ديفايد" يمتلكان علاقةً من نوعٍ ما بعد أن شهد ذلك بنفسه أثناء التحقيق في مقاطعة "نوردين". ولم يكن "ديزير" من النوع الذي يدع الفرص تفلت من بين يديه، لذا بدأ على الفور تحقيقاً أعمق في الشؤون الداخلية لـ ديفايد.
ومع ذلك، ذهبت كل جهوده أدراج الرياح.
«لا يُسمح لأي شخصٍ مرتبط بالصحافة بالدخول إلى مملكة ديفايد لبعض الوقت.»
كان هذا كل ما استطاع "فانغ زار" من صحيفة "أيلوس" (Aylus News) إخباره به.
وشبكة معلومات "ديزير" الأكثر أهمية—صحيفة أيلوس—لم تتمكن من الحصول على أي معلومات مفصلة من داخل ديفايد بسبب قيود الهجرة والعبور الصارمة التي فرضتها العائلة المالكة هناك.
(سيكون هذا أمراً مزعجاً).
ومع ذلك، فإن إبقاء شعب دولةٍ كاملة صامتاً هي مهمةٌ مستحيلة. وفي النهاية، تمكن "ديزير" من جمع بعض المعلومات، لكن وصفها بالمفيدة سيكون مبالغةً وإطراءً.
كان "ديزير" متأكداً من وجود علاقة بين الأوتسايدرز وديفايد، وبدت المعلومات التي حصل عليها تعزز ذلك الفكر، لكنه لم يمتلك شيئاً يثبت ذلك. كان من الحيوي أن يحصل على دليلٍ ملموس قبل اتخاذ أي أفعالٍ علنية؛ إذ إن اتخاذ خطوة طائشة قد يجلب كافة أنواع الصداع الدبلوماسي.
ومع ذلك، كان نطاق حركة "ديزير" محدوداً إذا لم يتمكن من الحصول على المزيد من المعلومات.
(إذن لا توجد سوى طريقةٍ واحدة).
قلب "ديزير" صفحات دفتر ملاحظاته؛ وكان بداخله صفحةً تلو الأخرى من الكتابة المتراصة التي تحتوي على كل حدثٍ ذي أهمية تاريخية يستطيع "ديزير" تذكره. وكلما تذكر شيئاً جديداً من حياته السابقة، كان يدونه بسرعة في ذلك الدفتر. وكان يقيّم كل حدث بمقياسٍ من واحد إلى ستة، منظماً إياها موضوعياً حسب الأهمية. ومسلحاً بهذه المعرفة ونظام التقييم، كان يقرر مسار أفعاله مع شعورٍ طفيف بالاطمئنان إلى أنه يُحدث تغييراً إيجابياً في الصورة الكبيرة.
وكان هناك حدثٌ واحد من بين الأحداث الأخرى يبرز بوضوح:
[الرتبة 6: المجلس الأعظم لاتحاد ممالك الغرب (مملكة ديفايد)]
سيعقد اتحاد ممالك الغرب المجلس الأعظم هذا العام، تماماً كما حدث في العام الماضي. والمكان الذي سيُقام فيه هو مملكة ديفايد.
( ليس أمامي خيارٌ سوى الذهاب والتحقق من الوضع بنفسي).
وبما أنه لم يتمكن من الحصول على المزيد من المعلومات من شبكة استخباراته، فقد قرر التحرك شخصياً.
وبعد اتخاذ القرار، تواصل مع أحدهم: «سيد برج السحر، كيف حالك؟»
[- أنا بخير كما هو الحال دائماً.]
وبعد تبادل تحياتٍ قصيرة، أطلع "ديزير" سيد البرج "زود إكساريون" على ما حدث أثناء غيابه، وأخبره أيضاً أنه سيشارك في المجلس الأعظم.
[- هذا شديد الخطورة.]
أعرب "زود" عن قلقه بعد سماع كلام "ديزير".
