حوّلت "رومانيكا" نظراتها نحو نافذة الحافلة، وأسندت ذقنها على يدها برفق؛ وعلى الضفة الأخرى من النافذة، تجلت مناظر أكاديمية "هيبريون" المغطاة بضباب الصباح الباكر.
وكان ينعكس في حدقتيها مأوى فرقة "ستارلينغ".
وبينما كانت تحدق عبر النافذة، لم تتمكن من منع نفسها من التفكير في الحوار الذي دار بينها وبين "ديزير" أثناء الجلسة التدريبية للفرقة.
«طالما أن "أدجيست" هنا، فأعتقد أنه لا حاجة بي حقاً.»
احمرّ وجه "رومانيكا" بلونٍ قرمزي قانٍ.
وسرعان ما شاحت بنظرها بعيداً عن السكن وعلّقت عينيها بثبات على قدميها، وكأنما تعتزم إخفاء وجهها المزرّك بالخجل.
(ما الذي كنتُ أفكر فيه حتى أقول شيئاً كهذا؟)
لم تستطع "رومانيكا" استيعاب السبب الذي دفعها لفعل ذلك، مهما أمعنت التفكير وأحرقت نفسها في اللوم.
لقد كانت "رومانيكا" معتزة بنفسها إلى حد الإفرط؛ وكانت تمقت أن يتلقى أحد مواساتها أو يرثي لحالها.
ولهذا السبب كانت ترتدي دائماً قناع الشجاعة وتخفي ثغراتها، دون أن تكشف مواضع ضعفها لأي شخصٍ كان.
(مهما كان السبب، فإن ما قلته كان سيئاً إلى أقصى حد).
(لماذا تطرقتُ لـ "أدجيست" أساساً؟ اعتماداً على زاوية رؤية الآخرين، قد يظن أحدهم أنني أضمر بغضاً لـ "أدجيست").
لو كان الأمر بيدها، لرغبت "رومانيكا" في العودة إلى الماضي وإيقاف نفسها.
لكن ذلك الإحباط تلاشى بسرعةٍ كما جاء…
«لقد شعرتِ بالإحباط بعد أن اصطدمتِ بجدارٍ يعجزكِ تسلقه، مهما بلغت حاجتكِ لذلك لحماية رفاقكِ.»
لم يوبخها "ديزير" في لحظة ضعفها، بل واساها؛ لقد سبر غورها وحدد بدقة ما لم تستطع "رومانيكا" إدراكه بمفردها.
― نحن نصل الآن إلى ميادين التدريب. يرجى جمع كافة مقتنياتكم والتوجه نحو المخرج.
استيقظت "رومانيكا" من أوهامها وتأملاتها على إثر ذلك الإعلان المباغت.
وكان في استقبالها أمام موقف الحافلات تمثالُ مبارزٍ من الرخام العاجي المألوف لديها للغاية.
وبدأت تصعد الدرج الممتد أمامها بتمهل؛ إذ كان ميدان تدريب عنصر الرياح يقبع في الطابق العلوي من المنشأة التدريبية. وشعرت بخفةٍ غريبة في خطوها وهي تخطو نحو هناك.
(هل كان صعود هذا الدرج بهذه السهولة دائماً؟)
قبل أيامٍ قلائل فقط، كانت تتذكر أنها كانت ترجع منهكةً من صعود هذه الأدراج اللانهائية؛ فقد كانت تُستنزف نفسياً وبدنياً.
ومع ذلك، كانت خطواتها خفيفةً ومبتهجة على نحوٍ مثير للدهشة الآن.
«أنا أؤمن بكِ.»
لقد كانت تؤمن بنفسها دائماً، حتى وإن اهتز هذا الإيمان قليلاً منذ معركة الهومونكولوس.
إلا أن عبارة "ديزير" البسيطة قد غيّرت كل شيء: (ديزير يؤمن بإمكانياتي).
حتى عندما كانت "رومانيكا" تشك في قدراتها الذاتية، كان "ديزير" يثق بها طوال الطريق؛ وكان معرفة ذلك تجعل "رومانيكا" سعيدةً بحق. لقد جرفت تلك السلسلة البسيطة من الكلمات كل المخاوف والاضطرابات التي كانت تثقل كاهلها بشدة.
«هه هه…»
ومع تجسد تلك الذكرى أمام عينيها، ابتسمت "رومانيكا" دون أن تشعر.
ومع مشيها المستغرق في أفكارها، وصلت إلى ميدان تدريب عنصر الرياح في وقتٍ قياسي.
لم يكن هناك أحدٌ في الميدان في مثل هذه الساعة المبكرة؛ وكانت معتادةً على عدم وجود من يزعجها هناك.
وكانت هناك ألواحٌ حديدية في زاوية الميدان، كانت قد جلبتها مسبقاً.