[- إذا كان الأوتسايدرز يسيطرون بالفعل على ديفايد، فإن تصرفك هذا يعني الذهاب إلى قلب معسكر العدو. إنه أمرٌ انتحاري.]
«ولكن إن لم أفعل ذلك بنفسي، فلن تكون هناك أي وسيلةٍ أخرى للحصول على المعلومات. وبدون معلومات، لن أتمكن من إيقافهم.»
غرق "زود" في أفكاره: [- هممم…]
«الوقت جوهري وحاسم. إنهم يمضون قدماً في خطتهم بينما نتحدث، وسوف تؤدي بالتأكيد إلى أضرارٍ ومصائب جسيمة.»
وكما قال "زود"، كان هذا مساراً خطيراً جداً للأفعال، لكن "ديزير" لم يطرحه دون مغزى أو نية.
«لابد أن هناك سبباً جعل الأوتسايدرز وديفايد لا يتخذون أي تحركات رئيسية حتى الآن، رغم أنهم كسبوا القوة للسيطرة على العالمين السياسي والاقتصادي. لابد أنهم غير قادرين على التحرك الفوري بعد.»
إذا تصرفوا في وقتٍ مبكر جداً وشردت خطتهم، فمن المرجح جداً أن يصبحوا مرةً أخرى هدفاً للتحالف العالمي.
ورغم أنهم لا يعلمون ما الذي يخطط بقايا الأوتسايدرز لفعله بعد، إلا أنهم لا يستطيعون تحمل قتال الدول الأخرى الآن، خاصة مع وجود ديفايد تحت قيادتهم. لقد أنهوا للتو حرباً طاحنة، وكانت القوة العسكرية للقارة في أدنى مستوياتها منذ فترة طويلة نتيجة لذلك.
تحدث "زود" بعد أن تنهد بعمق: [- إذن باختصار، غايتك هي الحصول على المعلومات المتعلقة بـ الأوتسايدرز في ديفايد، وكشف وجودهم بالدليل القاطع.]
«هذا صحيح. بمجرد أن أحصل على تأكيدٍ إيجابي لتورطهم، سأكون قادراً على التغلب عليهم قبل أن يقدموا على أي فعل آخر.»
ورغم أنهم لم يعلموا القوة العسكرية التي تحت تصرف الأوتسايدرز الآن، إلا أنها بالتأكيد لم تكن كافية للسيطرة على الإمبراطورية؛ كانت هذه حقيقة قاطعة.
«ومع ذلك، سيكون من الأفضل تعزيز الحراسة والحماية للتحوط والاحتياط.»
[- فهمت. سأحيط كل ملكٍ علماً بذلك مباشرة.]
كان لصوت "زود" تأثيرٌ ونفوذ هائلان عبر القارة، لكن أثره كان أشد قوة في اتحاد ممالك الغرب، بسبب روابطهم وثيقة الصلة.
«سأعد إجراءاتٍ مضادة أخرى أيضاً.»
[- حظاً موفقاً.]
بعد المحادثة مع "زود"، اختار "ديزير" طلب التعاون مع الحرس الملكي. كان الحرس الملكي مجموعةً من الأشخاص الذين شعر الإمبراطور أنهم وصلوا إلى ذروة فئة سلاحهم في الإمبراطورية، وكانت مهاراتهم فوق كل شبهة أو شك.
أراد "ديزير" أن يكون الحرس الملكي ورابحته الرابحة لمزيدٍ من الأمان والاحتياط.
ومع ذلك، لم تسر الأمور بذاك القدر من السهولة المتوقعة.
فقد غادر "سيف" الحرس الملكي في مهمةٍ لحساب الإمبراطور، لذا كان من المستحيل طلب مساعدته في المقام الأول.