وبنقرةٍ من إصبعها، بدأت الألواح الحديدية تطوف في الهواء واستقرت على شكل دائرة في منتصف الميدان.
(قال لي ديزير أنه لا داعي للتعجل).
هذا ما قاله "ديزير"، معرباً في الوقت نفسه عن إيمانه بقدراتها؛ وكانت نصيحته صائبة في موضعها تماماً، فقد كانت جزعة متلهفة للوصول إلى الدائرة الرابعة.
(… صحيحٌ أنني أستطيع رؤية مشاكلي عندما لا أتعجل).
كان السبب في عدم تمكنها من تحقيق الدائرة الرابعة يعود إلى افتقارها للتحكم الدقيق بالمانا.
وللوصول إلى الدائرة الرابعة، كان التحكم الدقيق للغاية بالمانا أمراً جوهرياً؛ فكمية المانا التي تمتلكها وتستطيع حشدها كانت أكثر من كافية، والتصور السحري الذي طوّرته كان جلياً ومكتمل التفاصيل. وفور أن تصبح قادرة على التحكم بالمانا بدقة، سيتشكل بناء الدائرة الإضافية طبيعياً تلقائياً.
(لقد كان الأمر بـ هذه البساطة).
صليل! صليل!
سمعت صوت انسحاق الحديد وانكماشه؛ فلم تكن تستطيع التعامل سوى مع عشرة ألواح قبل يومين فقط. ولو أنها واصلت التدريب بعشرة ألواح فحسب، لكانت صقلت مستواها الحالي وحافظت عليه فقط.
أما عدد الألواح الحديدية القابعة الآن في ميدان التدريب، فقد تجاوز العشرة بكثير.
وكان هذا ثمرة وضع قلبها وروحها في تدريبها؛ فقد بات لديها هدفٌ جديد والحافز اللازم لتحقيقه.
جلست بهدوءٍ متربعة في مركز الألواح الحديدية التي رتبتها في دائرة مثالية من حولها.
وخطر ببالها شيءٌ واحد وسط هذا الصمت السلامي: (كيف استطاع ديزير فهم ما أشعر به تماماً على أي حال؟)
كانت فكرةً تشتت تركيزها عن التحكم بالمانا، ولكنها لم تستطع التغاضي عنها؛ بل يتوجب عليها التثبت والتأكد. وتذكرت ما قاله لها "ديزير".
«لأنني كنتُ كذلك تماماً.»
قال "ديزير" إنه تُرك محبطاً ومكسوراً أمام عجزه ونقص قوته أمام رفاقه المحتضرين.
وأدركت أن ما قاله لم يكن بدافع محاولة مواساتها؛ بل كان يتوجب عليها إدراك ذلك. لقد كانت كلماته صادقة وممتزجة بالكثير من المشاعر الجياشة.
وكان من المفترض في التاجر الموهوب أن يكون قارئاً بارعاً لمشاعر الآخرين.
وحين يتعلق الأمر بالمساومة والمفاوضات، فإن قراءة عواطف الزبون أمرٌ بالغ الأهمية. ولأنها نشأت وتدربت بصرامة كـ ابنة بكر لـ قائد هيئة تجارية كبرى، فقد كانت حساسةً تجاه مشاعر الناس الآخرين.
ومن ثم، فقد عرفت ذلك…
«لقد لُمتُ نفسي ذات يوم لتضحية رفاقي أيضاً.»
استطاعت "رومانيكا" قراءة الكثير من الأشياء من خلال تلك الكلمات…
تعبيرٌ خالٍ من كل العواطف الظاهرة…
وحزنٌ غائر وعميق للغاية…
(أي نوعٍ من الماضي خاضه ديزير ليتأثر بهذه الطريقة؟)
وبالتفكير في الأمر، كانت هذه هي المرة الثانية؛ فقد أظهر "ديزير" لـ "رومانيكا" نوع المشاعر نفسه في مناسبةٍ أخرى.
عند شاطئ "إيستاكار" في الغروب الذهبي قبل وقوع الهجوم الإرهابي في "بريليتشا"…
«أريدكِ أن تبقي على قيد الحياة.»
كآبة عميقة…
وعينان تعبران بوضوح عن حسٍ هائل بالفقدان والضياع…
في ذلك الوقت، كان لدى "ديزير" العيون نفسها التي كانت لديه بالأمس.
(لدَي كومةٌ من الأسئلة التي أريد طرحها عليه).
لم تستطع منع نفسها من التفكير في أن ما تعرفه عن "ديزير" ليس سوى رأس جبل الجليد العائم.
(ولكنني لن أفعل).
هزت "رومانيكا" رأسها؛ فكما آمن "ديزير" بها، قررت هي الأخرى أن تؤمن بـ "ديزير".