وكان أول شخص طلب منه "ديزير" المساعدة هو "رافاييلو"، درع الحرس الملكي. ومع ذلك، تردد "رافاييلو" واستصعب هذا الطرح: «أود مساعدتك، لكنني لا أستطيع مغادرة جانب جلالته. وظيفتي هي حمايته، أكثر من أي فرد آخر من الحرس الملكي.»
«أنا أتفهم ذلك.»
«لم تذهب إلى "سوان" بعد، أليس كذلك؟ لأكون صادقاً معك، لا أعتقد أن الاقتراب منها وسؤالها سيسير على ما يرام…»
أومأ "ديزير" برأسه متفقاً مع "رافاييلو": «بصراحة، هي تكره جميع المهام التي تسبب الإزعاج والشقاء.»
«أتمنى لك التوفيق.»
بعد أن غادر "ديزير" "رافاييلو"، اتجه إلى الحانة التي أُبلغ أن "سوان" كانت متواجدة فيها مؤخراً.
(إذا رفضتني هي أيضاً، فسأحتاج إلى وضع خطةٍ أخرى).
فتح باب الحانة دون الكثير من التوقعات.
كانت "كاتارينا" تجلس تشرب بمفردها، تبدو عادية جداً بالنسبة لعضوٍ في الحرس الملكي.
(لا، إنها أبعد ما تكون عن العادية).
بجوارها زجاجات خمرٍ متراكمة وجمهرة من الناس يحدقون فيها بفزع وذهول. ورغم أن الأمر كان واضحاً من الموقف، إلا أن "ديزير" تذكر أنها كانت شاربة خمر ثقيلة ومفرطة بشكل لا يُصدق.
وعندما جلس "ديزير" قبالتها، ولوحت بيدها بعد أن تعرفت عليه. ولم تبدُ ثملةً على الإطلاق.
«إذن، ما الأمر هذه المرة؟»
انتقل "ديزير" إلى المقعد الملاسي لها وأخبرها بما قاله لـ "رافاييلو" تماماً.
واصلت "سوان" الشرب وهي تستمع دون اهتمام. وبمجرد أن أنهى "ديزير" كلامه، فتحت فمها أخيراً بنبرةٍ موحية: «هل ستذهب مع الأعضاء الأساسيين لفرقة ستارلينغ أيضاً؟»
«…؟»
أمال "ديزير" رأسه، غير فاهمٍ ما تصبو إليه: «في الواقع… نعم…»
«أهكذا الأمر؟»
ابتسمت "سوان" وهي تضع الكأس التي كانت ترشف منها على الطاولة: «سأقبل طلبك.»
«ماذا؟»
«سآتي معك… أليس هذا ما تريد؟»
«د…»
نظر إليها "ديزير" بتعبيرٍ ملأه الارتباك والذهول.
وجد "ديزير" شؤماً وريبةً في موافقتها بهذه السهولة، رغم أنه لم يمتلك سوى القليل من التوقعات.
(هل قالت نعم بهذه السهولة بسبب…؟)
سأل "ديزير" بشرود وشك: «… هل هذا بسبب برام؟»
«خباب أمل… لا أعلم.»
تجرعت "سوان" ما تبقى في كأسها وابتسمت؛ كانت ابتسامةً تخفي كل عاطفة أخرى، مجبرةً المشاهد على العجز عن التكهن بمعناها بدقة.
«على أي حال، شكراً لكِ. سأتصل بكِ لاحقاً مرةً أخرى.»
«هل أنت مغادر؟ لمَ لا تتناول مشروباً؟»
«لا، أنا لا أحب الشرب كثيراً.»
تاركاً "سوان" في الحانة—التي انغمست على الفور من جديد في الشرب—قرر "ديزير" حماية "برام".
وحده لا شريك له له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير
لا حول و لا قوة الى أقسم له النعمة وله الفضل و له الثناء الحسن مخلصين له الدين و لو كره الكافرون
لا تدعو الروايات و ملذات الحيات تلهيكم عن الصلاة و العبادات و سائر مسؤولياتكم في الحياة يا اخوان و السلام عليكم