لم يكن من نمط الأشخاص الذين يخدعون الآخرين لخدمة جشعهم الشخصي؛ وعندما يحين الوقت المناسب، سيفصح لها بملء إرادته.
(وبينما أنتظر حلول ذلك الوقت، يتوجب عليّ أن أغدو أشد قوة).
سيعود اليوم الذي يفتح فيه "ديزير" قلبه لـ "رومانيكا" ويعتمد عليها؛ وفي ذلك الوقت، قررت أنها ستسانده بقلبها كاملاً.
(ولأكون ذائذةً وعوناً له، يجب أن أكون أشد قوة بكثير).
بدأت "رومانيكا" في تدوير المانا الخاصة بها تدريجياً، لتهب نسائم حثيثة في الغرفة.
(السبب الذي يدفعني لأكون أشد قوة بسيط).
مدت يدها؛ وطفت من حولها ألواحٌ حديدية عديدة بحجم كف اليد. وكان عدد الألواح الطافية يزداد باستمرار، وقبل مضي وقتٍ طويل، كانت جميع الألواح تسبح في الهواء. وفي لحظاتٍ معدودة، بلغ عددها المئة!
(السبب الأول هو حماية رفاقي).
بدأت الألواح الحديدية تدور من حولها…
وتصبب جبينها بعرقٍ متقطر؛ فلم يكن من السهل—حتى بالنسبة لـ "رومانيكا"—التحكم بـ التيار الهوائي الذي يحرك كل تلك الألواح الحديدية.
(السبب الثاني هو مساندة ديزير).
قبضت يدها لتتخذ شكل قبضة.
صليل!
صليل!
امتلأ ميدان التدريب بصوت انسحاق الألواح الحديدية وانكماشها.
كانت غرفة "ديزير" في حالة فوضى؛ فقد كانت كتبٌ عديدة مبعثرة على الأرضية. وكانت تركز في مجملها على دوائر المانا وترددات الرنين.
وفي منتصف هذه الفوضى تماماً، جلس "ديزير" متربعاً.
لهث…
بينما كان يتنفس بجهد، كانت جزيئاتٌ زرقاء تتطاير من حوله بالتزامن مع أنفاسه.
(سأقوم بزراعة دائرة المانا الخاصة بـ الهومونكولوس).
حسم "ديزير" أمره؛ فأثناء حديثه مع "رومانيكا"، استوعب السبب الذي يوجب عليه أن يكون أشد قوة.
لقد أراد حماية رفاقه الذين يقفون إلى جواره؛ ولهذا الغرض، كان عليه أن يكون أشد قوة بكثير.
لم يتخذ "ديزير" هذا القرار باستهتار؛ وإعداداً لذلك، قام بأمرين اثنين:
الأول هو ما كان يفعله الآن…
لقد قام بتقوية دائرة المانا الخاصة به، معززاً إياها لتغدو متماسكة بأقصى قدرٍ ممكن.
ولم يكن لهذا أي علاقة بتحسين مهاراته؛ فعموماً، لم يكن لتقوية دوائر المانا أي فائدة، بل كان يجعل تطوير دوائر إضافية مستقبلاً أمراً أشد صعوبة.
لكنه واصل فعل ما سيعتبره الآخرون أمراً غير مفهوم؛ وكان كل ذلك ليتسنى له الصمود لوقتٍ أطول قليلاً إذا ما فاضت المانا وغمرت جسده.
«هذا يكفي لهذا اليوم إذاً.»
أرخى "ديزير" من جلسته واستخرج حجر مانا من أحد أدراجه؛ وكان قد اشترى كميةً كبيرة منها باستخدام جزءٍ كبير من مدخراته في هذه العملية.
أغلق عينيه، ممسكاً بـ حجر المانا في قبضته.
«…»
وبعد زهاء ثلاث دقائق، تردد صوت طنين متنافر صادر من حجر المانا؛ وبدأ التردد المتميز داخل حجر المانا بالرنين تدريجياً مع تردد دائرة المانا الخاصة بـ "ديزير".
كان هذا نوعاً من الممارسة والتمرين لتعديل ترددٍ متميز آخر ليتوافق مع تردد دائرة المانا لديه.
تتبقى خمسة أيام قبل أن يلتقي بـ "زود" مجدداً…
وعبر الاستمرار بهذه الطريقة، أعد نفسه بأقصى ما تتيحه له قدراته استعداداً لعملية زراعة الدائرة.
وحده لا شريك له له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير
لا حول و لا قوة الى أقسم له النعمة وله الفضل و له الثناء الحسن مخلصين له الدين و لو كره الكافرون
لا تدعو الوايات و ملذات الحيات تلهيكم عن الصلاة و العبادات و سائر مسؤولياتكم في الحياة يا اخوان و السلام عليكم